
لا أعرف لماذا تملك القوات اللبنانية هذه الجاذبية الفائقة، أو لنقل هذا السحر الغريب، الذي يجعل الخصوم القريبين والبعيدين، لا يجدوا في الساحة السياسية سواها، لاختراع الحكايات من حولها والاحداثيات واللقلقات باللغة المحكية، وأخبار تكاد تلامس أحياناً الخيال المطلق، ليصل اللبناني في النهاية للاستنتاج بأن القوات اللبنانية هي الحزب الوحيد الصهيوني المتأمرك المتواطئ المخادع لجمهوره ولبلده وما شابه. لا أعرف أساساً لماذا يسيل من حول القوات اللبنانية هذا الكم الهائل من حبر مخيلات البعض، بحيث يتحولون جميعهم فجأة الى كتاب مبدعين بلباس ملائكة وجوانح، ونحن شياطين بقرون.
لا بأس من فكرة شيطنتنا من وقت لآخر، ستي تقول “صيت غنى ولا صيت فقر”، “والشرير” المفترض فينا، يترك من حوله هالة الخوف. لا بأس إذا خفتوا أحياناً أو دائماً كما هو حاصل، منّا، إذ هذا يعني أن وطأة مواجهتنا ونضالنا بوجه المنظومة تلك، قاس جداً على قلوب البعض، أو… ربما على قلوب الكل!
على مزمزة كأس وتعليقات “تويتر”، وشوية أرشيف من الهجومات الضارية على القوات، تأكدت أكثر وأكثر من المؤكد فينا أساساً، بأن لا طرف في لبنان، لا طرف، لا حزب، لا رجل سياسي عانى وناضل الى حد الشقاء غالباً، كما عانت القوات اللبنانية وسمير جعجع تحديداً. لا طرف في لبنان تحمّل على مرّ السنين الطويلة ما تحملته “القوات” وشبابها وصباياها ومناضليها وقائدها أولاً وآخراً، من هجومات الى حدّ الإهانات الشخصية، واتهامات حيناً بالعمالة ضد السلطة العليّة، وأخرى بالمحاباة للسلطة للعليّة، واحترنا يا قرعة!…
ثمة مفارقة فاقعة. يعلن “الحزب” مراراً وتكراراً أن لحم أكتافه من طهران، ويصمت الكل. على الملأ يعلن حسن نصرالله أن تمويل المئة ألف مقاتل إيراني بامتياز، أموال إيران تُصرف لتسليح ميليشيا بوجه الدولة اللبنانية وجيشها، لتعزيز الدويلة على حساب الدولة علناً وجهارة، وحتى من دون حياء ولا مراعاة لتلك التي اسمها الجمهورية اللبنانية المسكينة، ويسكت الممانعون ويصمتون صمت القبور، ويحنون رؤوسهم للسيد صاغرين، “وأمرك سيدنا”! وعندما تواجه القوات اللبنانية والسياديون هذه المنظومة، نتحول الى عملاء وكتبة تقارير بحق أفرقاء لبنانيين، إما لأميركا أو للسعودية أو ربما الى كوكب زحل، علّنا نحجز لنا في المجرّة كوكباً يساندنا على حل أمورنا وانتخاب رئيس للبلاد… من يعرف!
“لسنا بحاجة لا لفرنسا ولا لأميركا لانتخاب رئيس، علينا التوجه الى البرلمان فقط”، قال الدكتور جعجع على اثر لقائه الموفد الفرنسي. أما بالنسبة للملكة العربية السعودية، فهي صديقة للقوات وللبنان قبل أي طرف، المملكة ومنذ سنين تساعد لبنان في محنه، لكنها لا تفرض على لبنان ولا على “القوات” ولا على السياديين من بيننا آرائها، هذه مملكة لا تحتل الإرادات ولا الأفكار في مقابل مساعدتها للبنان، بل تساعد لبنان كوطن شقيق تاريخه عريق في العلاقات الثنائية وليس أكثر. القوات اللبنانية ليست مرتهنة لأحد الا لضميرها الوطني، الا للوفاء لقضيتها، الا لدماء شهدائها.
إذا كان “الحزب” يعيش من دفق خيرات إيران عليه بهدف تقويض الدولة اللبنانية، والإطباق على مكوناتها وعلى كيانها ككل، فهذا لا يعني أن للقوات ممولاً سعودياً أو اميركيًا أو ما شابه، تعتاش منه لتبيعه الوطن على طبق الارتهان.
“القوات” حزب عريق هدفه قيامة الدولة اللبنانية المتحررة من الاحتلال والفساد، القوات مؤسسة شرعية قائمة بحد ذاتها، ندور في فلكها وتدور في فلكنا، ومن حولنا كواكب ونجوم مشعة اسمها الشهداء، لهم فقط نكتب التقارير عن البلد الذي سفكوا دماءهم لأجلها، ولهم فقط نشكو همومنا، ولأجلهم ولأجل الأحياء بيننا، ولأجل حتى هؤلاء الممانعين الضالين، نكمل مسيرة النضال ليبقى لنا ولهم لبنان حر.
لو لم نكن “قوات” لكنا اخترعنا تلك الروح المناضلة. لو لم تكن “القوات” لكانت نفوسنا شبه ميتة هائمة على فتات كرامتها، لو لم تكن “القوات” لاخترع المناضلون الفعليون قواتاً يجعلونها قضيتهم، ويواجهون بها شياطين السلطة وثعابينها، لو لم نكن “قوات” لاخترع الأحرار فينا قواتاً مثل القوات اللبنانية تماماً، تكتب تقاريرها لربها، وتحمل سلاح الموقف والكلمة، وكلما وقع منها حرفاً التقطته، وكلما وقعت منا روح صارت لنا ملاكاً حارساً. ندعوكم لتكونوا كتبة تقارير مثلنا، إذ عندما تفعلون سيعود لبنان الضال بسببكم الى لبناننا، وسيكون كاتب تقارير النضال للتاريخ والمستقبل وللرب والشهداء.
