.jpg)

كتب ميشال يونس في “المسيرة” – العدد 1743
روّادُه القزحيّاويون الأوائل رَسَّموا واديه المَهيب منذ سكنوه بثاني إياتِ المزمور الثامنة عشرة: “الربُّ صخرتي وحصني ومنقذي. إلهي صخرتي به أحتم”. إنَّه وادي لمشاهد تترهَّبُ فيها عيونٌ تتنقَّلُ من دهشةٍ بصريَّةٍ إلى دهشة، ومن خشعةٍ إلى خشعة، ومن تأمُّلٍ إلى تأمُّل. إنَّه وادي فردوسيَّاتٍ توحي للنظراتِ الموهوبةِ بأنَّ شير دير قزحيا ما هو إلَّا ناسكٌ صخريُّ الملابس، ضِلعُه مأخوذٌ مِن أضلعِ صدر الربِّ نفسِه في استبدالٍ لحكاية حواء أم الأحياء المسحوبةِ من ضلع آدم بحكايا الوادي ذي الينابيع المُنسابةِ في أسمى معاني كنز الحياة!
بناؤه المُتواري في أقاصي أرض الزهّاد هو فصلٌ من فصول إنجيل هروب يوسف بيسوع وأمِّه إلى مصر تواريًا عن هيرودس السفَّاح. جماعاتٌ وأفرادٌ هربوا الى ذلكَ الوادي المُتلحفِ بطهرِ أمومةِ البهيَّةِ “المُلتحفةِ بالشَّمسِ والقمر وحواليها الكواكبُ تدور أثني عشر”.
جماعاتٌ وأفرادٌ همَّامون بنوا أجسادهم البشرية هياكلَ للروح القدس ومساكنَ للملائكة، وشيَّدوها نغمًا ونشيدًا لمزمور عُشقِهم الإلهيّ: “واحدةً سألتُ الربَّ وأيّاها ألتمسُ أن أسكنَ في بيتكَ طوال أيامِ حياتي”!!
قزحيا سِفرُ التكوين
دِقَّةُ تحديد تاريخ بناء هذا الدير المُجايلِ لقرون المسيحيَّةِ الأولى عصت على أكثر المُتضلِّعين بعلوم التأريخ الدقيق، فلم يتوصَّل أيُّ مؤرِّخٍ إلى فكِّ سِرِ يومِ وضعِ الحجر الأول في بناء هذا الملكوت القزحيّاوي على الرغمِ من عديد أبحاثهم المضنية، لكنهم اجتهدوا بمواكبة روح المشورةِ الصّالحة الذي دلَّهم على ستَّةِ إثباتاتٍ تُقرِّبُ الذاكرة مِن زمنِ بدء الحياة الرهبانية داخل حصون وكنوز وادي كنز الحياة:
1 ـ الوثيقة الأولى هي ما ذكره البحَّاثة الأب لامنس عن أنَّ أوَّل ناسكٍ ورد ذكرُه في لبنان هو النّاسك أرسموس المولود في أنطاكيا زمن الإمبراطور المُضّطهدِ ديوقلسيانوس 245 ـ 313، والذي في شبابِه سيمَ أسقفًا على مدينةٍ في تلك الضواحي، ولمّا اشتدَّت فظاعات إجرام القيصر السفّاح هجر الأسقف أرسموس موطنه آتيًا إلى طرابلس ومنها صعودًا إلى وادٍ في ضاحية قاديشا الشمالية حيث سكن مغارتها الرهبانية النسكية العجائبية مدة سبع سنوات قبل أن يُلهمُه روح الإستشهاد بالعودة إلى أنطاكيا يُشجِّع مسيحييها على مسيرة آلام الرب المصلوب، وبعدها ظفرَ بإكليل الشهادة في إيطاليا. أمَّا القرائن الحسيَّة التاريخية ثم الجغرافية، فقد أكدت أن الوادي والمغارة اللتين اعتزل فيهما الناسك أرسموس هما تحديدًا وادي ومغارة قزحيا!
2 ـ الوثيقة الثانية هيَّ ما ذكره الراهب اللبناني الماروني الأب أغناطيوس طنوس الخوري المتمكِّن من التاريخ الرهباني، كاشفًا عن ورقةٍ منسوخةٍ عن ورقةٍ أخرى تعود إلى العام 975 يونانية الموافق 613 مسيحية تُفيدُ بأنَّ الأنبا مرقس الأتيني قد تراءى له القديس أنطونيوس ثلاث مرات في الحلمِ يطلب منه أن يبني داخل مغارة قزحيا العجائبية ثلاثة مذابح: الأوّل على إسم العذراء والدة الإله، الثاني على إسم ميخائيل رئيس الملائكة، والثالث على إسم أبي الرهبان أنطونيوس!
3 ـ الوثيقة الثالثة هي ما أكّده الأب لويس بليبل عن لسان الأب جبرايل السبعلي المتكرِّس لجمع المخطوطات الديرية القديمة أنَّه كان في دير قزحيا طنجرةٌ نحاسيَّةٌ “خلقين” محفور على غطائها: «وقفٌ على دير مار أنطونيوس قزحيا من الخوري جرجس خادم ضيعة قرحين وتاريخُ الألف مسيحية، وقد بقيت هذه الطنجرةُ التحفةُ الوثيقةُ في الدير حتى أيام رئاسة الأب روفائيل البزعوني 1772 الذي أمر ببيع جميع نحاسيات الدير القديمة في جهالةٍ مُفجعة!
4 ـ الوثيقة الرابعة تستندُ إلى تدوينٍ للبطريرك بطرس اللحفدي منسوخٌ على صفحةٍ من إنجيل رابولا تذكر: “لمَّا كان تاريخ سنة 1465 يونانية الموافق سنة 1154 مسيحية، حضر إلى عندي أنا بطرس بطريرك الموارنة الجالس على الكرسي الأنطاكي القاطن بدير سيدة ميفوق في وادي إيليج الولدُ الراهب آشعيا من دير قزحيا وعملته رئيسًا على الرهبان القاطنين دير مار يوحنا الكوزبند في جزيرة قبرص”!
5 ـ الوثيقة الخامسة مأخوذة من ضمن أرشيف سجل عقارات الدير وهي حجّةُ بيع قطعة أرض لرهبان دير قزحيا يعود تاريخها إلى عام 1179 مسيحية!
6 ـ الوثيقة السادسة هي ما جاء في براءةِ البابا أينوشنسيوس الثالث إلى البطريرك إرميا العمشيتي عام 1215 يذكرُ فيها أنَّ دير قزحيا هو أول كرسيٍّ أسقفيٍّ مارونيّ!
الدَّير الرَّهبنة
دير مار أنطونيوس قزحيا هو صرحُ “فاتيكان” الرهبانية اللبنانية المارونية وكرسيها البطريركي البطرسيِّ والأبُ العام الديري لأديارها، وهو ميزانُها الرهبانيُّ الروحي الدقيق بمعايير الأوزانِ والجزيلِ الوزنات، كما أنَّ دير قزحيا هو قيدومُ الرهبانية وقائدهُا في خوض معارك الشهادة للرب وللوطن اللبناني أكان الغاصبون من أبالسةِ الجحيم أم من أراكين سلاطين هذا العالم!
أولد دير قزحيا عدة أديارٍ رهبانية، كما أمَدَّ أديارًا أُخرى بالأملاك والأرزاق، وبعدها كان الدعامةَ المادية الماليّةَ الأساسية لجامعة الرهبانية جامعة الروح القدس الكسليك عند بدايات إنطلاقتها في الخمسينات والستينات والسبعينات، فدعَّمت هذه الجامعة بعرق جباه فلاَّحي رهبان قزحيا.
دير مار أنطونيوس قزحيا الذي تسلَّمته الرهبانية اللبنانية المارونية عام 1708 من المطران يوحنا حبقوق على يد الأب العام عبدالله قراعلي، قد حملَ وتحمَّل أثقالاً تُشابِه وتقتدي بأثقال صليب يسوع راهب دير الجمعة العظيمة، أثقالٌ حمَّلته إياها ديونٌ باهظةٌ فتاكةٌ لا ترحم راكمتها عليه ضرائب وخوّات الحماديين الذين احتلوا بلاد الجبة طيلة أعوام من الظلمِ والتسلُّطِ. وأزهقت روح ألمع مؤسسي الرهبانية برارةً ونذورًا الأب يوسف البتن الذي استشهد مطمورًا تحت الأنقاض، وأثقالٌ حبرويةٌ أسقفيَّةٌ رهبانيَّةٌ فاتيكانيَّةُ حمَّلتهم إياها أيادي بطاركة وأساقفةٍ ورؤساء عامين ومدبرين وقاصدٍ رسوليِّ.
قزحيا الرهبان المقاومين
إلتزامًا بتوصية الرب المعلم يسوع: “إعرفوا الحقَّ والحقُّ يُحرِّركم” لا بُدَّ للحقائق الأعمقَ جراحًا والأشدَّ ألمًا مِن أن تسلكَ إلى النور الجليِّ بعِبَرِه قبلَ عباراتِه، فتوقظُ من عتمات التعمية والتعتيم سيرة رهبانٍ قزحيّاويين كانوا دروعًا من دروع أراضيهم الديريةِ كما أرض الوقفِ اللبنانيّ.
رهبان قزحيا قاوموا رئاساتٍ كنسيَّةٍ ورهبانيَّةٍ جنحت عن وجه الله في أيام التخلّي وانحازت لوجه قيصر طوال تسلسل سنوات 1874 ـ 1877 في كامل تفاصيل مآسيها ومراثيها!!
أفرام المقاومة اللبنانية
16 آذار 1862 إلتأمَ المجمع الرهباني الإنتخابي للرهبانية اللبنانية المارونية الذي خُتمَ بانتخاب الأب أفرام أبي رعد جعجع البشراوي أبًا ورئيسًا عامًا على الرهبانية بمعظم أصوات وإرادة رهبانها النّاخبين، ونظرًا لتقاوةِ وحكمةِ وندرةِ وجرأةِ شخصيَّتِه الأبويةِ قبل الرئاسية، حمَّلته الرهبانية أمانة كبير ثقتها به فجددت إنتخابه رئيسًا عامًا طيلة ثلاثة مجامع رهبانيَّةٍ إنتخابيَّةٍ حتى حلول العام 1874 المعروف رهبانيًا بعام وصاية لودفيكوس!
الأب العام البشراوي الذي سلكَ مسيرةَ حياتِه الرهبانيّةِ من دير مار أنطونيوس قزحيا طالبًا ثم مبتدئًا ثم راهبًا ناذرًا، إكتسبَ من جباله الأرزية البشراويةِ عناوين ومضامين ومبادئ بلاغة تعاليم المقاومة اللبنانية الموروثةِ كقانون الإيمان منذ 1500 سنة، وبعدها تفوَّق بلغات معظم الدول الأوروبيةِ وثقافتها وآدابها في مدرسة غزير اليسوعية مُختارًا إليها من معلمه قديس كفيفان الملفان نعمة كسّاب الحرديني، لكنّ لاهوت وناسوت الرهبان المقاومين تقدَّما على كلِّ ما عداهما عند أفرام الحرية والكرامة والسيادة اللبنانية، فنقلَ روحَ ونهجَ أفراميّاتِه المُجاهدةِ إلى إخوتِه وأبنائه الرهبان يُعلِّمهم: “أنَّ كلَّ مُحتَلٍ غاصبٍ لأقداس أرض لبنان هو مُحتَلٌ غاصبٌ لأملاك الرب نفسه”!
أعوام الحروب التي فتحها قائد المقاومة اللبنانية يوسف كرم على الإحتلال العثماني، كان الأب العام أفرام جعجع سندَه الرهبانيّ ونصيره الأبوي مما فتح عليه وعلى رهبانه في قلعة دير قزحيا جحيمًا مُستعرًا تعاون فيه متصرف السلطان العثماني مع قايين من أهل البيت الكنسي وقايين آيةِ: “من بيت أبي الرهباني ضُرِبتُ”.
يوم 7 كانون الثاني 1875 وجّه أهالي بشري معروضًا لرئيس مجمع انتشار الإيمان يُطلعونَه فيه على الأجواء الرهبانية المتأزمة في بلاد الجبّة، بعد أن أقدم القاصد الرسولي المونسنيور لودفيكوس على عزل الزائر الرسولي المطران يوسف جعجع البشراوي عن مهماتِه وإجبار الأب العام أفرام جعجع على التنحية عن الرئاسة العامة ثمَّ تعينيه سلطةً رهبانيَّةً رُغمًا عن إرادة غالبية الرهبان مُسايرةً لحكام إسطنبول، ثمَّ ختموا معروضهم بالعبارة التحذيرية التالية: “إذا ما صار إخماد النار تتوقد باضطرام زايد ولا يعود إمكان لإخماد إضطرامها”. ويوم 27 شباط 1875 تقدَّمَ رهبان مقاطعة جبة بشراي بمعروضٍ رفعوه إلى البطريرك يفنِّدون فيه عشرة مآخذ على القاصد لودفيكوس”.
ومن بيت أبيهم الكنسي والرهباني تمَّ توجيه شكوى إلى المتصرف التركي يتهم فيه رهبان دير قزحيا “بحمل السلاح وتشكيل عصابات مسلّحة وتخزين البارود في تلال مشمشيا وقرع الأجراس تحريضًا للأهالي على الثورة”، وهكذا تهمةٍ تُظهِرُ أنَّ رهبان الدير يتعاونون سرًا وجهارًا مع رجال القائد يوسف كرم مع ما تُكلِّفُه هذه المضبطةِ السوداء… وبتحريضٍ من لودفيكوس نفسه تمَّ توجيه رسالةٍ صادمةٍ قايينيَّةٍ من سلطة الأمر الواقع الرهبانيّ إلى المتصرف رستم باشا الزائر لإهدن هذا نصُّها: “الرجا لمعدلة دولتكم الشهيرة بأن يصدر أمركم في إلزام الرهبان المرقومين أعلاه بأن يشلحوا الثوب الرهباني وضبطِ موجوداتهم وتسليمها لوكيل الدير المرقوم وإخراجهم من الدير”…
مُدبِّرٌ واحد رفض وتمرَّد على تصرفات السلطة الرهبانية المفروضة، وهو مدبّر مقاطعة بلاد البترون وجبيل الأب ميخائيل غوش التنوري متعاطفًا مع ثورة إخوتِه رهبان دير قزحيا. ولم يكتفِ لودفيكوس بما ارتكبَ فنصح السلطة الرهبانية المُعيَّنة بأن تستفيد من وجود الحاكم العثماني في إهدن وتطلب منه: «طرد كافة الرهبان البشرّانية من أديرة الجبّة لأنَّ هؤلاء الأكثرَ شراسةً وتمرُّدًا”!!
(يتبع)
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]