#dfp #adsense

بطرس وبولس: مراكب صيدٍ ورسائل  

حجم الخط

يوم بلوغه ثلاثين الكلمة التي صارت جسده، نهض إلى مطارح تعليميّة غير مألوفة يبحث فيها عن تلامذة غير مألوفين لم يخطروا على بال معلّم قبله. مشى دروب البحث عن غايته صارفاً ذهنه عن موطن طاليس وسقراط وأرسطو وأفلاطون وزينون الأيليّ وسائر حكماء وفلاسفة ونوابغ اليونان والإغريق، سار أفقياً متلمساً الآفاق، حتى بلغ ضفاف بحيرة في شمال الجليل، أدرك أنّها مرجعية العتيد أن يختارهم تلاميذ مدرسة ليست من هذا العالم.

أيّ نظام تعليميّ راود عقل معلّم ارتأى أن يجعل من قوارب الصيّادين صفوفاً ابتدائية، ويستلهم من شباك صيدهم مناهج تربوية، ويستخرج من رؤوس صنارتهم أقلاماً يصطادون لهم الحكمة من زعانف السمك، ويرفع أشرعتهم فوق صواريها صفحاتٍ تكتب عليها الرّيح القدوس نهاية شريعة أرباب الهيكل القديم لتقوم مقام تعاليم الشرائعيين حكاية معلّم وافى الأرض والأرضيين، آتياً من الكون الأعلى كي يستنخب تلامذة حائزين على أرفع شهادات الأميّة!

 

سمعان الجنّاشري

سمعان ابن يونا ربيب بحيرة جنّاشر أوّل المدعوين للالتحاق بصفوف الكليّة الجنّاشرية. ريّس جسور من طليعة ريّاس البحيرة، وجهه المشرّع للشمس والريح تبرق فيه عينان تتصوّب منهما نظرات حادّة لصيّاد أشعث الشعر نورجيّ   الصّدر متفلّت اللسان من ضوابط التعابير المنمّقة المرصوفة المتأنّقة، ملامحه الواضحة الجليّة مزيج من الفطنة الفطرية والعفوية النقيّة، نقاء طيّبي القلب وبساطة الروح، طباعه، مرّة تحمل طبع النسائم الرقيقة المرور ومرّة تكتسب طبائع هبوب الأعاصير العاتية، وأقصى ما حصّله من أبجدية الأحرف العلمية الثقافية الأدبية هي براعته أحكام حرف صنّارته بأفواه أسماكه!

“اتبعاني فأجعلكما صيّادي بشر”، طلب تمنّي طلبه المعلم يسوع من سمعان بن يونا وأخيه أندراوس أتى بمنطق مناشدة شخصيّة مؤلّفة من فعلين واسمين أطاحت بمعظم ركائز ومسلّمات الفكر الديني والأممي الباحث الدائم عن إله مجهول، قائم في عناصر الطبيعة ومواد المعادن، أو عن إله معلوم عند الشعب المختار، لكنّه متعال فوق أبراجه التّألهية، ديّاناً غضوباً جبّاراً، يعاقب بالطوفان آناً، والنار والكبريت أواناً، وحبل النجاة معقود بقبضة رؤساء الكهنة وأحبار الشعب الذين طالما حمّلوا الناس أحمالاً ثقيلة لم يمسّونها بأحد أصابعهم!

رفقة المعلم يسوع وضعت سمعان بطرس وأخاه أندراوس وبقية الإثني عشر بمواجهة أساطين الفلسفات المعقّدة المتشابكة بعضها ببعض، ثمّ بمنازلة علماء التلمود المنتظرين مسيحاً عسكريا مدجّجاً بالخيّالة والخيل والسيّافة والسيوف والرمّاحة والرماح، مسيح قائد لجيوش مهمتها الوحيدة سحق وإبادة أعداء شعب الله المختار، ولاحقاً إفناء وضرب رقاب الكافرين انتصاراً للمؤمنين!

“من تقول الناس إنّي أنا هو”، وكان الصياد العريق سمعان بن يونا أول من اصطاد الجواب القاطع الذي لم يكشفه له لا لحم ولا دم:

“أنت هو المسيح ابن الله الحي”! جواب ممسوح بمسحة النبؤات ولمسة الأنبياء رفع المجيب الصفاة إلى مقام صخرة البيعة، بيعة ابن الله الوحيد المولود من عذراء حبلى من الروح القدس!

يوم حرمون التجلّي، امتلأت غبطة وحبوراً يا بطرس فناشدت معلّمك المتجلّي:

“حسن أن نبقى ههنا يا معلّم “، وكان الحسن أن تبقى في تواضع ضعفك البشري، فلا تعتدّ بنفسك وتتسرّع بإجابتك للرب:

“إن أنكرك الجميع فأنا لا أنكرك “، إلى أن فضحت مراجلك الفارغة امرأة داهيّة واشية أرعبتك فأقسمت لها:

“أنا لا أعرف هذا الرجل”، ولو لم ينجدك صياح الديك ثلاثاً لأرتبط مصيرك بمصير أخيك يهوذا الإسخريوطي الذي انتهى بين كيس الفضّة والمشنقة!

حسن أن يقودك بكاؤك المرّ في يوم صلب سيّدك إلى وقوفك باسم جميع المصلوبين والمظلومين والمقهورين أمام الولاة والملوك، شهادة لك ولهم، لإله اختار خاصته من الذين يرتضون أن يغسل أرجلهم ويقبّلها… شهادة لإله رفض قبول أتباع يأتون إليه مكبّلين بالرّعب والذعر والرهبة والتذلّل… شهادة لإله وهب جسده خبزاً من صلاة: “أعطنا خبزنا كفاف يومنا، وكرامتنا وحريتنا وحياتنا كما في السماء كذلك على الأرض”!

حسن أن نتبع خطاك وخطوط مسيرتك يا سمعان ابن يونا الأمّي الذي لم تشدّ وثاقك العقلي كلمة واحدة من محيطات ثقافات الأرضيين، فلم تنطق بلغات الأمم إلاّ يوم وثّقت لسانك بألسن روح ريح علية العنصرة!

حسن أن نتبعك يا ريّس صيادي بحيرة الجنّاشريين إلى حيث نقلت جلجلة جبل أورشليم لفوق إحدى تلال روما، رافضاً أن تصلب فوقها إلاّ مقلوباً وصلبك هذا قلب جميع تيجان أباطرة الأصنام وسلاطين الوثنية ورفعك رأساً للكنيسة المجاهدة الرسولية المسكونية حتى قيام ملكوت الرب على الأرض وفي السماوات!

 

شاول الطرسوسي

رفع اسطفانوس نظره إلى السماء وقال: “إني أرى السماء مفتوحة وابن الأنسان واقفاً عن يمين الآب”! فصاحوا صياحاً شديداً، وسدّوا آذانهم وهجموا عليه هجمة واحدة ودفعوه إلى خارج المدينة وأخذوا يرجمونه بالحجارة، وخلع الشهود ثيابهم عند قدمي شاب اسمه شاول لكي يحرسها”!

شاول اسم علم لعالم من نخب علماء تلموديين صارمي التديّن لدين الآباء والأجداد، الملازم شرائع شعب الله المختار منذ أزمنة ترحالهم ومنافيهم بين بابل ومصر، إلى أزمات عبورهم في مياه العبرانيين العابرين العائدين إلى أرض الميعاد والمواعيد!

مدينة طرسوس مدينة بشهرتها بين بلدان البحر المتوسط لنابغتها شاول التي كانت منشأ لأصوله وفروعه ومنبتاً لأصوليّته الدينيّة التديّنيّة المدعّمة ببراهين فكرية شاوليّة، تهيّب عديد من العلماء مجادلته فيها، خشية من عقل له ذي مقدرة على تطويق وتطويع عقول معظم محاججيه ومجادليه!

إيمان أجداده حوّل رأس شاول إلى قلعة إيمانيّة كانت ترسانة شرائعيّة مدجّجة بكامل عتاد شريعة بني عبران، فامتشق توراتهم سيفاً قاطعاً، فوضع داخل عبّه مذكرات الجّلب وأوامر إلقاء القبض، وهبّ آخذاً طريق دمشق هبوب سحابة غضوبة مكفهّرة، لكنها مثقلة الأحمال بأمطار فكرية فيّاضة الغزارة واعدة بالريّ الوفير، سحابة طرسوسيّة كانت تنتظر من يفتح أقفالها الشاوليّة لتصبّ خيراتها في أراضي الزارعين الذين خرجوا ليزرعوا أراضي ربّ الحقل والكرم، الذي وحده يستقبل جميع فعلته إن أقبلوا إلى العمل صباحاً أو ظهراً أو عند الثالثة، وكان شاول العبراني الذي لا غشّ في عبرانيّته الذي وصل إلى ممتلكات يسوع ابن الإنسان قبل أن يداهمه المساء والليل!

طوال الطريق إلى دمشق كان الخيّال الموسويّ شاول يستعرض أسماء من سيلقي القبض عليهم بتهمة إيمانهم بربّ، يقبل على نفسه أن يحاكم ثم يتعرّض للجلد واللطم والبصق والهزء والجرجرة في ساحات أورشليم، ثم يرفع مصلوباً بين لصيّن سطيا على بيوت أهل الأرض بينما هو سرق صفة بنوّته لله الآب!منتصف الدرب وتنفيذ سوق ضحاياه، فاجأت الضابط الإسرائيلي صاعقة، نزلت عليه ببرق صوت راعد:

“شاول شاول لماذا تضطهدني”، فارتمى المصعوق بين أرجل حصانه مرتعداً سائلاً سؤاله الوحيد:

“من أنت يا سيدي”؟ فلم يحظى إلاّ بجواب مهيب:

“إنّ صوتي هو مهمازك وأنت لا تستطيع أن ترفس المهماز”!

داخل بيت حنانيا في أحد حارات دمشق، تعرّف شاول الأعمى   ثالوث الطريق والحق والحياة يدعوه لأن يبشّر به نوراً لعالم يمشي بالنور مادام له النور! باسم يسوع وضع حنانيا يده على عيني شاول الأعمى فأزال عنهما قشور العما، فانفتحت تلك البصيرتان الثاقبتان على بصر جديد لإنسان جديد، رمى اسمه القديم في أحد زوايا بيت مضيفه، لينطلق منه بولساً للكنيسة جمعاء ورسولاً للأمم!

خرج بولس من بيت حنايا مدركاً متيقناً مؤمناً بأن الزلزال الذي صدّع حجاب هيكل العهد القديم لحظة موت ابن الله، هو ذاته صدّع حجب إيمانه القديم وأسقطه في الهباء، فانطلق إلى طرسوسه يودّعها ويودّع صناعة الخيم فيها، وانصرف يسير جميع دروب الأمم براً وبحراً، مكلّفاً رئاسة جهاز إعلام يسوع ابن الآب المولود والمصلوب والمائت والقائم من الموت!

بين دروب فينيقيا وكيليكا وكبادوكيا وأنطاكيا وأفسس وروما، ذاق بولس برّاً وبحراً طعم رسائل جذبت قلاع الوثنية إلى مملكة المسيح التي ليست من هذا العالم وجذبت إلى قامته الرسولية والرسائلية شتى أنواع وأشكال المحاكمات وشتى مذاهب السجانين والسجون، فأراه سيده ما لم تره عين ولم تسمع به أذن ولم يخطر على قلب بشر، ما أعدّه الله الأب لأبنائه ومختاريه!

كما هيرودس أورشليم لم يستطع احتمال صوت يوحنا المعمدان، كذلك روما الأباطرة لم تطق سماع صوت بولس، فعاجلت رأسه بذات السّيف والسيّاف، فاستودع الشهيد روحه ورسائله ودروب تبشيره أمانة لجميع شعوب البشارة الجديدة هاتفاً متهلّلاً مترنّماً:

“حياتي هي المسيح والموت ربح لي”!​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل