#dfp #adsense

مصالحة الجبل.. تجديد الوحدة وطريق الاستقلال الجديد

حجم الخط

شكّل نداء مجلس المطارنة الموارنة برئاسة البطريرك مار نصرالله بطرس صفير في 20 أيلول من العام 2000 المانيفست السياسي الذي أطلق العد العكسي لإخراج الجيش السوري من لبنان، وهو بمثابة بيان رقم واحد لقلب الطاولة بعد خروج الجيش الإسرائيلي من لبنان وغياب أي مبرِّر لبقاء الجيش السوري.

أهمية هذا النداء لا تكمن حصراً في وضوحه السياسي ومطالبته الصريحة بضرورة خروج الجيش السوري من لبنان، إنما تكمن في الجوهر والأساس في أنّ من أطلقه قرّر عدم الاكتفاء بالموقف السياسي، على أهميته، بل عمل وسهر على ترجمته على أرض الواقع، فقدّم رعايته للقاء سياسي تبنى النداء الأيلولي الأول وعُرِف بلقاء “قرنة شهوان”، وكان بمثابة مكتب سياسي للبطريرك سعياً لتحقيق الاستقلال الثاني باعتبار أن استقلال لبنان الأول صناعة بطريركية بامتياز.

بعد إطلاق النداء وتأسيس اللقاء جاءت الخطوة الثالثة المتمثلة بمصالحة الجبل، وهي مصالحة أبعد من أبناء القرى المسيحية والدرزية الذين كان عاد معظمهم إلى قراهم وبلداتهم، إنما مصالحة بالمعنى الوطني السياسي الواسع مع بطريركية رفعت الصوت لخروج الجيش السوري من لبنان، مطالبةً بالاستقلال الثاني، ولقاء سياسي يضمّ الأحزاب السيادية وفي طليعتها “القوات اللبنانية” وعنوانه الأساس استعادة السيادة والدولة.

بعد أن أسقط لقاء “قرنة شهوان” الحواجز بين القوى المسيحية السيادية، أسقطت مصالحة الجبل الحاجز الذي وضعه الاحتلال السوري بين مكونات الشعب اللبناني، وانتفى التبرير الأبرز الذي كان يسوِّقه للمجتمعين العربي والدولي عن ضرورة بقاء جيشه في لبنان بحجة أن انسحابه يؤدي إلى الاقتتال بين اللبنانيين، ما يعني أن المصالحات وكسر الحواجر من الخطوط الحمر التي كان يضعها النظام السوري، باتت قابلة للتنفيذ.

فمصالحة الجبل أسقطت سردية نظام الأسد بأن وجوده في لبنان لمنع تجدُّد الحرب الأهلية، لكن النظام الأمني اللبناني ـ السوري المشترك لم يتأخر بالرد من خلال حملة اعتقالات واسعة في السابع من آب في محاولة لفرملة الاندفاعة السيادية، وأن تكون محطة الجبل آخر المحطات والمصالحات خشية من أن تكر سبحة اللقاءات، إلا ان تصميم البطريرك وإرادة اللبنانيين بالتحرُّر كانت أقوى من النظام الأمني المشترك، فَفُتِحَت طرق اللقاءات السياسية للمعارضة على مصراعيها في “البريستول” وصولاً إلى انضمام الرئيس رفيق الحريري من خلال إيفاده من يمثله بهذه اللقاءات التي شكلت البيئة اللبنانية الحاضنة للاستقلال الثاني الذي تفجّر بثورة مليونية في 14 آذار 2005.

لم تكن هذه المصالحة لتتحقّق لولا إطلاق البطريرك صفير معركة الاستقلال ومدّه الجسور مع جميع اللبنانيين وحمل عصاه الخشبي في جولات على عواصم القرار، ولم تكن لتتحقّق أيضاً لولا جرأة النائب السابق وليد جنبلاط بملاقاته البطريرك والقوى المسيحية السيادية، وفي طليعتها “القوات اللبنانية” التي دفعت الثمن الأكبر باعتقال رئيسها الدكتور سمير جعجع والآلاف من كوادرها، خشية من دورها وقدرتها على قلب الطاولة في وجه نظام الاحتلال.

والعبرة الأساس من مصالحة الجبل مثلثة الأضلع:

الضلع الأول، الجرأة في كسر الحواجز ومدّ الجسور والمبادرة من أجل لبنان الوطن والدولة.

الضلع الثاني، رفض الخضوع والاستسلام ولو غابت شمس الحق وانطفأ نور الحرية، لأن الاستسلام يؤدي إلى العتمة الأبدية والعبودية الدائمة، فيما المواجهة ولو من دون أفق، لا بد من أن تفتح في الوقت المناسب آفاق الحرية والتحرُّر.

الضلع الثالث، أقوى سلاح على الإطلاق هو سلاح الوحدة، وحدة الصف والموقف، وهذه الوحدة الوطنية كانت كفيلة باستجرار الدعم الخارجي لإخراج الجيش السوري من لبنان… ولا بدّ من تجديد الوحدة في هذه الأيام تمهيداً لانتفاضة استقلال جديدة تُخرج لبنان من الزمن البائس وتعيده إلى الزمن الجميل.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل