#dfp #adsense

“منظومة القتل بدم بارد”… “حسابك آتٍ”

حجم الخط

ثلاث سنوات مرّت على أكبر تفجير غير نووي من صنع “البشر” في تاريخ البشرية، وثالث أكبر تفجير في التاريخ بعد تفجيري هيروشيما وناغازاكي النوويَّين، ودموع الأمهات والآباء والأبناء والإخوة والأخوات والأهل والأصدقاء، لم تجف على أرواح الضحايا البريئة التي فاقت الـ220 ضحية، فيما تخطى عدد الجرحى الـ7000، والدمار أصاب أكثر من 300 ألف بشكل مباشر وقُدِّرت الخسائر بنحو 10 مليار دولار.

ثلاث سنوات مضت ولم تتم محاسبة أي مسؤول عن تفجير عاصمة لبنان، لكن عزيمة أهالي الضحايا والجرحى والمتألّمين لم تهن، ويستمرون بالنضال لإحقاق الحق ومعاقبة المسؤولين عن فاجعتهم والجريمة التي ارتُكبت بحقهم، بل عن فاجعة وجريمة العصر. في حين، لم تذرف “منظومة التماسيح الحاكمة” دمعة على الضحايا، حتى ولو كاذبة ومخادعة، ربما لأنها تدرك الجواب سلفاً، فهل يُعتدُّ بدموع التماسيح؟ لذلك على الأرجح لم تتكبَّد العناء.

ثلاث سنوات، و”منظومة التماسيح” تقابل صرخات الأهالي بدم بارد أشبه بدماء الأفاعي، وبالاستعماء عن ألمهم وحرقتهم والاستخفاف بعذاباتهم والتهرّب من تحمّل المسؤولية. لم تذرف دمعة على الضحايا، ولا بلسمت جرحاً لمصاب، ولا مدّت يداً لمساعدة من ضاع جنى عمره وأيامه. وإن فعلت للبعض، فبفتات ذليل معيب يشبه وجهها القبيح وشرفها الفقيد.

دولة، بل سلطة ومنظومة بائسة لا تزال بعد مرور ثلاث سنوات على جريمة العصر، كما منذ اليوم الأول، تتهرَّب من تحمّل مسؤولياتها وتتقاذف المسؤولية. بل الأوقح، أنها تعرقل التحقيق في الجريمة بخزعبلات ومنافذ قانونية تستخدمها لوقف التحقيق، فيما وضعها المشرّع أساساً لإضفاء مزيد من الشفافية والحيادية عليه.

كلهم أنكروا معرفتهم بوجود نترات الأمونيوم في مرفأ بيروت، من أسفل هرم سلطتهم الفاجرة إلى ما تحت أسفله، ومن صغيرهم إلى أصغرهم لأن لا كبير بينهم يقف بجرأة الجريء وشجاعة الشجاع ليشهد للحق والحقيقة. حتى الذين اعترفوا بمعرفتهم بدخول نترات الأمونيوم إلى مرفأ بيروت في تشرين الثاني العام 2013، تبادلوا تقاذف المسؤولية وتحجّجوا بعدم إدراكهم لخطورته.

الكل يتسلَّح بمذكرات ورسائل إلى رؤسائه المباشرين، أو إلى السلطات المسؤولة والمعنية بمتابعة الموضوع، أو مخابرة القضاء المختص، وما شابه. حتى رئيس الجمهورية السابق ميشال عون، اعترف بتبلُّغه تقرير جهاز أمن الدولة في 20/07/2020، (أي قبل نحو أسبوعين على الانفجار)، عن وجود كمية كبيرة من نيترات الأمونيوم في أحد عنابر مرفأ بيروت،(العنبر رقم 12)، وأن المستشار العسكري لرئيس الجمهورية قام بإعلام الأمين العام للمجلس الأعلى للدفاع في رئاسة مجلس الوزراء بهذا التقرير لإجراء اللازم.

لكن عون عاد ليقول بعد أيام، مبرراً، إنه لا يملك صلاحية التدخل مباشرة مع سلطات المرفأ، ولم يكن يعلم بخطورة المواد المخزّنة، وهو القائد السابق للجيش اللبناني! من دون أن ينسى طبعاً تأكيد كل حرصه على أن يأخذ التحقيق القضائي العدلي مداه الكامل وفق النصوص المرعية، مستعيناً بكل الخبرات التي يراها لتبيان الحقيقة الكاملة عن الانفجار وظروفه والمسؤولين عنه على المستويات كافة.

تبقى الحقيقة الفاقعة أن الإجراء اللازم لم يُتَّخذ، ولا يزال أهالي الضحايا والمصابون واللبنانيون والعالم أجمع، ينتظرون لمعرفة من يتحمّل المسؤولية عن عدم اتخاذ ذاك “الإجراء اللازم”. علماً أن ما قامت وتقوم به السلطة الحاكمة المتحكمة، لا يمكن وضعه إلا في خانة “كاد المريب أن يقول خذوني”، تبعاً للعراقيل الجمّة التي وضعتها ولا تزال أمام استكمال التحقيق لكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عن تلك الجريمة الفاجعة.

يكفي فقط استذكار بعض الوقائع ليكون توجيه أصابع الاتهام إلى هذه المنظومة في محلّه الصحيح: من تهديد قاضي التحقيق العدلي الأول فادي صوان وتنحيه عن القضية، إلى تهديد القاضي الثاني طارق البيطار من قبل مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق في حزب الله وفيق صفا، ومن داخل العدلية بالذات، “بقبعه”، إلى عرقلة عمله وعدم مثول المتهمين أمامه متحججين بالحصانات، وصولاً إلى التعرّض لأهالي الضحايا مباشرة وإدخال الناشطين منهم إلى السجن مرات عدة لأنهم لا يسكتون ويواصلون النضال لكشف الحقيقة وتحقيق العدالة، وغيرها من الوقائع التي لا يتسّع لها المكان.

لكن إلى متى؟ إلى حينٍ فقط. لن يفلتوا من العقاب مهما طال الزمن، ولن ينجحوا في طمس قضية تفجير المرفأ. وإن نجحوا مرحلياً في وقف التحقيق المحلي، فلا بد للمحاكم الدولية أن تقتصّ للضحايا من “منظومة الموت” التي تتحكم بلبنان وتسيطر عليه.

ليتمعَّن المجرمون والمتورطون والمسؤولون والمتخاذلون والمقصّرون عن القيام بواجبهم تجاه الشعب اللبناني، بالحكم الأخير الصادر منذ فترة عن محكمة بريطانية لصالح ثلاث عائلات راح أقاربها ضحية تفجير المرفأ، وليضيفوا إليه القرار الصادر عن البرلمان الأوروبي بضرورة تعيين لجنة تقصي حقائق دولية لمتابعة القضية وتقديم المسؤولين والمتورطين إلى العدالة، فضلاً عن سائر التقارير الصادرة عن المنظمات الحقوقية والإنسانية الدولية بهذا الشأن، ليتأكدوا أن ذلك ليس سوى أول الغيث، والدليل الساطع على أن الحقيقة والعدالة آتية.

عندها، وعندها فقط ترتاح أنفس الضحايا، وتبرأ جراحات الجرحى، ويكون الأمل بأن الإفلات من العقاب في لبنان ليس قدراً محتوماً على اللبنانيين الضحايا، وأن دوام الحال من المحال، و”منظومة الموت” لها ساعة تأتيها، لأنه إن كان للباطل جولة فللحق ألف جولة وجولة، و”دمها البارد” سيحرقها مهما ناورت وتهرَّبت من الحساب الآتي حتماً.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل