#adsense

“الجمهورية”: نازحو سوريا بين مطرقة الظهور وسندان العودة

حجم الخط

كتب أنطوان العامرية في صحيفة "المستقبل":

بالنسبة إلى بعضهم، فقد مضت أسابيع على نزوحهم عن وطنهم بسبب القمع الدمويّ للانتفاضة الشعبيّة في سوريا، أمّا بالنسبة إلى البعض الآخر، فإنّها معاناة ممتدّة على مدى أشهر طويلة، بدأت عند عدد منهم مع بداية الثورة. أعدادهم ليست واضحة، في غياب الإحصاءات الرسميّة أو الأمميّة، لكن وجودهم محسوس في مختلف أحياء طرابلس، حيث يقيم بعضهم عند أقارب، فيما استأجر أكثرهم شقّة أو يعيش حيث أمكن وتوافر المكان.

التقديرات الأوّلية غير الرسمية، كوّنتها جمعيّات تعمل على مساعدتهم وتشير إلى أنّ أكثر من أربعمئة عائلة سوريّة نزحت وخلال فترات متقاربة من مدن وبلدات سوريّة إلى طرابلس، استقرّت عشوائيّا في غياب أيّ رعاية رسميّة أو تنظيم شعبي لأماكن سكنهم. وتوضّح أنّ "بعضهم يتلقّى عناية الأقارب أو مساعدة محدودة من جمعيّات خيريّة"، فيما أكثريّتهم تفتقد لأيّ دعم، وخائفة حتى من الإعلان عن نفسها وتتحاشى الاختلاط بالمحيط خوفا من الملاحقة والمساءلة.

الجولة الميدانيّة على أماكن انتشار اللاجئين، أظهرت صعوبة اللقاء بهم أو حتى إجراء حديث معهم وإقناعهم بالتعبير عن آرائهم في شأن المأساة التي يعيشونها، فعامل الخوف هو المسيطر هنا، والقلق من المصير واضح إلى العيان، مع أنّ ما صرّح به بعض من تشجّع وتحدّث إلينا، بعد تطمينات بأنّ هويّته لن تكشف ولن تلتقط له صورة، هو كلام عام ويعكس قلقا من كلّ شيء تقريبا.

إحدى النازحات التي سمّت نفسها "أمّ محمّد" نزحت من مدينة حمص مع زوجها وأبنائها الأربعة قبل أربعة أشهر، واستقرّوا في منطقة شعبيّة في ضاحية طرابلسية، تحفّظت عن تحديد موقعها لأسباب أمنيّة كما تقول. وتصف "أمّ محمّد" وضعها وعائلتها بالصعب جدّا قائلة: "لم أزر حمص منذ أربعة أشهر ولا أعرف ماذا يجري هناك، زوجي يحاول العمل في قطاع البناء، ونحن نستأجر شقّة والله وحده يعلم كيف نتدبّر أمرنا. أولادي خارج المدرسة نظرا إلى عجزنا عن تسجيلهم هنا. "وألله يهدّي الأمور"، بيتي في حمص مغلق، ولا أعرف ما حلّ به بعد خروجنا من هناك".
أمّ محمود نزحت من حماه ووصلت إلى لبنان مع بداية الأحداث في سوريا، وجاءت مع ولديها إلى طرابلس واستقرّت عند ابنة خالتها، وتقول: "ما أعرفه من أهلي أنّ حال الرعب والحصار الأمني مستمرّة مع مداهمات شبه يوميّة للأحياء الشعبيّة. ولا أحد يخرج إلى الشارع ليلا بسبب منع التجوّل الليلي".

السيّدة فاتن أمّ لثلاثة أولاد تقيم مع زوجها وأمّها وأختها في شقّة صغيرة، مستأجرة، ترفض الإفصاح عن مكانها. كلّ ما تأمله هو تحسّن الأوضاع و"أن نعود إلى الوطن".

وتلفت إلى أنّ "أولاد خالتي اللبنانيّين يساعدوننا قدر المستطاع، والأولاد خارج المدرسة، ولا تدفئة، أمّا الأثاث فقد تركه لنا، مشكورا، صاحب المنزل لأنّنا وصلنا بما علينا من ثياب. وشكرت للبنان وأهلنا في طرابلس "احتضانهم النازحين ومساعدتهم".

أمّ تيسير، نازحة من حمص وتقيم مع أولادها وعائلة أختها، أي نحو أربعة عشر شخصا في شقّة واحدة مكوّنة من غرفتين، وقد نزحوا بعدما أصبحت الأوضاع في حمص دموية وخطيرة. وتكشف أنّها كانت "شاهدة على عملية قتل جريح من قبل عناصر أمنية تابعة للنظام، فلا يوجد يوم يمرّ لا يقصف فيه الناس، وتداهم منازلهم".

مرشدنا إلى أماكن النازحين، وافق على الحديث من دون الكشف عن هويّته. وهو بدأ كلامه بالحديث عن أوضاع حماه والمدن السوريّة المنتفضة، مشيرا إلى أنّ "المدن والمناطق في سوريا مقسّمة إلى دوائر تشمل أحياء مطوّقة، وقد خرجنا تحت القصف والقتل العشوائي، وأكثر العائلات لا تريد العودة إلى سوريا في ظلّ هذه الأوضاع، فهم يخافون من الاعتقالات والقصف والقتل العشوائي، أي لا ضمان للإنسان وحقوقه".

وأعلن "أنّنا نفضّل الموت هنا على العودة في ظلّ الظروف الراهنة في سوريا"، داعيا الحكومة اللبنانية "وبعيدا من السياسة"، إلى تأمين "الحاجات الإنسانية للنازحين والمهجّرين السوريّين، وأن تقوم بدورها بداية بالاعتراف بوجود المهجّرين في طرابلس".

من جهّته، تحدّث أحد المقيمين في المنزل عن أنّ "مساعدة" الهيئة العليا للإغاثة كانت "عبارة عن غالون زيت وكيس أرز وثياب داخلية صيفيّة وزِّعت لمناسبة العيد، ولمرّة واحدة، لكن ما يصلنا من مساعدات ذات قيمة فهي من الناس والجمعيّات المحلية"، مؤكّدا أنّ "عدد النازحين في الشمال الذين أحصتهم تنسيقيّات الثورة بلغ عشرة آلاف وثمانمئة شخص".

وكان الشيخ مازن المحمّد في منطقة باب التبانة استغرب استمرار بعض الأجهزة الأمنيّة في ممارسة الضغوطات على النازحين السوريّين، محذّرا من مغبّة الإمعان في استخدام هكذا أساليب تتنافى مع القوانين وكلّ القيم الإنسانيّة والتي قد تلقى ردود فعل غير محسوبة.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل