
تاريخ من تاريخ…
لأننا واجهنا ببسالة دفاعاً عن لبنان، ولأننا نصرّ على بناء الدولة وعلى ألا يتكرر الماضي، نسترجع من ذاكرة الزمن أحداثاً خبرناها، لتكون العبرة لمن اعتبر.
نعم، هي الذكرى للعبرة وليس استفزازاً، الذكرى للقاء عابر مع أبطال صنعوا مجد لبنان ويستحقون العودة إليهم عبر صفحات الوقت. الذكرى لتكريم من كانوا متراساً بأجسادهم ليموتوا هم، ويحيا لبنان.
مرّ تموز من العام 1976 ثقيلاً جداً على شمال لبنان، مرّ حزيناً مجبولاً بدماء الشهداء المقاومين وقصص الصمود، وإرادة شعب لا تلين ولا تضعف. هناك، في شكا البترونية، سُطّرت أعظم الملاحم بدماء الأبطال، فلونّت بحرها الأزرق ومنازلها الشامخة. إنه هدوء ما قبل العاصفة، لا بل قبل المجزرة، إذ كان الوضع الأمني مستقراً الى حد ما قبل فترة على تلك الجبهة، لكن المنظمات الفلسطينية وجيش لبنان العربي راحوا يستعدون للمنازلة الكبرى، من على تخوم بلدات قضاء الكورة، رداً على معركة “تل الزعتر” و”جسر الباشا”. الهدف كل الهدف، الإطباق على شكا.
في بداية الحرب اللبنانية، راهن كثيرون على مفهوم المقاومة، التي لم تكن تتعدى بنظرهم ما يشبه “عنتريات” غير قابلة للصرف إلا في إطار ضيق، بين الأصدقاء أو في الشارع والحي. الغزاة أنفسهم، استخفوا في البداية بمقاومة أبناء الأرض الحقيقية. كان كل ذلك بالنسبة إليهم مجرد معارك يخوضونها بوجه مجموعة أهلية، غير قادرة على الصمود بوجه الجحافل الزاحفة، الطامعة بتاريخ الأجداد. الصفعة المدوّية أتت عندما أثبتت “المقاومة اللبنانية”، أن معاركها ثابتة، دفاعاً عن الحق والوجود، فحافظت على الجغرافيا وغيّرت كثيراً في التاريخ، وهذا بالتحديد ما جرى في مجازر شكا.
فجر الخامس من تموز من العام 1976، دقت ساعة الصفر. انتقلت قوات ضخمة من التنظيمات الفلسطينية والعشائرية والأحزاب الموالية لسوريا، قدرت بالآلاف، عبر تلال كفرحزير وسهل أنفه، ورأس نحاش، وحامات وصولاً إلى نفق شكا، فيما تولت مجموعة فلسطينية أخرى عمليات الإنزال على شاطئ الهري. وهكذا، بأقل من ساعتين أصبحت شكا مطوّقة من الجهات الأربعة، واستفاق أهلها على آلاف القذائف وعلى وقع الاجتياح المجرم، بينما كان يتولّى الدفاع عنها عشرات فقط من المقاومين اللبنانيين.
قُرعت أجراس الكنائس في بشري وزغرتا وقرى قضاء البترون. قرعت من دون أن تتوقف. الشمال كله يغلي، “أهلنا في شكا يذبحون على أيدي دواعش ذاك الزمان، وأهالي المدينة بشبابهم وشيبهم وبسلاحهم الخفيف الفردي يتصدون لدبابات المرتزقة التي تدنس الأرض… هلموا الى المقاومة”.
سيزار أبي بدرا ابن بلدة شكا، كان هناك. يستذكر بعد 47 عاماً محطات بارزة من تلك المعارك المصيرية. “كانت أعداد المقاومين قليلة جداً مقارنة مع المعتدين والمرتزقة، وأيضاً العتاد الذي كان بحوزتنا خفيف جداً. حاصروا شكا من كل الجهات، والجريح الذي يسقط معنا لا يلبث أن يصبح شهيداً لاستحالة نقله الى المستشفيات القريبة، بفعل الحصار”، يقول أبي بدرا لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني.
“بدأت الخطوط الدفاعية تنهار تباعاً بسبب عدم تكافؤ أعداد المقاومين مع المحتلين، سقطت الكرينكر عند نقطة معمل الترابة لناحية البحر، وتعرضت شكا العتيقة لهجوم بالدبابات والمضادات من فوق سيدة كفرحزير، فيما كنا نواجه الذخيرة الثقيلة بالبواريد. انتقلنا بعدها الى مركز الأحرار على البحر لمساعدة الشباب في مقاومتهم، كان الهجوم قوياً جداً بحيث تمكنوا من الدخول الى قلب شكا. سقط مركز الدون كارلوس، كما سقطت نقط استراتيجية أخرى”، يروي أبي بدرا، الذي يشير الى أنه مرّ بمنزله وطلب من أخيه وابن عمه البقاء مع الأطفال والنساء، إلا أنه التقى أثناء عودته من مركز الأحرار بأحد الأصدقاء الذي أخبره أن ابن عمه بيار، أصيب في المعارك غير المتكافئة وحالته حرجة. حاول سيزار جاهداً انقاذه لكن المقاوم البطل ما لبث أن فارق الحياة، شهيداً. “سقط كثيرون من الشهداء المقاومين، كما سقط الأبرياء والنساء والأطفال وكبار السن، في المجازر التي ارتكبها الفلسطينيون ومن كان يعاونهم. تخيلي أنهم صفّوا طفلاً لا يتحاوز السبع سنوات على الطريق العام، وأطلقوا النار على رأسه، وعندما حاولت والدته التصدي لهم، قتلوها أيضاً”.
وكما كانت معركة نفق شكا مفصلية، كذلك كانت المعركة في منطقة البلاط، حيث توجه سيزار مع مجموعة من الأقارب والرفاق لحماية الحي. هناك اندلعت معارك قوية جداً، ومنع أبناء شكا على الرغم من قلة عددهم المعتدين، من الدخول الى الحي. “صحيح أن المحاور انهارت تباعاً، لكن المقاومة استمرت لأن إيماننا كان كبيراً بحقنا بأرضنا. كنا ندافع بكل صدق وإخلاص عن بيوتنا وأهلنا وبلداتنا، وفي النهاية انتصرت شكا وكانت نهايتهم”.
…بدأت المساعدات والإمدادات تصل من الشمال وجبيل وبيروت. عند نفق شكا كان المشهد مخيفاً. جثث على الأرض لشهداء تمت تصفيتهم إما داخل سياراتهم وإما على الطريق، رمياً بالرصاص أو ذبحاً. أطفال رُضّع، نساء في عزّ الشباب، كهول وشيوخ كان يمكن لأخر فصول حياتهم أن تكون أكثر راحة وهدوء. كلهم انتقلوا إلى أحضان يسوع بعد تصفيتهم.
لكن، على الرغم من هول المجازر، والدماء والوجع، رفض اللبنانيون الخضوع والانصياع. عشية السابع من تموز كانت مدينة شكا قد تحررت بالكامل، وفي الثاني عشر منه سجل التاريخ آخر فصل من رواية معركة شكا… هناك، على ذاك الشاطئ البتروني، حيث لم يجرؤ إلا المقاومون.
