.jpg)
ثمة شبه توافق، يقارب الإجماع، لدى مختلف القوى السياسية، وكلّ من زاويتها، على أن مهمة الموفد الرئاسي الفرنسي جان إيف لو دريان في بيروت، تمرّ في مرحلة حرجة قد تطيح بها، وتؤدي إلى فشل الرهانات على نجاح محاولة إيجاد كوّة في جدار الانتخابات الرئاسية المعطّلة منذ ما يقارب السنة على بدء المهلة الدستورية لانتخاب رئيس جديد للجمهورية، في المدى المنظور.
لكن هل فعلاً بلغت مهمة جان إيف لو دريان مرحلة الخطر الواقعي، كما يرى كثيرون، علماً أن البعض يذهب حتى إلى اعتبارها “ميتة سريرياً”، ويجب الانتقال إلى مقاربة مختلفة تماماً للاستحقاق الرئاسي إذا ما كان يراد له أن يصل إلى “خاتمة سعيدة” في أقرب وقت ممكن؟
في أي حال، من الثابت أن فرنسا صديقة لبنان التاريخية، وهي لن تتخلّى عنه في أي ظرف وتواصل جهودها لمساعدته على الخروج من أزمته، كما يؤكد المسؤولون الفرنسيون تكراراً وفي مقدمتهم الرئيس إيمانويل ماكرون. وبغض النظر عن مآل المساعي القائمة حالياً والتي يتولاها لو دريان، وما إذا أُدخل عليها تعديلات معينة بهذا الاتجاه أو ذاك للوصول إلى الهدف، تبقى مساعي باريس مقدّرة من معظم اللبنانيين لوقوفها دائماً إلى جانبهم، أمس واليوم وفي المستقبل.
الكاتب والمحلل السياسي الياس الزغبي، يرى، أنه “لا شك، بأن مهمة لو دريان بلغت في هذه المرحلة عنق الزجاجة، ليس فقط بسبب سوء المبادرة الأخيرة التي قام بها، بما تعني من انتقاص للسيادة، وللنواب تحديداً، وهم في العرف الدستوري أسياد أنفسهم في الأصل، وطالما أن مجلس النواب كما هو معروف سيّد نفسه”.
الزغبي يعتبر، في حديث إلى موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أن “مهمة لو دريان تتعطل بفعلٍ بنيوي خاص ناتج عن تسرّع الموفد الفرنسي في التعامل مع الكتل النيابية، ومع أساس التوجه الذي أطلقته اللجنة الخماسية المؤلفة من السعودية ومصر وقطر والولايات المتحدة وفرنسا المتابعة للوضع اللبناني”.
يضيف: “من يقرأ بيان اللجنة الخماسية إثر انعقادها في الدوحة قبل أسابيع، لا يرى أي رابط بينه وبين الطرح المفاجئ الذي قام به لو دريان، خصوصاً لجهة إرسال أسئلة خطية مكتوبة، ويريد أجوبة مكتوبة من الكتل النيابية ضمن مهلة زمنية لا تتعدّى نهاية شهر آب الحالي”، لافتاً إلى أن “هذا الأمر جعل مهمته خاضعة للشك ولاحتمالات كبيرة من الفشل”، ومعتبراً أن “هذا الأثر السلبي على مهمته، ربما ظهر بدايةً من خلال تأجيل زيارته الثالثة المفترضة إلى بيروت لمدة أسبوعين على الأقل كما أُعلن”.
برأي الزغبي، “لعلّ الخلفية البعيدة لهذا التعثُّر في مهمة لو دريان يعود إليه هو شخصياً، طالما أنه يحضِّر نفسه لمهمة دبلوماسية وسياسية وإدارية في السعودية، كرئيس لوكالة التنمية الفرنسية في العلا (أفالولا)، المسؤولة عن التعاون مع السلطات السعودية لتطوير السياحة والثقافة في منطقة العُلا. أي كأنه لجأ إلى تصعيب مهمته بهدف ألا تصل إلى مبتغاها”.
لكنه يستدرك، مشيراً إلى أن “هذا الكلام ربما يضعه البعض في خانة الحكم على نوايا لو دريان، لكن في الواقع المهمة على شفير الهاوية السياسية، لأن الرفض الواسع الذي واجهته من قبل أطياف المعارضة وبشكل حاسم، جعلت مبدأ هذه المبادرة غير سويّ وغير قابل للتطبيق. فأي حوار يمكن أن يتمّ بين الفريق الواحد نفسه الباقي؟”، مضيفاً أن “كل ذلك ناتج عن أداء دبلوماسي فرنسي أدّى إلى فشل متكرر منذ ثلاث سنوات على الأقل، أي منذ غداة انفجار مرفأ بيروت في 4 آب، إذ لم ينجح في تحقيق نقلة نوعية في الوضع السياسي اللبناني وتحديداً انتخابات الرئاسة الأولى”.
“لذلك، إن الفشل يحفّ فعلياً وعملياً بمهمة لو دريان، إلى درجة يمكن استشراف لجوئه ربما إلى تغيير مواعيده، أو نسف مبدأ زيارته الثالثة من أساسه”، بحسب الزغبي، الذي يرى أنه “في حال قرَّر المجيء، فإن مهمته محكومة فعلاً بالوصول إلى جدار صلب وطريق مسدود، بحيث يعلن بطريقة أو بأخرى أنه سيوقف مهمته بحجة عدم جهوزية الداخل اللبناني للأخذ بالأفكار التي يطرحها”.
الزغبي ينوِّه، إلى أن “كل ذلك خاضع للسياسة التي باتت محسومة من قبل المجتمع الدولي، عبر اللجنة الخماسية، بحيث بدت مبادرة لو دريان في لحظة ما وكأنها تغرِّد خارج السرب الخماسي، أو تشكل نوعاً من نقيض لبيان اللجنة الخماسية الأخير في الدوحة، الذي رسم مواصفات رئيس الجمهورية ومهماته. بالتالي، كيف يذهب لو دريان إلى الطلب من الكتل النيابية أجوبة حول مهمات الرئيس العتيد للجمهورية ومواصفاته، وهي مرسومة سلفاً وموضوعة في البيان الخماسي الذي وقَّع عليه هو شخصياً في اجتماع الدوحة”.
لذلك، يرى الزغبي، أن “مهمة جان إيف لو دريان محكومة حُكماً بالفشل وفق معظم المراقبين، وليس في الأفق ما يشي أو يوحي بأن هناك مخرجاً آخر سوى العودة إلى الداخل اللبناني، بمعنى أن يتم تطبيق الدستور كما ينصّ، أي عقد جلسة انتخاب رئاسية مفتوحة وبدورات متتالية إلى أن يخرج الدخان الأبيض من مدخنة ساحة النجمة”.
