#dfp #adsense

العفو للحكيم… عفواً سمير جعجع

حجم الخط

في 12 تموز، منذ 27 عاماً، صدر قرار براءة الدكتور سمير جعجع في قضية كنيسة سيدة النجاة، بعدها بتسع سنوات، أطلق من الأسر بعد 11 سنة وأربعة أشهر من الاعتقال التعسفي الظالم.

كانت صاعقة الفرح التي وقعت على رؤوس الجميع. كانت البداية من جديد، كانت صرخات المقاومين أعلى من أصوات الأجراس التي طنطنت في بشري وجونيه وكل تلك البقاع الحرة، على الرغم من حصار الاحتلال السوري وأزلامه.

كانت البراءة من مجزرة الكنيسة هي الأهم بالنسبة إلينا، فابن الكنيسة لا يفجر مذبح الرب، ابن الكنيسة لبس البدلة الزيتية وقاوم ورفاقه لأجل الكنيسة وأبنائها وأرض الرب والشهداء، فكيف يفجّرها اذن؟! لم تجد تلك الدولة البائسة على الرغم من كل التلفيقات، ولا أي مخرج يسمح لها بإلصاق التهمة بالقوات والحكيم، فاضطرت لإعلان براءته الكاملة منها، فكان الفرح المدوي المجبول بالدموع والصلاة.

ومذذاك الفرح العارم صاروا 18 سنة في الحرية حكيم. “أفضل أن أعيش في مساحة متر مربع أمارس فيها كل قناعاتي على أن أسكن القصور أسير قناعات الاخرين”، قال مرّة.

لمّا أخذوه الى الاعتقال قلنا انتهت الدنيا، انتهى لبنان، ضعنا وضاع الشباب وضاعت القضية. كنا قليلو الإيمان والخبرة، كنا في ضباب اليأس ولم نرَ في الحكيم المعتقل الا صورة القائد المهزوم، ولكن وحده “المهزوم” الأسير من خلف قضبانه، أعطانا معنى حقيقياً لنضالنا، ومدّنا بشحنات الأمل ومرّر لنا وللمقاومين كلمات سر الصمود. كيف؟

كان أسيراً تحت سابع أرض، وكنا أحراراً تحت الشمس، نسأل عن أخباره من زواره، وفي كل زيارة وعلى مدى 11 عاماً وأربعة أشهر، تصلنا عباراته الصغيرة الكبيرة، بأن “اصمدوا”. كنا كلما ضعفت فينا إرادة نقول، “الحكيم بالحبس ونحنا بالحرية وعم نتردد”؟، والمفارقة أنه كلما سيق شباب منا الى الاعتقال، كنا في قلوبنا، مع خوفنا الشديد عليهم، نفرح وهم يفرحون، كنا نريد وبأي طريقة التماهي مع الحكيم، كنا نريد أن تصله الأخبار بأن شبابه أبطال لا يركعون ولا يهابون الاحتلال السوري وأزلامه الصغار، وأن أسره ما راح ضيعان.

لم أشهد بحياتي على تواصل مماثل بين قائد من خلف القضبان ومقاومين من خارجها، كانت تلك حكاية تُروى للتاريخ، إذا ما أنصف التاريخ يوما ماً، أبطال لبنان الحقيقيين، وسمير جعجع على رأس القائمة.

لمّا اُعلنت براءته من ملف الكنيسة قلت قطعنا الشوط الأول نحو الحرية، ولما أعلن بعد سنوات أن الحكيم سيُطلق من الأسر في خلال أيام، فرحت… لا، خفت أكثر! خفت أن يخرج ويصاب بخيبة الأمل منا! الى هذه الدرجة. كنت أخشى بأن يشعر بأننا لم نكن على مستوى تضحيته الكبرى لأجل بلاده ولأجلنا، كنت خائفة بأن لا يعود سمير جعجع الذي عرفته، وأن تكون عتمة الزنزانة خطفت شيئاً من بريق المقاوم الشرس، وللمرة الثانية كم كنت قليلة الايمان.

قبل أن يصل إلينا خبر إطلاقه بعد أيام، كان انعتق الوطن كله، كله حتى أشد خصومه والعملاء الذين تسببوا بأسره، انعتقوا من قيد ما كان يحزّ على رقبة حريتهم الشخصية، وما كانوا ليعترفوا بهذا الشعور، لحظة إعلان إعتاق سمير جعجع، خرج لبنان كله الى شمس شموسه.

“لا يمكنهم الحد من حركتي لأنها حركة الروح والقلب والفكر والعقل”، يقول الحكيم، وهذا ما حصل، تلك الزنزانة الضيقة عايشت مفاهيم وطنية وإيمانية كبيرة، تلك الزنزانة المعتمة شعشعت بحضور مقاوم من طراز رفيع، ولا أظن أنها ستعايش عزاً مماثلاً على المدى المنظور، كانت تلك حال نادرة أن يحوِل أسير زنزانته الى واحة حرية، وأن يتحول الأحرار من الخارج الى أسرى معتقلين إما بالعمالة والخيانة، وإما بالجبن والتردد، وإما بالنكران والاستسلام.

أحياناً، وفي لحظات اليأس من وطن مستحيل لا يبادلنا الحب، أقول، “اف يا ليتني ما تعرّفت على الحكيم، كنت لأكون أكثر استرخاء وسعادة”! كانت الحياة مع الاستسلام للأمر الواقع، ستكون أفضل بالتأكيد، المستسلم لا يغضب، ولا تشتعل في قلبه تلك النار، تلك النار المجنونة التي لا تعرف هدوءًا طالما هذه الأرض تنغل بالمحتلين والفاسدين، تلك النار التي توغل في أعماق الشغاف حين يزنّر الخطر لبنان، تلك النار التي اسمها لبنان، وكل ما فعله سمير جعجع فينا أنه حركش بتلك الجمرة العالقة على شغاف القلب وأشعلها ولا يزال حتى اللحظة يفعل. شو بدك فينا يا حكيم، لا ترتاح ولا تجعل أحداً منا يرتاح؟

“نحنا بالقوات منتعب بس نرتاح”، قال لنا مرّة، وحوّلناها الى شعار وهاشتاغ وأسلوب حياة.

لحظة إعلان براءته من تفجير الكنيسة، عرفت أنه ما بيصح إلا الصحيح ولو كانت تكلفة هذا الصحيح غالية جداً، ووحده سمير جعجع والمقاومون دفعوا هذا الثمن من مقاومتهم وحياتهم وصمودهم وإيمانهم المطلق بأن الحق سيعود الى اصحابه ولو بعد حين، ولو كان أهل الضحايا لم يحصلوا بعد على العدالة المرجوة، والمسألة مسالة إيمان وصمود وصبر.

“لا معنى لحياة من دون معنى”، يقول سمير جعجع، وها هو الرجل النبيل يخوض معاركه الكبيرة، لأنه أعطى للنضال معاني كبيرة يرفضها المحتل والفاسد والمتواطئ، ووحدهم الأحرار يفهمون سيرة الرجل ويعيشون حتى اللحظة، لحظة الحرية الكبيرة تلك، حين بابتسامة الوجه النحيل وتلويحة اليدين، أفهمنا بأن لا معنى لحياة من دون معنى.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل