أخي بشّار …امّا وقد إتخّذت جامعة الدول العربية قرارها الحاسم تجاه النظام الذي تترأسه، فذلك يعني، كما يتبدّى لي من هنا، أن ساعة النهاية قد أزفّت، وساعة الحقيقة قد دقّت، وان العدّ العكسي لأفول حقبةٍ، وظهور حقبةٍ اُخرى قد اصبح حقيقةً لا يمكن إنكارها…
إن استخدام اسلوب النعامة لم يعد يُجديك نفعاً بعد الآن، فكل تعنّتٍ او لا مبالاةٍ او عجرفةٍ او تجاهل لمقررات الجامعة العربية، قد تبديها بعد الآن، سوف ترتدّ عليك سلباً اضعافاً مُضاعفة…
اخي بشّار، صدقنّي، إن من يحسب نفسه نيرون العصر القدير، والقادر على معاكسة رياح الربيع العربي، سوف تقتلعه هذه الرياح من جذوره، مهما تشعبّت هذه الجذور وامتّدت كخيطان العنكبوت في ارجاء سوريا ولبنان وفلسطين والعراق …
اخي بشّار، بالله عليك، لماذا الإصرار على المكابرة؟ لماذا تتجاهل وتقفز فوق تجارب الذين سبقوك من زعماء اعتقدوا ان القمع والإستبداد يُثبت حكمهم الى الأبد، وتوهمّوا ان تسخير الشعب وإلهاءه بشعاراتٍ فارغة هو المطية الأسهل للتربع على عرش السلطة الأبدية…لماذا لا تأخذ العِبر ممّا آل اليه مصيرهم بعد طول سلطانٍ وجبروت؟؟!!…
اخي بشّار… "جنت على نفسها براقش"!! فِعوض التوقّف عند الخطوط الحمر الإنسانية والأخلاقية والسياسية، تجبّرت، وتخطيّت كل الخطوط، واسترسلت في غيّك، فجلبت العزلة لنظامك… وعندما رُمي اليك طوق نجاة من خلال مبادرات ومُهل، ودعواتٍ "للإصلاح الحقيقي لا الصوري"، اردت ان تستخدم هذا الطوق لغير وظيفته الأساسية، فحاولت ان تلفّه أكثر فأكثر على عنق المقهورين، عوض ان تُصلح ما افسدته انت وحاشيتك متسبباً بهذا الإنفجار الكبير…
أخي بشّار… فعلاً لقد جنت على نفسها براقش… فلا!! ليس القهر، والإستبداد، والقتل، والتعذيب، وإقتلاع الأعين والأظافر وقطع الحناجر، والتعنّت، والإزدواجية، وكسب الوقت، واللعب على حافة الهاوية، والإبتزاز بالإرهاب، وزعزعة الإستقرار الإقليمي، هو الحل للمأزق الذي جنيته على نفسك… فعجلة التاريخ لا يمكن إيقافها، وحرية الشعوب لا يمكن خنقها الى ما لا نهاية…وجدار الصمت قد تهاوى، والربيع العربي ها قد اشرف على تفتّحه بالكامل…
أخي وصديقي بشّار…"صديقك من صَدقكَ"، وانت كنت دوماً الصديق الصدوق والعضد الذي أمدّني بالدعم، حتى عندما تخلّى الجميع عنّي، لذلك اجدني اليوم مُلزماً ان اقف الى جانبك في محنتك، بالرغم من انني صرتُ اعزلاً من كل شيء، إلاّ من مشورتي الأخوية التي اقدّمها لك بقلبٍ صادق، والنابعة من تجربةٍ، ومرارةٍ، لم تذقها أنت حتى هذه اللحظة…
صديقي العزيز بشّار…"إنّي ارى رؤوساً قد اينعت وحان قطافها"…والشعب لقاطفها…"وإنّي لأرى الدم يترقرق بين العمائم واللحى"…ولا يمكنني، في ظلّ ذلك كلّه، إلاّ ان اتوجّه اليك بصراحتي المعهودة، لأقول لك: دع الشعب يُعبر عن ذاته بحرّية تامّة، وكُفّ عن القتل والإرهاب، واتعّظ ممّن سبقك، فتنحّى… الآن الآن وليس غداً..
اخي بشّار، ان من يعتقد ان "الله مات"، وأن هذا الكون سائبٌ للظلم والقهر يدور في المجهول الى ما لانهاية، هو مغرورٌ وواهم… مغرورٌ وواهم، لأنه لم ينصت لسمير جعجع، في اوج القهر، عندما اطلق العنان لصرخة الضمير متمنياً "ألا يعتقد مُعتقد في لحظةٍ من اللحظات بأن الله مات، أو بأنه لا يتدخل فى التاريخ… مهما يكون الطريق طويلاً، صعباً وشاقاً، ومتعرجاً، فإنه فى نهاية المطاف لن تكون الا مشيئته. وكما في السماء كذلك على الأرض"…
صديقي بشّار، "الله لم يمت"!! وها هي ساحات الحريّة في سوريا، وفي ليبيا من قبلها، تُردد اليوم صدى صرخة سمير جعجع التي استخففتم بها قبلاً..فلا بُدّ لله أن يتدخّل في لحظةٍ تاريخيةٍ مناسبة، إستجابةً لنداء المقهورين والمظلومين الذين انتشينا برؤية جثثهم، واطربنا أنين عذاباتهم، وارتوينا من دمائهم حتى الثمالة…
امّا وأنني على إطّلاعٍ تام، ومسبق، على نهجك وأساليبك، وقرارك، وتركيبة نظامك الفخّارية العاصية على التغيير، فالواضح ان رسالتي هذه ذاهبةٌ أدراج الرياح لا محالة…
لذلك، وبما ان الندم لن ينفع حينها، سوف استغنم فرصة تعنّتك وسقوطك الوشيك، لكي اكتسب نديمٍ جديد، أستأنس بقدومه، فكيف إذا كان هذا النديم، صديقاً عزيزاً، وحليفاً صادقاً، و"إبن كارٍ" كأفضالك يا بشّار..فأهلاً بك، ضيفاً جديداً في دار "نار الأبدية"، بين أقرانٍ، ونزلاء كُثر، منهم من يمكث هنا منذ فجر التاريخ، ومنهم من مُخلّفات العصر الحجري، وآخرون من عصر نيرون وإضطهاد المسيحية، ومنهم من العصور المُظلمة، والبعض الآخر من عصر الديكتاتورية… ولكن، قبل ذلك كلّه، لا بد من كلمةٍ توضيحية: فـ دار "نار الأبدية"، كما يدّل اسمها، لا ماء فيها ولا انهار، وإنما نارٌ، وقصاصٌ أبدي، وجدران دُونّت عليها شعارات: "من يزرع الريح يحصد العاصفة"، و"للمظالم الصغيرة، كما للمظالم الكبيرة، يوم قصاصٍ مُستّلٌ منها، ومُستمدٌّ من ذاتها"، و"لا ظالمٍ إلاّ ويُبلى بأظلم"…امّا إذا تساقط بعض الرذاذ من جنّة الخلد فوقنا حيث يستريح الثوّار، والأبطال والمقهورون، فذلك ليس مؤشراً ابداً على ان "الدني عم تشتّي"…والى اللقاء قريباً بإذنه تعالى…
الإمضاء
معمّر القذّافي