
لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن لكل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، يستذكر موقع “القوات اللبنانية” حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية، كتحية وفاء لمن توج نضاله بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن.
كان عيد الحب. 14 شباط من العام 1990، حبّ حتى الاستشهاد، لأجل وطن وقضية وشعب متجذر يرفض أن يركع أو يعيش مذلولاً. وهل من حبّ بعد أعظم؟ إيلي خوري كان حاضراً، يراقب بعمق، وفي قلبه غصة. أسمر طويل القامة يهد بجسمه الجبال، ووسيم جداً، واثق الخطوة يمشي ملكاً، لكن آلة الغدر امتدت الى جسده فأزهقت روحه وأراقت دماءه.
في منتصف الثمانينات لبس ابن بلدة كوكبا الجنوبية، بدلته الزيتية فكان في قلب المواجهة. رفض أن يتفرج أو يتلقى النتائج غير راضٍ، فحزم أمره مقاوماً في “القوات اللبنانية”، حيث العزة والكرامة.
لم ينتظر إيلي لينهي الثامنة عشرة من عمره ليلتحق بالمقاومين، لا والده وقف بوجه قراره جازماً، ولا أمه منعته متوسلة، فقد كان من بديهيات الحياة أن يلتحق الشباب بالمقاومة، لا سيما إذا كانوا ممن سكنوا على خطوط المواجهة، يعاينون تجاوزات الغريب المحتل وانتهاك أرض الأجداد. قد يكون التهجير من سقي الحدث الى الحدث ومن ثم الى سن الفيل، أشعل في قلب الشاب الوسيم النار لوضع حدّ لتجاوزات شباب المنظمات الفلسطينية، فقرر التخلي عن الحرية المطقة والالتزام بما هو أعمق، النضال من أجل مجتمع كامل.
استشهد ايلي في عين الرمانة في حرب الإلغاء، في 15 شباط. يومها كان في المدرعات – الكتيبة 23. زارته شقيقته ماري قبل ساعات قليلة من استشهاده، فأخبرها بأنه سيعود الى المنزل في أسرع قت وأنه لن يستمر في هذه المعارك، لكن المعابر أقفلت ووقعت المعركة الكبيرة. أصيبت الدبابة الذي كان يستقلها الوسيم البطل مع رفاقه، بالقرب من مدرسة الفرير، فسقط خيرة الشباب إيلي خوري، وملحم متى، وطوني منصور، ويوسف مخلوف.
ترك إيلي حبّ حياته، فعمره القصير منعه من الزواج، كما ترك أيضاً أشقاءه الخمسة، وأب رفض أن يصدق خبر استشهاد صغيره، فاستحبس في القرية في أدونيس الجبيلية، ممتنعاً عن استقبال الضيوف أو التحدث إليهم لأشهر، وتوفي بعد سنوات نتيجة مشاكل صحية كثيرة، امّا الوالدة “الله يطول بعمرها”، فاتشحت بالسواد، لسنوات طويلة.
ماري، الأقرب الى إيلي، رفضت تصديق الخبر. وصلت الى الأشرفية لتسأل عن صغير البيت، فسمعت الخبر ذاته، “ايلي استشهد”، لكنها أصرت على رؤية الدبابة المصابة، فما كان منها الا أن قصدت المكان، حيث كان عناصر الصليب الأحمر قد ازالوا كل شيء. بحثت طويلاً عن أثر له أو أي شيء منه ومن مقتنياته، من دون جدوى، فحريق الدبابة قضى على كل شيء، حتى على إيلي نفسه. انتقلت الى مستشفى بعبدا الحكومي، حيث جثث الشهداء، مقنعة نفسها برؤية شقيقها، لكن الوضع كان أسوأ مما تصورت… فدفن البطل من دون جثة.
تروي ماري عبر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني، الـ24 ساعة الأخير قبل استشهاد شقيقها، “كان إيلي يخضع لدورة ضباط، وكان مقر الثكنة في ضبية، قررت زيارته للاطمئنان عليه، فتوجهت الى هناك متنقلة بين الألغام، لم أعثر عليه، فأكملت طريقي باتجاه ثكنة صربا، إنما عبر الطريق البحرية مجتازة المياه، لأن النفق كان مقفلاً بالسواتر الترابية، جاهدت مشياً وسط وابل من القذائف، لكن إيلي لم يكن موجوداً، لأن “شباب قوات عين الرمانة”، كانوا قد عادوا الى ثكناتهم بحراً. نمت في جونية عند إحدى الصديقات، وعدت كما أتيت في اليوم التالي، سيراً على الأقدام، وصولاً الى عين الرمانة حيث تمكنت من رؤية ايلي في 14 شباط، قبل ساعات قليلة من استشهاده”.
تتذكر آخر عيد ميلاد، قبل استشهاد إيلي، “كانت العائلة الكبيرة كلها مجتمعة في سهرة العيد، يومها خصّ ايلي كل واحد منا بهدية، وكانت هذه المرة الأولى والأخيرة التي يوزّع فيها هذا الكم من الهدايا، استغربنا أمي وأنا، وبعد استشهاده فهمنا أنه ربما أراد أن يترك ذكراً منه في كل واحد منا”.
الطالب المشاكس دراسياً والمفعم بالحياة والنضال، استشهد عن 24 سنة. لم يمتهن في حياته سوى مدرسة النضال القواتية، لكن حضوره كان دائماً في عائلته ومحبيه ورفاق الدرب والسلاح. لم تغيّر السنوات الـ33 التي مرّت على استشهاده من حضوره القوي في حياة أخوته. ماري تخبر عن بطلها بفرح، لكن الغصة تغلف صوتها والدموع تملأ عينيها، “منحكي عن إيلي كأنه لا يزال موجوداً، وليس بصفة الغائب، وأملي في هذه الأرض وفي نضاله تبقيه حياً وحاضراً دائماً وأبداً بيننا. لو كلن فلوا انا رح إبقي بهالبلد وإيماني بلبنان كتير كبير، بس انشالله كون بعدني عايشة”.
لو لم يستشهد إيلي، لكان صنع من عيد الحب حباً من نوع آخر وعائلة وربما أطفال يملؤون البيت والدنيا، لكنه ارتقى شهيداً في عيد الحب، وهذا هو الحب بذاته.
