قبل أن يقول "نعم" عن استرئاسه للحكومة الانقلابية، بناء على طلبه ونزولاً عند رغبته ورغبة اخيه، كان نجيب ميقاتي يعرف جيداً ان الخلاف على المحكمة الدولية وراء القرار السوري – الايراني بإسقاط حكومة سعد الحريري، وانه اذ يؤتى به فللإنخراط في الحرب على هذه المحكمة، بل لقيادتها، باعتباره ممثلاً متماهياً مع وجهة النظر السورية، المطابقة لموقف "حزب الله" وحملته الشعواء على المحكمة.
لكن، في تلك اللحظة، كان الأهم عند ميقاتي ان يتبوأ المنصب، وأن يثأر – على ما يُقال – من حرمانه اياه بعدما ترأس حكومة الاشراف على انتخابات 2005 وكان وُعد قبلها بابقائه فيه. لم يكن واقعياً ان يعطى هذا الوعد، على افتراض انه صحيح، ولم يكن واقعياً ان يطلب ميقاتي وعداً كهذا ويتمسّك به وقد رأى بأم عينيه ان البلد دخل بعد الانسحاب السوري في معترك سياسي بالغ التعقيد والصعوبة ويتطلب حكومة برئاسة شخص معني جداً باستحقاقات المرحلة، واهمها متابعة قضية الاغتيالات السياسية التي توالت، والاشراف على العملية القانونية لبناء المحكمة الدولية.
لا يُظلم ميقاتي اذا قيل انه لم يكن معنياً بهذا المعترك. لا شك في انه عاش الازمة التي بدأت أواخر 2006 ولم تنته الا باستباحة بيروت في 7 أيار 2008، ولا تزال تداعياتها قائمة. لعله أدرك انها كانت من ارتدادات حرب تموز 2006، لكنها بدأت عملياً باستقالة وزراء "حزب الله" وحركة "امل" محاولين منع الحكومة من اقرار الاتفاق مع الامم المتحدة بشأن المحكمة الدولية. معلوم انه في تلك الفترة كان الاشتباه موجهاً على سوريا ودورها المفترض في الاغتيالات.
لذلك فإن المرحلة لم تكن تناسب وجود ميقاتي في رئاسة الحكومة، اذ تنقصه دوافع فؤاد السنيورة للإصرار على اتفاق محكم مع الامم المتحدة، كما تنقصه القدرة على مواجهة "حزب الله" أو على قبول ما لا تقبله سوريا. ويفترض انه عرف قبل ذلك ان رفيق الحريري دفع حياته ثمناً لموقف، واذا لم يعرف ما هو هذا الموقف فقد كان عليه ان يسأل مئات ألوف اللبنانيين الذين خرجوا للمشاركة في "ثورة الارز"، اذ خرجوا لأنهم عرفوا.
أجواء الترهيب والتهويل وعرّاضات القمصان السود التي استبقت الحكومة الحالية ورافقت ولادتها، اتاحت لميقاتي القول انه جاء "منقذاً" للبنان وللاستقرار وما الى ذلك. امضى الشهور الماضية وهو يطلق تصريحات مبهمة عن المحكمة وتمويلها، واذ بدأ رئاسته محبطاً من الداخل فقد حاول تلميع وضعه في الخارج، لكنه في كل محطة جبه بالمحكمة وقدّم وعوداً وعهوداً، الى ان حانت لحظة الحقيقة فأخرج ورقة الاستقالة لكنه لم يعد منقذاً بل "حامياً" للبنان واستقراره وما الى ذلك. أي إنه مفضل على اللبنانيين في الذهاب والاياب. لا داعي لمناورة كهذه، الا اذا كان من استرأسه استنفد اغراضه ويريد الآن ان يستقيله تحديداً لتمييع تمويل المحكمة وتضييعه، وبالتالي ادخال البلد في أزمة تراوح بين حكومة معطلة و7 أيار آخر، لعله بذلك يستدرج الاطراف المعنية لمراجعة دمشق.