

لتبقى لنا الحرية، هكذا انهال استشهادنا على مدار السنين، انهمرت دماؤنا مثل البخور فوق عبق الايمان، لنكون للارض سماداً، وللارز فروعاً، وللسماء رسلاً. ولتبقى لنا الحرية يا الياس الحصروني، صرتَ في السماء تستعد لاستقبال أيلول الشهداء، صرت شهيداً. استعجل عليك الرفاق فوق قبل أيلول بأيام قليلة، لتحتفل معهم بعبق الاستذكار، ولتكون بينهم واحداً من آلاف الشهداء، شاهداً على قسوة المقاومة في هذه الارض المستحيلة، التي كلما رويتها دماء قالت بعد، وكلما غذّيتها شهداء قالت بعد، وكلما أدمنت حبها تنكّرت وتجبّرت ورمتنا في النار والنكران.
اغتالوا الياس الحصروني، صار “الحنتوش” في الغياب قسراً. لم يعد بإمكانهم أن يتحملوا رجالاً رجال، وفي “القوات” ليس عندنا الا رجال رجال، فنصبوا له كمين الغدر والحقد وخنقوا الحياة في قلبه، ليكن عبرة لمن لم يعتبر عبر الأجيال والأزمان.
يا بؤساء، تقتلون الجسد فينا وتبقى دائماً لنا الروح والنضال والاستمرارية.
“الحنتوش” لقبه في زمن الحرب، هو رجل المواجهات القاتلة مع من لا يريد أن تبقى الحرية لهذه الارض. اغتالوك يا ابن الجنوب الصامد في الأرض اللصيق بها مثل حبيبات التراب تلك الممتلئة بركة ومواسم، ولم تكن مواسمك الا غلالاً عامرة بالخير لأهل عين ابل وكل منطقة بنت جبيل.
كم سنة بقيت منسقاً للمنطقة؟ عشرات السنين، وعلى الرغم من حساسية الموقع وحساسية المنطقة، تجاوزتَ كل المطبات، لتحوِل موقعك السياسي الى موقع خدماتي إنساني إيماني بامتياز. إسألوا أهل البلدة، إسألوا أهل المنطقة عن الياس الحصروني، واسمعوا الجواب الوحيد العابر للساحات وللزمن الطويل: “شجاع، قلب كبير محب، ما بيترك حدن من أهل منطقتو الا وبيخدمو بعيونو، وما بيسأل لا عن طائفة ولا انتماء”، كيف يقتلون رجلاً مماثلاً؟! أو لعل السؤال الأصح في هذا الزمن المضرّج بالجريمة والارهاب والخطيئة، كيف لا يقتلون رجلاً مماثلا؟!!
ابن عين ابل، في ذاك الجنوب المناضل بصمت لأي تسلّط أو هيمنة أو مصادرة الرأي الحر، بقي المناضل الكبير صامداً، رفض ترك بيته وأرضه وأهله، قبع هناك حارساً على الرزق والقضية، بقي هناك على الرغم من كل ما عبر في المكان من ضغوطات هائلة على الأهالي، ليرسل عبر صموده رسالة حب مدوية، بأن الإيمان أقوى من الخوف، والصمود والمواجهة بالمحبة هما اقوى أسلحة العالم في وجه أي شر من شرور الأرض تلك، وفعلها، فعلها ابن عين ابل، ومنسق منطقة بنت جبيل، فكان المناضل صاحب الديناميكية الاستثنائية التي خوّلته أن يكون مرجعاً للجميع من أبناء الضيعة والمنطقة ومن دون استثناء.
الجريء الذي لم يخف من أحد، وانطللاقاً من موقعه الحزبي، كان يواجه بالصدر المفتوح مشاكل ابناء المنطقة، ومن القلائل الذين صمدوا في المكان، في حرب تموز العبثية تلك. سخّر كل إمكانياته لمساعدة من ضاقت بهم الأمكنة، ساعد الأهالي جميعاً لإخلاء منازلهم وتدبير أماكن بديلة آمنة موقتة لهم الى حين انتهاء ذاك الجنون، وكان من القلائل الذين رفضوا المغادرة بعد انتهاء الحرب، كان العين الساهرة على بيوتهم وأرزاقهم الى حين عودتهم وبقي كذلك حتى بعد انتهاء الحرب، ذهبوا هم وبقي هو صامداً في الضيعة مع مجموعة قليلة من رفاقه وأهل الضيعة لحراستها. لم يتركها حتى لحظة انتشلوا منه ذاك الحب المتجذّر في المكان وأهل المكان.
فعل كل شيء ليتمكن ويعيش بكرامته، فبنى فندقاً ومسبحاً ومطعماً، وأنجزهم بوقت قصير وأنشأ عائلة جميلة صامدة، شابين وصبية، كاد موته الصاعق أن يخطف منهم كل أمل بالبقاء في لبنان، لكنه زرع فيهم ذاك التجذر الساطع من الحب والتمسك بالأرض، والأمل ببكرا أفضل لتبقى لنا ولهم الحرية.
لما اغتيل، حمله رفاقه في النعش المضرج بدموعهم، ورقصوا به أمام الكنيسة التي يشرف على بنائها في عين ابل، “كان يتسلّق ليجلس في مقعد الونش ليراقب من الأعالي عملية صب الباطون بالقبة وقالب الخشب وكل عملية البناء بدقة متناهية، كان ابن كنيسة شجاع قوي صلب ايمانو ما بيتزحزح، إنساني الى أبعد الحدود، ساعد الكل وشرّف القوات حين تسلّم لسنين منصب منسق المنطقة، اغتيالو سكينة بالقلب” قال عنه بغصة حارقة المناضل مارون مارون.
تربصوا له وقتلوه في طريق الليل، إرهابيو ليالي ونهارات لبنان. كيف تمتد آياد آثمة بهذا الشكل المروع، الى رجل من هذا الطراز العالي يا وحوش الأرض وخفافيشها.
قتلوه ليزرعوا فينا الخوف والتردد والحزن. نجحوا في جعلنا نحزن، ونذرف دموع القهر على مناضل مماثل، لكنهم وكما العادة، فشلوا في جعلنا نخاف ونتردد، نحن من تعمدنا على مدار الدهور والأجيال، بالنار والدموع وبخور الشهادة والمقاومة المقدسة لتبقى لنا الحرية. أنت في الحرية المطلقة الياس الحصروني، ونحن ولأجلك ولأجل شهدائنا، في النضال الأبدي لأجل أرز لبنان وشهقة المجد تلك التي لن تتراجع.
