كتبت صحيفة "الجمهورية": كانت الرسالة الفرنسيّة واضحة، وشاء الرئيس نيكولا ساركوزي من خلال استقباله الرئيس سعد الحريري، وفي هذا التوقيت بالذات، أن يبلّغ من يريد أن يتبلّغ بأنّ الوساطة البريطانيّة مع باريس لترتيب دعوة رسميّة للرئيس نجيب ميقاتي، لم تحقّق اختراقا بعد.
كان الردّ بأنّ مثل هذه الدعوة قد ينظر بها مستقبلا. وإنّ أداء الحكومة اللبنانية إنْ على المستوى الدوليّ أو العربيّ لم يعد مقبولا، ولا يمكن لفرنسا التي تقود حملة إعلاميّة ودبلوماسيّة وإجرائيّة شرسة لإسقاط النظام السوريّ، أن تتقبّل أداء الحكومة اللبنانيّة على هذا النحو في المحافل العربيّة والدوليّة.
وكان الرئيس ميقاتي قد أبلغ نظيره البريطاني دايفيد كاميرون، خلال لقائهما الأخير في لندن، استعداد حكومته لتمويل المحكمة الدوليّة الخاصّة بلبنان، ورأت فرنسا من جهتها، بأنّ مثل هذا الإجراء قد يساهم في فكّ العزلة الدوليّة التي تعاني منها الحكومة، وفهم الرئيس ميقاتي الرسالة واعتبر أنّ الأوان قد آن للبَتّ بهذا الملفّ، خصوصا وأنّه تعهّد أمام نظيره البريطاني بأنّ التمويل سيتمّ قبل نهاية هذا العام.
واللافت للاهتمام، أنّ معظم البعثات الدبلوماسيّة في بيروت، تجاوزت الكلام عن الاستقالة، وراحت تتعاطى مع هذا الحدث وكأنّه خيار حتميّ لا بدّ منه، وهي تكثّف من جهودها لاكتشاف مرحلة ما بعد الاستقالة، وأيّ وضع سيكون عليه لبنان إذا تعذّر تأليف حكومة جديدة، وحلّ الفراغ مكان الحكومة الحاليّة، خصوصا إذا ما أدّت محاولة إسقاط النظام الى حرب أهليّة طويلة في سوريا.
وكان الموقف اللبنانيّ الرسمي من المبادرة العربيّة تجاه سوريا مفصليّا بالنسبة إلى فرنسا، وبعض دول الاتّحاد الأوروبّي، ودول مجلس التعاون الخليجي، وخرج أحد السفراء من الاجتماعات التي عقدها الرئيس ميقاتي أخيرا مع العديد من رؤساء البعثات لشرح الأسباب والمبرّرات التي دفعت بحكومته الى اتّخاذ مثل هذا الموقف، ليقول: "لقد بدأنا منذ فترة بالعدّ العكسيّ، واحتساب الأيّام التي سيمكثها الرئيس ميقاتي في سراي الحكومة، وليس الشهور والسنوات التي سيستمرّ فيها بموقع المسؤوليّة".
ويستشعر الرئيس ميقاتي خطورة المرحلة، بعدما دخلت ملفّات عدّة ساحة العراك السياسي، منها ما يتّصل بطبيعة الضغوط التي تمارس ضدّ النظام السوري بهدف التعجيل بإسقاطه، وفي طليعتها التعويل على الحصار الاقتصادي المُجدي، الذي يضيّق على النظام من دون أن يؤدّي إلى تجويع الشعب، ويدخل لبنان الى هذه الحلبة من موقع دوره ووظيفته، هل سيكون الى جانب الجامعة العربيّة؟ وهل سيستجيب لمقتضيات سياسة الحظر الاقتصادي على سوريا، سواء أكان متأتّيا من جانب العرب أو من جانب المجتمع الدولي؟ أم إنّه سيشكّل مع إيران والعراق البوّابة التي ستخرق هذا الحصار وتمدّ الساحة السوريّة بكلّ ما تحتاجه من سلع حيويّة؟
لقد وضعت هذه المحاور الرئيس ميقاتي أمام شرّين أحلاهما مُرّ: فإمّا أن يستجيب لمطالب ومتطلّبات الحكومة السوريّة، ويجيّر مرافئ لبنان، وممرّاته المائيّة، ومعابره البرّية للحدّ من وقع العزلة الاقتصاديّة المفروضة على سوريا، وعندها سيعرّض للعقوبات الدوليّة… إمّا أن يتجاوب مع الضغوط الدوليّة ضدّ سوريا، وعندها سوف يختنق و"يبجّ" من الداخل… لذلك ارتأى بأنّ أهون الشرّين قد يكون الاستقالة.
ويبدو أنّ هامش المناورة بات ضيّقا بعدما ضجّت الساحة اللبنانية بالموفدين والمراقبين وشبكات المخبرين لرصد أيّ تحرّك، أو اجتماع أو قرار، ومعرفة حقيقة ما يجري في المرفأ والمطار، وعلى المعابر الحدوديّة، ويأتي التركيز على عناصر المخابرات ونشاطاتها، والهالة الإعلاميّة التي يُحاط بها هذا الموضوع ليصبّ الزيت على النار، ويسلّط الضوء على حقيقة ساطعة أَلا وهي أنّ لبنان تحت أنظار الدول الشقيقة والصديقة التي تعرف أخباره وأسراره وكلّ ما يجري على ساحته عن ظهر قلب، وليس بحاجة الى بيان يصدر عن هذا الوزير، أو توضيح عن تلك المرجعيّة.
وهناك مسعى جدّي لتحويل الشمال الى منطقة مشمولة بترتيبات الإجراءات الاقتصاديّة المتَّخذة، أو التي ستُتخذ ضدّ سوريا، خصوصا أنّ هناك بيئة سياسيّة واجتماعيّة مؤاتية، سواء بالنفوذ السياسيّ الذي يتمتّع به تيّار المستقبل، أَم بالخزّان البشريّ، في كلّ من عكّار وطرابلس، حيث تساعد هذه البيئة على توفير ظروف النجاح لهذه الإجراءات.
إنّ هذا المسار السياسي ــ الاقتصادي العربي ــ الدولي لا يفسح المجال واسعاً أمام الرئيس ميقاتي ليفكّر بهدوء وتَرَوٍّ لاستخلاص العبر، وبالتالي فإنّ الاستقالة لم تعد خيارا بقدر ما هي قرار مع وقف التنفيذ حتى إشعار آخر لعلّه بات قريبا، لأنّ العوامل المؤثّرة لم تعد خارجيّة بقدر ما هي محلّية أيضا، ونتيجة قرف واضح من الأوضاع السائدة.
لماذا الرئيس ميقاتي في دائرة القرف، وما هي الأسباب والدوافع المحلّية الموجبة؟:
أوّلا: إنّه يعاني من ازدواجيّة رافقته منذ اليوم الأوّل لتشكيله الحكومة. إنّه يريد أن يتصرّف كرئيس لمجلس
الوزراء بسلطويّة نافذة يبرّرها الدستور، فيما تريد القوى الشريكة في حكومته من حزب الله الى سائر حلفائه أن تكون هي النافذة وصاحبة الرأي والموقف في كلّ الشؤون والملفّات التي تُعرض على جلسات مجلس الوزراء، ولذلك فهو يرفض أن يبقى في الموقع الذي يعيّب عليه خصومه في المعارضة، وخصوصا في تيّار المستقبل، بأنّه العنصر الأضعف بين مكوّنات حكومته، أو أنّه حوّل رئاسة مجلس الوزراء الى وجاهة، ومنصب فخريّ.
الثاني: إن عددا لا بأس به من الوزراء قد تجاوز في الكثير من المرّات، مقام الرئاسة الثالثة وهيبتها، وتصرّف ويتصرّف خِلافا لكلّ التقاليد والأعراف، هذا ما حصل عند مناقشة مشروع الخطّة الخمسيّة لتطوير الإنتاج الكهربائيّ، وهذا ما حصل أخيرا عندما خرج وزير من جلسة مجلس الوزراء ليعلن أمام الإعلاميّين عن قرار استدعاء السفيرة الأميركيّة مورا كونيللي لاستيضاحها ما نشر إعلاميّا عن نشاط لوكالة الاستخبارات الأميركية في لبنان (سي آي إيه)، وما تلا ذلك من نقاش حادّ داخل قاعة مجلس الوزراء انتهى بتوضيح لوزير الخارجيّة والمغتربين عدنان منصور يؤكّد فيه أن ليس هناك من استدعاء ولا من مساءلة.
الثالث: أنّ هذه الحكومة، وعند تشكيلها، كانت تراهن على دعم سوريّ، وتتّكل على الرافعة التي كان يشكّلها الرئيس بشّار الأسد ونظامه. الآن اختلف الوضع بعدما تعاظم شأن الانتفاضة السوريّة، وبات الرئيس الأسد بحاجة الى من يمدّه بالدعم ليصمد هو ونظامه.
ويبقى السؤال: ماذا بعد الاستقالة، إذا ما أعلنت رسميّا؟
السؤال استنسابيّ، والجواب أيضا، لأنّ من يمسك بالوضع ليس من ماركة "صنع في لبنان"، بل من خارجه. يقول الرئيس ميقاتي إنّ الاستقالة – إذا كان ما منها بدّ – فهي لمصلحة لبنان، لأنّها تجنّبه العقوبات الخارجيّة، في حين أنّ الرئيس نبيه برّي ووليد جنبلاط يخشيان الفراغ، ويدعوان الى التبصّر والتعقّل والحوار، لكنّ قيادات في قوى 14 آذار، تستبعد الفراغ، وتؤكّد جهوزيتها في تشكيل حكومة جديدة… إنّها شريحة من الآراء المتعدّدة، ووجهات النظر المتداولة حول هذا الموضوع، لكنّ قرار الحسم قد لا يكون في متناول اللبنانيّين، بل في أيدي الممسكين بالمحكمة الدوليّة وقراراتها… وخياراتها…