بعد "النهضة" التونسيّ، و"العدالة والتنمية" المغربيّ، فإنّ حزب "الإخوان المسلمين" مرشّح ليكون الكتلة الأولى فى مجلس الشعب المصريّ الذي تجري الانتخابات، منذ الاثنين الفائت، وللأشهر الأربعة المقبلة، لاختيار أعضائه.
يُفترض ألّا يكون في الأمر مفاجأة. ففي الدول الثلاث مجتمعات تشكّل الديانة الإسلاميّة وعاءها الثقافيّ، من دون طقوسه أحيانا، وبكلّ طقوسه في أغلب الأحيان. مع ذلك، لم ينَل "النهضة" في تونس، و"العدالة والتنمية" في المغرب، ما يتعدّى ثلث مقاعد المجلس التشريعيّ في كلّ من البلدين، وهي النسبة نفسها التي تتوقّعها الاستطلاعات لـ"الإخوان" في مصر.
تخطو الدول الثلاث إلى الديموقراطيّة من بابها الحقيقيّ، وهو الاقتراع الشعبيّ المباشر. وإذا كانت تونس ومصر وصلتا إليه بقوّة رياح "الربيع العربي" فإنّ نسائمه فرضت التغيير في المغرب وتحوّله إلى ملكيّة دستوريّة، ربّما ستكون تجربتها نموذجا تحتذيه ملكات عربيّة أخرى، قبل أن تسبقها الوقائع.
إنّه القطع الفعليّ مع الماضي. فالثورات الشعبية هي إعلان إرادة التغيير، وتبقى مبتورة حتى يبدأ السير نحو المستقبل، الذي لا يُبنى من دون انتخابات تحمل، إلى سدّة القرار، من يقدر على ترجمة هذه الإرادة. وإذا كان ملك المغرب اضطرّ، للمرّة الأولى في تاريخ المملكة الشريفية، أن يسمّي رئيس الوزراء، ليس سندا إلى قرار شخصيّ منه، بل نزولا عند الإرادة الشعبيّة، فإنّ زعيم الحزب الإسلاميّ عبد الإله بن كيران، الذي كان يدعو، في ما سبق، إلى منع الاحتفالات بـ"يوم الموسيقى"، وإلى منع استقبال المغنّية اللبنانية – الكولومبية شاكيرا، مضطرّ إلى الاعتدال، اضطراره إلى التحالف مع الكتلة التي تضمّ "حزب الاستقلال" والقوى اليساريّة لتشكيل حكومته.
قبله اضطرّ زعيم " النهضة" التونسي راشد الغنوشي إلى إعلان عدم اللجوء إلى تغيير القوانين العلمانية المطبّقة في البلاد منذ زمن الحبيب بورقيبة، أي عدم اللجوء إلى فرض تطبيق الشريعة الإسلاميّة، آخذا في الاعتبار تجذّر فصل الدين عن حياة الدولة الذي فرض فور الاستقلال عن فرنسا، وكذلك اضطرار مرشّحه لتشكيل الحكومة إلى عقد تحالف مع قوى أخرى لا ترى رؤيته الإسلاميّة ولو كانت مسلمة في بنية ثقافتها واجتماعها.
تفيد التجربتان التونسيّة والمغربيّة أنّ الحكم يغيّر، وأنّ الوقائع تلزم بذلك، وتسمح بملاحظة أنّ حزب الإخوان المسلمين في مصر، الذي كان يرفع خلال الانتخابات، إبّان حكم الرئيس المخلوع حسني مبارك، شعار "الإسلام هو الحلّ"، أسقط هذا الشعار في الانتخابات الراهنة، أي قبل أن توصله إلى الحكم.
كلّ ذلك لا يعني أنّ الأحزاب الإسلاميّة في هذه الدول، أو في غيرها ممّا شمله "الربيع العربي"، أسقطت، أو ستسقط، مبادئها والشعارات التي رفعتها ما قبل الانتفاضات. فهذه الأحزاب تجني اليوم حصاد زمن مديد من العمل السياسيّ الدينيّ، بعضه استند إلى خدمات اجتماعيّة وإنسانية مباشرة مع الناس، وأكثره إلى دروس المساجد. لكنّها، وببراغماتيّة واضحة، انحنت لرياح التغيير، وانفتحت على أبعد من عناوينها المتوارثة، لتنبّهها أنّها لا تملك القدرة الديموقراطية على فرض توجّهاتها.
هي الديموقراطية التي لا تُصان إلّا بالاستفادة منها، عبر صراع سلميّ دائم تتواجه فيه الأفكار والقيم، فمَن ينتصر هو من يقدر على تأطير الرأي العام حول أفكاره، ومن يفشل هو العاجز عن إيصالها إلى الناخب وتوأمتها مع مصالحه المباشرة والبعيدة.
لا شكّ أنّ الاتّجاهات الإسلاميّة في عهود الديكتاتوريّات، التي سقطت أو ستسقط، استفادت من حصانة المساجد لتتّخذ منها مراكز تأهيل سياسيّ إلى جانب الدور الدينيّ، ما منحها بنية تنظيميّة أفضل من بُنى غيرها. كان ذلك حال الكاهن ديزموند توتو في نضاله ضدّ نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، إذ وظّف الكنيسة، مقرّا وهيكلا، لنشر أفكاره في الدين والدنيا، ولم يدن لذلك، لا في الشرق ولا في الغرب.
"الخطر الإسلامي" وهم اخترعه طرفان: غرب لم يخرج من "فوبيا" القاعدة، وديكتاتوريّات أسقط في يدها، ولم تعد سطوتها تخيف أحدا، ولم تعد للقوى الدوليّة الكبرى أيّ مصلحة في رعايتها، وغضّ النظر عن جرائمها. ليس لأنّ لهذه القوى مصالح في الثورات العربية، وإن وجدتها لاحقا، بل لأنّ هذه أقوى من أن تلجم. فالثورات ليست انقلاب حفنة من العسكر، بل إرادة تغيير إلى الأفضل. والديموقراطية ليست حدث لحظة بل ممارسة دائمة للحقّ في التعبير والقرار، وصراع افكار يرتهن النجاح فيه بمدى التمكّن من ترويجها.
سقط زمن الانقلابات والزعيم الأوحد. جاء زمن التعدّد والانتصار بالحوار والإقناع. والربيع لا يكتمل إلّا بالتمرين على الديموقراطيّة، وهو لبّ امتحان الزمن العربي الجديد.