#dfp #adsense

الطائرات المسيّرة… جحيم قادم من فوق بأقل من مليون دولار!

حجم الخط

كتب جو حمورة في “المسيرة” – العدد 1741

لم يكن قادة الجيش الأرميني ليتوقعوا أن عشرات الطائرات الحربية التي اشتروها من الهند لن تنفعهم بشيء. ففي عام 2021، وبعد اندلاع الحرب بين أرمينيا وآذربيجان، اكتشف هؤلاء القادة أن الطائرات المسيّرة التي استقدمتها آذربيجان من تركيا، مفيدة أكثر في الحرب. هذه المسيّرات السريعة والدقيقة في آن، ضربت الدفاعات الجوية الأرمينية والمدرّجات ببضع ساعات، فبات السلاح الجوي الأرميني من دون غطاء، وبالتالي لقمة سائغة لتنقض عليه الطائرات الآذربيجانية.

حسمت باكو الحرب وفازت على يريفان، فسيطرت على معظم إقليم ناغورنو كاراباخ وعلى مدينة “شوشا” الاستراتيجية. أما الطائرات الأرمينية المستقدمة من الهند، فهوت إلى الأرض من دون أن تحدث أي فرق في المعركة، على الرغم من أن أسعارها فاقت بأشواط ما صرفته باكو على الطائرات المسيّرة التركية.

كثر تعلّموا من هذه التجربة، فراح قادة الحرب في العالم يتداركون أهمية الطائرات المسيّرة وما حققته التكنولوجيا من تقدم في هذا المجال. لم تكن آذربجيان ومن خلفها تركيا هما أول من استعمل هذا النوع من الأسلحة، لكن ما قاما به خلال تلك الحرب كان الأكثر حسماً من ناحية النتائج.

أصبحت الطائرات من دون طيار أداة أساسية لجمع المعلومات الاستخباراتية والمراقبة وتنفيذ العمليات العسكرية. قيمتها الأساسية في أنها تعمل من دون تعريض الأرواح للخطر، كما توفر المراقبة المستمرة وجمع المعلومات الاستخباراتية في الوقت الفعلي، فيتمكن أي جيش من اكتشاف تحركات العدو وتقييم قدراته، كما وتتبع انتشار القوات العسكرية المعادية لحظة بلحظة.

أصبحت الضربات الموجّهة باستخدام الطائرات من دون طيار سمة شائعة في الحروب الأخيرة، وخصوصًا في الحرب الأكثر إثارة في العالم اليوم. في أوكرانيا، استخدمت كييف الطائرات من دون طيار بشكل لافت، الأمر الذي أدى إلى عرقلة التقدم الروسي. في المقابل، استخدمت روسيا التكتيك العسكري التقليدي وبشكل بليد خلال الحرب، فيما أبدت أوكرانيا قدرة على ممارسة الحرب بشكل حداثي. وفي الكثير من المرات، كان يمكن لطائرة واحدة من دون طيار أن توقف رتلاً من مئات الآليات الروسية، فتفقده زخمه الهجومي، أو تتتبع تحركاته لإيصال الإحداثيات والمعلومات إلى القوات البرية الأوكرانية.

وبالفعل، تمكّنت الطائرات من دون طيار الأوكرانية أن تضرب الأهداف بدقة من مسافة آمنة مما جعلها أقل خطورة على الأفراد العسكريين، ولكن أشد فتكاً بالقوات المعادية، وذلك بسبب إمكانية بقائها في الجوّ لفترات طويلة. هذه النتيجة المهمة التي وفرتها الطائرات من دون طيّار جعلت القادة العسكريين الغربيين يصفون المسيّرات بـ”الجحيم القادم من فوق”، في إشارة إلى قدرات هذه التكنولوجيا وتطوّرها من حيث الدقة وقدرة النار، وإنزالها الهزائم والخسائر بالقوى العسكرية التقليدية.

تُعد تكنولوجيا الطائرات من دون طيار مفيدة جداً في الزمن الحالي، وبشكل خاص في الحروب غير المتكافئة، حيث يمكن لعدد صغير من المتمردين أو الثوار أو حتى العسكريين إلحاق أضرار كبيرة بقوة تقليدية ضخمة. كما توفر الطائرات من دون طيار قدرة على تنفيذ استجابة ورد فعل فوري، وذلك بعد التقصّي عن نوع سلاح العدو، مكانه الميداني، عدده وآلياته…

تعمل تكنولوجيا الطائرات من دون طيار على تغيير الحرب يوماً بعد يوم، حيث تزوّد الجيش بأدوات جديدة لجمع المعلومات الاستخباراتية المهمة، وتنفيذ الضربات الدقيقة، وحتى تنفيذ عمليات الاغتيال. وهذا ما جرى بالفعل في الثالث من نيسان الماضي، عندما هاجمت مسيّرتان مقر إقامة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الكرملين، من دون أن تتمكنا من اغتياله، وذلك بعد إسقاطهما من الدفاعات الجوية الروسية.

هذه العملية، وإن كانت قد فشلت في تحقيق غرضها، إلا أنها تبقى نموذجاً ومثالاً يمكن أن يتكرر في أكثر من صراع وأكثر من منطقة. تغيّر الزمن الذي كانت الأسوار والجنود تحمي القادة في قصورهم، وبات الجميع في خطر ويمكن أن يُرصد ويُغتال بطائرة قد لا تتخطى تكلفة تصنيعها المليون دولار أميركي.

وتشير معظم الإحصائيات والدراسات الحديثة الى أن الولايات المتحدة لا تزال تتقدم في مجال الصناعات العسكرية المرتبطة بالمسيّرات، تليها الصين وروسيا والهند فتركيا وأستراليا وإسرائيل، أكان من ناحية الكمية أم من ناحية النوعية والتطور التكنولوجي. في حين تشير إحصاءات ودراسات أخرى إلى تقدم صيني ملحوظ في مجال التصنيع العسكري المرتبط بالطائرات المسيّرة، وإمكانية لحاق بكين بالولايات المتحدة بحلول العام 2030.

كل هذا يؤشر الى أن الطائرات من دون طيار ستلعب دورًا مهمًا في الحروب المستقبلية، وسيؤدي تطويرها إلى تعزيز قدراتها الميدانية مع الوقت، لا سيما في مجال إدارة هذه الطائرات وإمكانية تشكيل أسراب تعمل بشكل ذاتي مع بعضها البعض باستخدام الذكاء الاصطناعي وغيره من التكنولوجيا المتطورة.

وفي وقت وفّرت تكنولوجيا الطائرات من دون طيار العديد من المزايا في الحروب الأخيرة، إلا أنه من الأهمية الملاحظة بأن استخدامها يثير اعتبارات أخلاقية وقانونية كبيرة، لأن القوانين الدولية المرتبطة بالحرب والنزاعات الدولية لا تلحظ، بشكل حازم، المترتبات على استخدام هذا النوع من الآلات الحربية في الصراعات الدائرة. وهذا ما يجب أن تتم قوننته على شكل اتفاقيات دولية ترعى هذا النوع من الحروب وتضع حدوداً له وشروطاً لممارسته أسوة ببقية أنواع الأسلحة المستخدمة في الحروب حول العالم.

في العودة إلى أرمينيا، ومع انقشاع غبار الحرب، راحت يريفان تعمل على تطوير سلاحها الجوي من ناحية التكنولوجيا، وتسعى الآن إلى تخطي مرحلة الترهّل والكلاسيكية في شن الحروب، وذلك عبر تزويد نفسها بطائرات من دون طيار تكون قادرة على مواجهة العدو الآذربيجاني. في المقابل، خطت هذه الأخيرة خطوة إلى الأمام، واستطاعت، برعاية تركية وغربية، أن تحدث نقلة في ترسانتها العسكرية وكيفية شن الحروب. ففي الزمن الحالي، ما عاد الأكثر صدقاً أو عدداً هو المنتصر، بل من يملك التكنولوجيا العسكرية الأهم والأكثر تطوراً.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل