#dfp #adsense

المؤتمر الدّولي وردّاتُ الفِعل

حجم الخط

عندما تقدَّمَ البطريركُ المارونيُّ باقتراحِهِ التّاريخيّ الى اللبنانيّينَ عموماً، والى ذَوي السّلطةِ خصوصاً، وقد تضمَّنَ بَنداً أساسياً، على مُستوى الإستراتيجيةِ الوطنية، هو طَرحُ المؤتمر الدّولي كَحلٍّ موزونٍ، ومُتاحٍ، للأزمةِ التي أَتَت على أَخضرِنا واليابِس، بعدَ أن تعذَّرَ على قاطِني لبنان التوصّلُ الى حلّ، سارعَ بعضُ المُهَرطِقين الى تَبَنّي ردَّةِ فعلٍ إِنفعاليةٍ غيرِ مُبَرَّرَة، تُجاهَ هذا الطَّرح. من الوَجهةِ الديمقراطية، فإنّ حريّةَ الرأيِ والتَّعبيرِعنه، تُعطي الحقَّ بإعلانِ المواقفِ، أيّاً تَكُن، إذا كانت مَشروطةً بالقوانين المَرعيّةِ الإِجراء. أمّا من الوجهةِ الموضوعيّة، فكان لازِماً تَوَخّي القراءةِ المُتَأَنِّيَةِ وغيرِ المُتَسَرِّعة، لِطَرحِ بكركي، لئَلّا يقعَ المُتَسَرِّعُ في المَحظور، وقد وَقَع…

هناكَ سؤالٌ واحدٌ، وبديهيٌّ، يَطرحُ نفسَه في هذا المَوضِع، وهو يتعلَّقُ بالأَسبابِ التي دَفعَت المُنفَعِلين الى موقفٍ متطرِّفٍ ومُتَوَتِّرٍ، وكأنَّ وراءَ الأَكَمَةِ ما وراءَها.

إنطلاقاً من حقِّ الدولةِ المأزومةِ في طلبِ مساعدةِ المرجعيّةِ الدوليّةِ لإيجادِ حلٍّ لأزمتِها، لا سيّما أنّ لبنانَ هو عضوٌ في الجمعيّةِ العامّةِ للأُمم المتّحدة، ومُدَبِّجُ شرعة حقوق الإنسان، يُمكنُ أن نفهمَ، تماماً، ما يتبدّى في طَرحِ بكركي من بُعدِ نظرٍعقلانيّ. فالبطريركُ الذي، لَطالما، كانَ من أكثرِ المُعتَدِلينَ في مواقفِه، مَرِناً، الى أَبعدِ الحُدود، في التَّعاطي مع المواضيعِ ذاتِ الحسَاسيّةِ المُفرطَة، ومع المشكلاتِ التي انقسَمَ حولَها اللبنانيّون، كان لا بُدَّ له، أمامَ اللّامَنفَذِ واللّامَخرَج، من أن ينعطفَ عن روتينيّةِ العِظاتِ والتَّصريحات، وأن يقدِّمَ حلّاً موثوقاً، رأى فيه طرحاً مُتجاوزاً ومتوفِّراً، يقبلُ به أكثرُ الدّاخِلِ، وأغلبيّةُ الخارج.

وإيماناً منَ البطريرك، بأنّ الوضعَ الرّاهنَ، قد تَمادَت نتائجُه الكارثيّةُ: جوعاً، وفَقراً، وبطالةً، وهجرةً، وإفلاساً…على مساحةِ الوطنِ كلِّها، تعاطى سيّدُ بكركي مع هذا الثّابتِ، بنَظَرٍ عقلانيّ، ووطنيّةٍ صِرف، وحِسٍّ واقعيّ، فطرحَ المؤتمرَ الدّوليَّ حلّاً، ما يُساهِمُ في إجهاضِ مواجهاتٍ غيرِ محسوبةِ العواقِبِ، يُمكنُها أن تُؤَدّيَ، حتماً، الى انهيارِ الدولةِ والوطن . من هنا ، شَكَّلَ طرحُ بكركي هزَّةً نوعيّةً في مَسارِ البحثِ عن حُلول، ( والمَسارُ كانَ عَقيماً )، وأسَّسَ لِحراكٍ ينبغي أن يكونَ مُمَنهجاً، ومُلتزِماً خارطةَ طريقٍ واضحة، يُحسِّنُ ظروفَ الخروجِ من روتينيّةِ سلوكِ أهلِ السّلطة، وسواهم، وينحَرُ أسلوبَ التَّسويفِ والتَّرقيعِ والتَّخدير.البطريركُ الرّاعي يعلمُ بأنّ القضيّةَ لا تزالُ شائكة، لكنّه مؤمنٌ بأنّ المؤتمرَ الدوليَّ، وحدَه، يضعُ حدّاً لِنَحرِ سيادةِ الوطن، ولانهيارِ مؤسّساتِهِ، ويسحبُ صُكوكَ دحرجةِ البلادِ الى هُوَّةٍ لا يُحسِنُ الخروجَ من قَعرِها. البطريركُ الرّاعي على يَقينٍ بأنّ هذا الطَّرحَ، وحدَه، يوقفُ مصادرةَ لبنان، تحتَ مَسميّاتٍ وذرائعَ لم تَعد مقبولة. من هنا، كانت قراءتُهُ الوقائعَ حَسِنَةَ النِيّة، وطنيّةَ التَوَجُّه، تسعى الى إخراجِ الوطنِ من دائرةِ النّار، ومن جداولِ القَتل، وذلك بمسؤوليّةِ القائد. نعم، لقد أعادَ البطريركُ القائدُ الى كلمةِ “مسؤولية” شرعيَّتَها، وسُلطَويّتِها، بعدَ أن تَمَّ شَطبُها من مُعجَمِ الجمهورية، وبِلامُبالاةٍ موصوفة.

أمّا ما انفلَشَ من مواقفَ سالِبَة، ساقَتها انفعاليّةٌ رَعناءُ، قابَلَت طرحَ البطريرك، رَفضاً لطَرحِ المؤتمر الدوليّ، فتعودُ الى نِيَّةِ الإستمرارِ في الزَجِّ بلبنانَ في حروبٍ قاتلةٍ، لا نَفعَ له بِها، وتودي، حتماً، الى تَدميرٍ للوطنِ، بِما فيهِ، ومَنْ فيه. أمّا اتّهامُ المُنفعِلين البطريركَ بالعمالةِ للخارج، فمسألةٌ بروتوتيبيّةٌ ممقوتة، تنطقُ أَبواقُها بِخطابٍ واحد، وفي وقتٍ واحد، بِما يُملى عليها بالتّحديد. وقد أصبحَ هذا الإتّهامُ تقليداً يلجأُ إليه مَن سقطَتِ الحجّةُ من أيديهم، من جماعةِ أهلِ الكهفِ، وهم يعلَمون بِعدمِ جَدواها.كان على المُنفَعِلينَ أن يتعاطَوا، بإيجابيةٍ، مع طرحِ بكركي، ويستمعوا الى صاحبِها بِتَأَنٍ، ويمنَحوها قراءةً هادئةً، ليبدِّدوا فَوقيّتَهم التي رسموها في أذهانِ الناس، من أنَّهم يَفرِضون، ولا يُفرَضُ عليهم. وكأنّهم لا يعرفون أنّ الإنسانَ يَقضي سَنَتَين من عمرِهِ ليَتَعلَّمَ التَكَلُّم ، ويَقضي بقيَّةَ حياتِهِ ليَتَعلَّمَ الإِستِماع .فيا صاحبَ الغبطة، أنتَ تعرفُ الشّيطانَ مهما بَدَّلَ ثيابَه…​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل