.jpg)
كتب شارل جبور في “المسيرة” – العدد 1742
ينتقد البعض، ولا نعمِّم، ردة فعل شريحة واسعة من اللبنانيين على الأزمة اللبنانية المفتوحة، فيما يُفترض تفهُّم مسعى هذه الشريحة إلى البدائل التي توفِّر لها الاستقرار والازدهار، وليس التهجُّم عليها وشيطنتها وصولاً إلى التقاطع غير المباشر ضدها مع الفريق الخاطف للدولة ويمنع على اللبنانيين العيش براحة وهناء وسلام واستقرار وبحبوحة..
فلم تكن هذه الشريحة في وارد البحث عن البدائل المطلوبة لو أن اتفاق الطائف وفّر متطلبات الحياة التي تريدها، وهي تُدرك جيدا أن المشكلة الأساسية ليست في هذا الاتفاق ولا في طبيعة النظام السياسي، إنما سببها وجود فئة لا تريد دولة فعلية أساسًا ولا دستورًا ولا استقراراً.
ولو أعاد اتفاق الطائف لبنان إلى سويسرا الشرق فهل كانت طالبت هذه الشريحة مثلاً بنظام بديل؟ بالتأكيد كلا، لأن الهدف ليس استبدال نظام بآخر، إنما تحقيق المساواة والاستقرار تحت سقف الدولة، وهذا ما يجب أن يدركه كل من يعترض على الدينامية الشعبية والنخبوية بحثاً عن مخارج ومداخل تعيد لبنان سويسرا الشرق.
فالمشكلة ليست في “وثيقة الوفاق الوطني” التي أقرِّت في الطائف، والمشكلة ليست مع الفريق المؤيد لهذا الاتفاق، إنما المشكلة كلها مع الفريق الذي حال دون تنفيذ اتفاق الطائف وأبقى لبنان منذ 33 عامًا إلى اليوم في حالة من عدم الاستقرار، وما تقوله هذه الفئة النخبوية التي تحظى بتأييد شريحة واسعة من الناس يتمثّل بالتالي:
أولاً، الهدف الأول والأخير الوصول إلى دولة طبيعية، لأنه من غير المقبول ولا المسموح استمرار الحرب بعد 33 سنة على انتهاء هذه الحرب، ولكن بوسائل أخرى.
ثانيًا، مجرّد أن يرفض الفريق الآخر اتفاق الطائف يعني أن هذا الاتفاق جيِّد، ولكن السؤال الذي لا إجابة عليه بعد: على ماذا التعويل من أجل وضع اتفاق الطائف قيد التنفيذ؟ فلا “حزب الله” في وارد تسليم سلاحه، ولا قدرة على نزعه بالقوة، ولا مؤشرات خارجية تفرض عليه تسليمه، وبالتالي انتظار ماذا؟
ثالثاً، هل من خطة عملية لمواجهة الفريق الخاطف للدولة غير ربط النزاع والانتظار، خصوصًا أن هذا الانتظار هو من دون أفق، والدليل أن الوضع يتدحرج فصولاً تحت خط الصفر، والقول إن الحل بنصاب وطني غير صحيح، على رغم أهمية هذا النصاب وضرورته، لأنه كان موجودًا ولم ينجح في نزع السلاح، وهذا ما يفسِّر ضرورة تغيير أسلوب المواجهة وعنوانها، لأن الفريق المعطِّل للدستور اعتاد على سقف المواجهة القائم ولم يعد يزعجه الموضوع، ومن هنا ضرورة الخروج من الأدبيات المكررة نحو الأفكار الخلاقة.
ومن أجل مزيد من التوضيح تجنبًا لسوء التفسير، أي مواجهة ناجحة تتطلّب نصابًا وطنيًا، وهذا يجب العمل عليه دومًا، ولكن في أوج قوة 14 آذار وصعودها نجحت في إرساء التوازن مع حزب الله، ولكنها لم تنجح في دفعه إلى تسليم سلاحه، وأي نصاب وطني جديد لن يستطيع ان يحقِّق أكثر مما تحقّق، وهذا النصاب ضروري من أجل منع الحزب من الاستيلاء على الدولة، ولكنه غير قادر على معالجة مشكلة السلاح، وهذا ما يتطلب الوصول إلى نصاب وطني مجددًا، لأن أي طرح بحاجة لأوسع شريحة ممكنة من القوى السياسية الممثلة لبيئاتها، إنما هذه المرة بهدف خلط الأوراق باتجاه طرح جديد ومقاربة مختلفة، لأن القائم جُرِّب وسقف الوصول إلى الأهداف المرجوة أصبح معروفاً لجهة أن المواجهة تحصل تحت سقف سلاح الحزب، فيما يجب أن تكون فوق هذا السقف سعيًا لمعالجة جوهر الأزمة اللبنانية الذي يحول دون قيام دولة فعلية.
رابعًا، يجب أن ينطلق جوهر أي تفكير من نقطتين أساسيتين: تحوّل الستاتيكو الى عامل مصلحي للفريق الخاطف للدولة، ما يعني ضرورة تحريك هذا الستاتيكو على قاعدة نصاب وطني، أي بعد التهيئة وطنيًا لهذه الخطوة، والنقطة الثانية أن هذا الفريق لا يريد وجود دولة بالمطلق، لأن وجود أي دستور أو مشروع دولة يتناقض مع مشروعه القائم على الفوضى، ما يعني أن المشكلة معه أبعد من طائف أو أي دستور آخر.
خامسًا، الهدف المرحلي هو الوصول إلى نصاب وطني من أجل تحريك الستاتيكو القائم، وإذا كان هذا التحريك يؤدي إلى تطبيق اتفاق الطائف بشقه السيادي، فيكون قد تحقّق الهدف المنشود، لأن الشكوى من عدم تطبيق هذا الاتفاق منذ إقراره، والتفكير من خارج العلبة سببه أن فريق الممانعة لا يريد تطبيق الطائف ولا أي دستور يحيي مشروع الدولة في لبنان، وهنا بالذات مكمن الأزمة التي تتطلب البحث عن حلول مختلفة تبدأ من ترسيم حدود تأثير السلاح على اللبنانيين.
والأنظمة السياسية بالنسبة إلى الشعوب التي تريد العيش بسلام ليست أنظمة عقائدية كالأنظمة الشمولية أو الثيوقراطية، إنما تشكل انعكاسًا للمجتمع الذي يعتمد الصيغة الأكثر ملاءمة لوضعيته المجتمعية، وهذا ما يفسِّر عدم وجود نظام واحد لدول العالم كله، وبالتالي لا نظام الجمهورية الأولى ولا الطائف أو غيرهما يرتقي إلى مرتبة المقدّس عقائديا، وجلّ ما في الأمر أنه تم التوصُّل إلى الصيغة الأولى والثانية تبعًا لظروف كل مرحلة وبهدف تنظيم التعايش تحت سقف دولة ودستور، وإذا كان كُتب للصيغة الأولى أن ترسي استقرارًا وتحقِّق ازدهارًا لحقبة من الزمن، فإن الصيغة الثانية ولدت، ويا للأسف، ميتة، بسبب الاحتلال السوري أولاً، ورفض “حزب الله” تسليم سلاحه ثانيًا، وكل محاولات إنعاشها باءت بالفشل، وهذا لا يعني أن صيغة أخرى ستكون قابلة للحياة في ظل فريق سياسي يرفض وجود دولة ودستور.
وتأسيسا على ما تقدّم، من الخطيئة تحويل المواجهة بين القوى التي تريد قيام دولة في لبنان، والفدرالية أو غيرها لا يمكن تطبيقها من دون موافقة جميع القوى السياسية، وهذه الأنظمة لن تكون قابلة للتطبيق شأنها شأن الطائف بسبب “حزب الله” الذي تشكل الدولة نقيضًا لوجوده ودوره، وأي دولة يريدها هي دولة صورية محكومة من خارجها بواسطة قوته الذاتية وامتداداتها الإقليمية.
ومن هنا فإن البحث كله يجب أن يتركّز على هدفين: هدف آني وقابل للتحقُّق من خلال إنضاج فكرة اللامركزية الموسّعة المنصوص عنها في اتفاق الطائف، وتوفير أوسع قاعدة نيابية ووطنية لإقرارها بدور فضفاض وموسّع، وأهمية هذه الخطوة أنها توفِّر مقوّمات الصمود للمجتمعات اللبنانية المهدّدة بالهجرة بفعل الأزمة المالية المستجدة والسياسية المستمرة، والمهدّدة بتغيير الميزان الديموغرافي والثروة العقارية وتأثير ذلك كله على هوية البلد وطبيعته.
ويخطئ كل من لا يفكِّر بهذه الطريقة لأن الوصول إلى دولة بسلاح واحد قد يتحقّق بعد 33 سنة وقد لا يتحقّق، والمهم في هذه الأثناء الحفاظ على طبيعة لبنان التعددية ومنع تحويله إلى عدد واحد طاغ على الأعداد كلها ويتحكم بالبلد ومصيره.
هدف مستقبلي: السعي من خلال النصاب الوطني إلى مؤتمر برعاية دولية من أجل تطبيق الطائف أو تطبيق أي صيغة تعكس الاجتماع السياسي التعددي وهدفها قيام دولة فعلية بسلاح واحد توفِّر الاستقرار وتحقِّق الازدهار لمرة واحدة ونهائية، وإنهاء نموذج الثورة الإيرانية القائم على ميليشيا فعلية ودولة صورية، لأنه يستحيل التعايش بين دولة ودويلة.
وعلى رغم أن الهدف المستقبلي هو الأساس من أجل قيام دولة الـ10452، إلا أنه لا يجوز تعليق الحلول المرحلية والآنية بانتظار تحقيق الهدف النهائي الذي قد يتحقّق وقد لا يتحقّق في ظل الحاجة الملحة اليوم وأكثر من أي يوم مضى إلى الحد من تأثير دور “حزب الله” على المجتمعات اللبنانية، وتوفير مقومات الحماية والصمود لهذه المجتمعات حفاظا على لبنان التاريخي. فإذا كان متعذرا قيام الدولة بعد 50 سنة على سقوطها، فلا يجب أن ينهار المجتمع اللبناني وأن تنتفي التعددية اللبنانية، إنما من الواجب الحفاظ على هذه التعددية بأشكال مختلفة بانتظار قيام الدولة إذا قدِّرت لها القيامة.
شارل جبور ـ رئيس جهاز الإعلام والتواصل في “القوات اللبنانية”
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]