#dfp #adsense

مجد الفتوحات وحتميّة هزيمة الفاتحين

حجم الخط

تكاد كتب التاريخ تخلو من أيّ شيء آخر سوى التأريخ للمعارك والحروب والغزوات. بحسب علماء الأنثروبولوجيا انّ الإنسان العاقل Homo Sapiens، أي نحن، حين ظهر على وجه الأرض، تميّز بحجم دماغ يفوق بأشواط أبناء عمّه القردة الكبار كالشمبانزي.

حجم الدماغ البشري سمح له في التفكير والتخطيط وصنع الادوات والنطق. يستهلك هذا الدماغ المستجدّ الكثير من الطاقة ولا يمكن تغذيته من دون السيطرة على مساحات واسعة من الاراضي بغية تأمين الغذاء للفرد وللجماعة. هنا المفارقة الكبرى، حيث ان الدماغ المتطوّر القادر على النطق والتواصل، هو نفسه في اساس الحملات التوسعية ور للسيطرة على مصادر الطاقة من لحوم وألياف على حساب الآخر الذي تطورت القدرة على التواصل معه وازدادت الحاجة لإلغائه.

لنعد الى تاريخنا البشري من خلال بعض النماذج، لنحاول فهم الترابط، فنرى إن كان تطوّر الإنسان العلمي والمعرفي هو أيضاً في أساس استمرار الحروب التي تزداد عنفًا في كل مرّة.

الامبراطورية الفارسيّة

وضع الملك قورش يده على بلاد الفرس وسرعان ما انقضّ على مملكة بابل وبلاد ما بين النهرين فأخضعهما. خلفه ابنه قمبيز، الذي احتل مصر وجعل من نفسه فرعونًا، كما احتل فينيقيا وقبرص. مات قمبيز بعد سنة، عام 522 ق م.، وهو في طريقه الى فارس بعدما استولى شقيقه على السلطة في غيابه. سنة بعد ذلك، وإثر صراع مرير على السلطة، أصبح داريوس، صهر قورش، ملكًا. اجتاح داريوس في عهده تركيا وأجزاءً من اليونان.

الإسكندر المقدوني

في الواحد والعشرين من شهر تموز عام ٣٥٦ ق.م، وُلد في مقدونيا الأمير الإسكندر، ابن الملك فيليبوس الثاني. تتلمذ على يد الفيلسوف أرسطو وورث العرش بعد اغتيال أبيه عام ٣٣٦ ق. م. وكان عمره حينها عشرين سنةً.

وضع الملك الشاب نصب عينيه هدف القضاء على الإمبراطورية الفارسية. وحّد لذلك الجزر ومراكز القوى الهلّينية كافة، وانطلق على رأس جيش لا يُقهر، فانهارت دفاعات الفرس الواحدة تلو الاخرى حتى سقطت الامبراطورية الفارسيّة كلّياً في قبضته. توجّه بعدها الى مصر التي سرعان ما استسلمت فعُيّن فرعونًا عليها، تماماً كما حصل مع قمبيز ابن قورش. في طريقه الى احتلال مصر، احتل المقدوني فينيقيا والشرق الادنى واستمرّ في الزحف شرقاً باتجاه باكستان والهند، حيث حقق انتصارات باهرة. ولكنّ عسكره انتفض بعد عشر سنين من المعارك والفتوحات فعاد الاسكندر أدراجه بما تبقّى من جيشه ومات عن عمر ٣٢ سنةً، ليتقاسم قادته من بعده إمبراطوريته الشاسعة قبل أن تضمحِلّ.

الامبراطورية الرومانية Imperium Romanum

يبدأ تأريخ الامبراطورية الرومانية في العام ٢٧ قبل الميلاد، حين قمع اغسطس قيصر الحرب الأهليّة التي نشبت بعد مقتل يوليوس قيصر محوّلاً روما بذلك من جمهوريّة الى امبراطورية. لكن ذلك لا يعني ان فترة الحكم الجمهوري Res Publica Romana أو ما عرف بشعار S.P.Q.R والذي يعني” حِكم مجلس الشيوخ والشعب” لم يكن عهد فتوحات.

اجتاح يوليوس قيصر أوروبا الغربية ومصر وشمال افريقيا، وأكمل الاباطرة من بعده توسيع نطاق سلطتهم ليبلغ عدد سكان الامبراطورية ٨٨ مليون نسمة، اي ربع عدد سكان الأرض وعلى مساحة ١٠٪؜ منها.

في المحصّلة كانت مدن باريس ولندن وليون وبرشلونة وغيرها الكثير في يد الرومان.

عام ٣٩٥م انقسمت الامبراطورية الى جزأين، الامبراطورية الغربية، وعاصمتها روما، والامبراطورية الشرقية، وعاصمتها بيزنطية أو القسطنطينية. انهارت الامبراطورية الغربية تحت غزوات البرابرة عام ٤٧٦. اما الامبراطورية الشرقية، فاستمرت حتى العام ١٤٥٣ يوم دخلتها جيوش السُلطان الشّاب ذي الواحد والعشرين سنةً، محمد الثاني بن مراد العثماني المعروف بمحمد الفاتح.

أكثر ما كان لافتاً في فترة حكم الامبراطورية الرومانيّة هو علاقتها باليونان. وقعت اليونان عام ١٤٣ ق م تحت سيطرة روما. سرعان ما ظهرت جدليّة فريدة بين الطرفين، بين المنتصر والمهزوم، حيث تغلغلت الثقافة الهلّينية في اعماق الهويّة الرومانية. أخذ الرومان عن الاغريق ميثولوجياهم، مكتفين بتغيير اسماء الآلهة، والميثولوجيا تمهّد للمعتقدات والأديان وهكذا كان.

من ثم اخذوا عنهم أدبهم وشعرهم ومسرحهم… والذي كان غير متوقّع حصل، فباتت اللغتان، اللاتينية والاغريقية، معتمدتين في الامبراطورية الرومانية. تم تعريف ذلك بعبارة Utraque Lingua والتي تعني “في أيّ من اللغتين”. جزم الكثير من المؤرخين بأن اعتماد اللغتين ساهم في تماسك الامبراطورية الرومانية. تكاملت اللغتان والثقافتان فقطعتا الطريق على تأثير لغات وثقافات أخرى على الهويّة الرومانية. حمى المهزوم عسكرياً، بثقافته، تماسُك وهويّة من احتلّه.

هذه بضع نماذج والأمثلة كثيرة، بعدد الغزوات والغزاة عبر التاريخ، كفتوحات المغول والعثمانيين، مرورًا بنابوليون وأوروبا الامبريالية التوسعية في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين أو هتلر أو دول عظمى في زمننا الحالي كالولايات المتحدة وروسيا الاتحادية.

أمام هذا المشهد يبقى سؤال من عمر الإنسان الأوّل وتأكيد من عمر الغازي الأوّل.

أمّا السؤال فهو: أهناك حتميّة كلّما تطوّر الانسان أن يحتاج لإلغاء الآخر والسيطرة على موارده في حين ازدادت القدرة على التواصل معه؟

أمّا التأكيد فهو أن كل غازٍ عبر التاريخ انتهى بالعودة الى وطنه الأم حاملاً معه الغنائم الزائلة وجزءًا مستدامًا من ثقافة الشعوب التي غزاها. من كان مهزوماً يوماً يبقى في وطنه ويرفض المحافظة على ثقافة من غزاه ورحل. يبقى من الاحتلالات ما تركه المحتلّون خلفهم حين رحلوا. يكون تعريف الفاتح من خلال ما تركه وليس من خلال الكنز الزائل الذي غنمه.

لعلَّ أبلَغ ما قيل في هذه العلاقة العضويّة الجدليّة بين من يعتقد بأنّه المُحتلّ المنتصر وبين من هو على يقين بأنّه صاحب الأرض، مهما طالت المعاناة وعظمت التحدّيات، هو ما قاله الشاعر الروماني هوراس: “Graecia capta ferum victorem cepit et artis intulit agresti Latio”

ما قصده بأن اليونان المهزومة عسكرياً ألحقت هزيمة ثقافية كبرى بروما.​

لقراءة المقال اضغط هنا

المصدر:
النهار

خبر عاجل