





.jpg)
كتب لوسيان شهوان في “المسيرة” – العدد 1743
إن تسأل حاكمًا ديكتاتورياً: شظايا الحروب أين تختفي؟ وأوجاع الشعوب المقهورة وأنين المظلومين كيف تتوقف؟ يكون الجواب: “فلتُقتل كل هذه الشعوب، عندها تتوقف الأوجاع وتُمحى الذاكرة السوداء من الأذهان، فهذا العالم الذي يسمّى بالحرّ، والذي يمتلك كل القدرات على دحر الظلم ودحرنا نحن الديكتاتوريين، يتفرّج ولا يفعل شيئاً”. إنّه الحاكم البعيد كل البعد عن الإنسانية، الذي لا يأبه بأية محاسبةٍ ولا يخافُ عدالة… يستمر في جلوسه على كرسي السلطة، ويترقب تقارير منظمات حقوق الإنسان، ليزيد أفعالًا وحشية، على سجلاته… سجلات الموت والدم!
فلاديمير بوتين يستمرّ بالإفلات من العقاب بعد غزو أوكرانيا في 24 شباط 2022، وارتكاب جيشه أفعالا وحشية بحق الشعب الأوكراني، إضافة الى ما ارتكبه عام 2015 الى جانب حليفه، نجل حافظ الأسد، بشار الاسد. آنذاك، كانت سوريا بالنسبة لبوتين حقل تجارب لما يقوم به اليوم في أوكرانيا حيث يقاتل “النازيين”، بحسب مخيّلته.
آلة القهر والقمع والقتل كان يشغلها الأسد كذلك، قاتَلَ السوريين ودكّ منازلهم وأزقة بلداتهم ببراميل التهجير المتفجّرة التي وصل عددها بحسب المؤرخ السوري رضوان زيادة بين عامي 2011 – 2017 الى 68334 برميلا، ناهيك عن السلاح الأسدي الفتّاك الموروث عن آلة الأسد الأب: سلاح معتقلات الموت أو كما سمّاها أحد المعارضين السوريين “مسالخ الموت” والتي قضت على ما لا يقل عن 15817 مواطناً سوريًا تحت التعذيب، منذ بداية الاحتجاجات في سوريا عام 2011، بينما لا يزال حوالى 154817 شخصًا قيد الاعتقال أو الإخفاء القسري في السجون السورية، وغالبيتهم في سجون النظام؛ وذلك بحسب تقرير نشرته الشبكة السورية لحقوق الإنسان في آذار 2023. هذا النظام سبّب لدول الجوار وللبنان تحديدا أزمة نازحين كبّدت اقتصاده مليارات الدولارات، من هنا الأجدى بالمنظمات الدولية التي تدفع الأموال لحماية النازح في لبنان أن تجد حلاً بالتنسيق مع لبنان الرسمي لإعادتهم فورًا الى سوريا.
آلة القتل والتعذيب هذه، لم تردعها عقوبات العالم الحرّ وحقوق الإنسان ولم تهتم لسجلات التاريخ، فهي نشأت بالأساس مع انقضاضها على الحريّة وخنق مساحات الديمقراطية الفعلية بهدف بقائها في قصر المهاجرين ولو أصبح كل الشعب من المهجَّرين!!
المعتقلات السورية وضحاياها
للاعتقالات السياسية في سوريا محطّات عديدة تعود بداياتها الى مرحلة الوحدة مع مصر بين عامي 1958 -1961، مرحلة جمال عبد الناصر، وكان ضحاياها من الشيوعيين. المحطة الثانية تمثّل ضحاياها بالناصريين عقب الانقلاب البعثي في آذار 1963. أمّا بين عامي 1966 – 1970 فطالت الاعتقالات السياسية البعثيين الموالين للانقلاب الأول الى جانب عدد هائل من الشيوعيين والناصريين. وبعد استيلاء حافظ الأسد على الحكم عام 1970، افتتح عهده بحملة اعتقالات كبيرة طالت رفاقه من البعثيين الذين انقلب عليهم.
مع بداية الثمانينات، ارتفعت وتيرة الاعتقالات لتطال أي نسيج يشعر نظام الأسد أنه غريب عنه… ولم يسلم آنذاك، لا الشيوعيون ولا الإسلاميون ولا البعثيون الموالون للعراق ولا أي مواطن سوري غرّد خارج سرب حكم الأسد. في تلك المرحلة ساد التعذيب داخل المعتقلات كنمط وحيد لا يكترث الى المحاكمات. اختلطت المحاكمات المدنية بالعسكرية ولم يُفرّق بين مُعتقل مدني أو عسكري لطالما أن هدف الاعتقال هو ترويع أية حركة قد تكون مناهضة للأسد حتى سحق أركانها وسوقهم الى غرف التعذيب والموت.
الى جانب محطات الاعتقالات هذه، برز نمطٌ آخر في التعاطي مع المواطنين السوريين، تجسّد بقتلهم وضربهم بالرصاص، أسلوبٌ انتهجه النظام كذلك، والحوادث التي تدور في فلك هذا النهج كثيرة.
هذه الحملات وغيرها ساهمت بشكل مباشر بضرب الحياة السياسية في سوريا، حيث استطاع الأسد مع بداية التسعينات تخدير المعارضين وقادة الرأي المناهضين لنظامه المخابراتي الذي حقق من خلاله أهدافه في محو الديمقراطية السورية وكسر كل من يجرؤ على الوقوف في وجهه.
يتحدث البعض عن نمط انضباطي فرضه الأسد في سوريا ويحاول كل من تم ترويضه من مسؤولين وقادة سياسيين بين سوريا ولبنان إيجاد تبريرات لارتكابات الأسد الفظيعة بحق شعبه. المعجبون بأدائه أصبحوا أعضاءً في مجلس الشعب السوري أو وزراءً في حكومات كرتونية أنهكتها صفقات الفساد والأداء الإداري النتن… حكومات ومسار حكم أراده حافظ الأسد مصدر دخل لهذه الكائنات البيولوجية التي لا تعرف إلا التصفيق للطاغية ومدحه في مؤتمرات حزب البعث الصوَريّة.
الانضباط في نظام “السجون”
في كتابه “المراقبة والمعاقبة” يتحدث الفيلسوف الفرنسي “ميشال فوكو” عن السجن ونشأته وعلاقته بالآليات الانضباطية وتطوّرها التاريخي. من عباراته التي يمكن إسقاطها على ممارسات نظام الأسد: “أن السجن، المنطقة الأكثر قتامة في جهاز العدالة، هو المكان الذي تنظم فيه سلطةٌ معينة، العقاب الذي لا تجرؤ على ممارسته في شكل علني”. جملة تفسّر أسباب اعتماد الأسد في شكل كبير على الغرف المظلمة التي تفوح منها رائحة التعذيب… فالآلة السورية، وبعيداً من قنوات العالم الخارجي وأضوائه، استخدمت هذه السجون وغرفها لإخضاع كل خصم وعدو مفترض، بهدف تقويض كل حركة حريّة، بطريقة مستترة. وما عجز النظام السوري عن القيام به في العلن قام به في ظلمة الغرف… سرًّا! حتى أتى “قيصر” المصوّر السوري الذي وثّق 55000 صورة لمعتقلين تعرضوا للتعذيب والموت؛ وتوجَّهَ بها الى دوائر القرار حاملاً قضيتهم التي تحوّلت الى قانون للعقوبات. وكانت سبقت «صُوَر قيصر» عشرات الروايات التي كتبتها شخصيات سورية ولبنانية تعرّضت للاعتقال، منها، رواية “بالخلاص يا شباب”، للكاتب السوري والمعتقل السابق ياسين الحاج صالح. هذا أيضاً ما تم اعتماده مع مئات اللبنانيين أثناء احتلال سوريا للبنان، بحيث لا يزال هناك 622 معتقلاً ومخفيًا في غياهب تلك السجون. ولروايتي اللبنانيين العائدين من المعتقلات السورية علي أبو دهن “عائد من جهنم” وريمون سويدان «صرخات موجعة»، صفحات من الألم والتعذيب تعكس تمامًا ما كان يحدث هناك، ناهيك عن كل ارتكابات جماعة النظام من سجن واضطهاد واغتيالات سياسية بحق كل مناهضيه في مرحلة احتلاله للبنان وحتى بعد انسحاب جيشه في 26 نيسان 2005.
في سوريا استمرّت هذه الممارسات القمعية والمدمرة للإنسان في عهد الأسد الابن وارتفعت وتيرتها كثيرًا مع بداية الاحتجاجات عام 2011: 1.2 مليون سوري عاشوا تجربة الاعتقال في السنوات الماضية، واستخدم النظام 72 أسلوبًا للتعذيب في المعتقلات.
لمنظمة العفو الدولية تقارير كثيرة حول المعتقلات السورية ومن أهمها عن سجن صيدنايا، حيث “الاعدام الجماعي”. ويُظهر أحد التقارير الذي نشرته المنظمة على موقعها الإلكتروني، إعدام أكثر من 13 ألف شخص شنقاً في صيدنايا، بين أيلول 2011 وكانون الأول 2015.
ما ورد ذكره ليس إلّا عيّنة عن أسلوب التنكيل الممنهج في حق المدنيين… ناهيك عن أساليب أخرى للاستيلاء على أموال المعتقلين وبطرق عديدة. ففي 4 كانون الثاني 2021، كتب الصحافي “جوشوا سورتيز” في صحيفة “الغارديان” البريطانية مقالاً تحدث فيه عن تقرير صادر عن جمعية المعتقلين والمفقودين في سجن صيدنايا: أن بعض الحرس والقضاة والأفراد في الجيش السوري تقاضوا رشاوى من أهالي بعض المعتقلين بهدف زيارتهم أو الإفراج عنهم أو حتى معرفة بعض المعلومات عن مصيرهم. ويشير التقرير أيضاً إلى حجم الابتزاز من بعض المسؤولين في أحد فروع السجن الذي وصل الى حوالى 2.7 مليون دولار بعد دراسة استقصائية على 1200 سجين سابق. وفي الصحيفة نفسها مقال للصحافية «روث مايكلسون» نُشر بتاريخ 8 نيسان 2022، وثقت من خلاله مصادرة النظام السوري لأصول بقيمة مليار و500 مليون دولار من المعتقلين والمخفيين قسرًا. فالنظام السوري اعتمد طرقاً رسمية وغير رسمية في عمليات الاستيلاء هذه، فثلث المعتقلين بين عامي 2011 و2022 صودرت ممتلكاتهم وسُرقت منهم. تقول «مايكلسون» إن سيارات وممتلكات بعض المعتقلين صودرت فوراً عند الاعتقال وبشكل اعتباطي… بعضٌ آخر، أُجبروا على توقيع أوراق تنزع عنهم حقوقهم المدنية لمصادرة ممتلكاتهم في ما بعد. وبهذه الطريقة أمّن النظام مصدرًا جديدًا لتمويل حاشيته ملتفاً على العقوبات غير مكترثٍ لكل الاعتبارات الأخرى.
العقوبات المتعددة أثرت بشكل كبير على وضع الشعب السوري الاجتماعي والمعيشي. فقد وضع النظام شعبه في حالة جوع وفقر لن تنتهي في المدى القريب بعدما مارس في حقهم كل أساليب القمع والتنكيل وقدم لهم الحديد والنار والبراميل كبديل عن الأمل والحياة والبحبوحة. واستمر في كل ذلك عبر سرقة أحلامهم وممتلكاتهم فأوصلهم الى حالة التخدير واليأس والموت في الصميم.
كل ما يهمّ أركان آلة الموت هو الاستمرار ولو صوَرياً في حكم معيّن تارة برعاية وغطاء روسيَّين، وطورًا بدعم ميداني من ميليشيات إيران؛ حتى وصل الأمر بفعل ممارسات هذا النظام الى منح سوريا لقب “جمهورية الكبتاغون”. بحسب صحيفة “در شبيغل” الألمانية، التي كشفت أن النظام السوري جنى أرباحاً خيالية من تجارة المخدرات؛ بحيث بلغت القيمة الإجمالية لشحنات الكبتاغون 5.7 مليار دولار عام 2021. وقد أثبت تحقيق مشترك أجرته محطة “بي بي سي” البريطانية مع شبكة الصحافة الاستقصائية OCCRP (عُرض في حزيران 2023)، تورُّط شخصيات عسكرية تابعة للنظام السوري في تجارة الكبتاغون ومعهم أفراد من عائلة الأسد. هذا التحقيق أتى مُكمّلاً للعقوبات التي فُرضت من قبل وزارة الخزانة الأميركية في آذار الماضي على سامر كمال الأسد ووسيم بديع الأسد وخالد قدور المقرّب من ماهر الأسد واللبنانيين نوح زعيتر وحسن دقّو المقربين من “حزب الله”.
يطرح السؤال: عن أي سوريا نتحدث اليوم؟ أمام هذا الدمار الكبير والمتعدد الأشكال الذي أُلحق بالشعب السوري، أي رئيس وأي تمثيل يريده البعض لآلة موت لا يمكنها أن تقدم أفضل مما ورد أعلاه؟ أي موقع أمام الله والتاريخ يريده هؤلاء، من يُسمّون أنفسهم “حلفاء الأسد” في محور ما يُسمّى الممانعة؟ أي اعتبار يريده البعض لطاغية بين الدول التي لا تريد إلا الحداثة والتطوّر وكرامة الإنسان؟ وهل فعلاً ننتظر من عرّاب تجارة المخدرات على أرضه مكافحة هذه الآفة المربحة. ماذا سيكتب التاريخ ذات يوم على صفحاته عن موقف لبنان الرسمي الذي تمنَّع عن التصويت على مشروع قرار لإنشاء هيئة مستقلة ترعاها المنظمة الدولية، للاستيضاح عن مصير المفقودين والمنفيين قسرًا في سوريا بين عامي 2011 و2023؟
حقاً أثبت نظام الممانعة في لبنان مسؤوليته عن حماية ما تبقى من هذا النظام من دون أي اعتبار للبنان شارل مالك… لبنان حقوق الإنسان!
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]