#dfp #adsense

كانوا معنا وذهبوا إلى سلامِ الرّبِّ

حجم الخط

كتب الأب مارون عودة في “المسيرة” – العدد 1744

كانوا معنا وذهبوا إلى سلامِ الرّبِّ، كنّا أولادَ القرية الواحدة نحلم سويّةً بوطنٍ كبيرٍ بحجم طموحاتنا، ترافقنا إلى المدرسة وتعلَّمنا في كتب التربية الوطنيّة عن مبادئ الحريّة والمواطنة، والعيش بكرامةٍ إنسانيّةٍ من دون منّة من أحدٍ. فاكتشفنا أن إرثَ أجدادِنا عميقُ الجذور في وجداننا، ثقيلُ الوزن على أكتافنا، بَيدَ أنّ قيمتَه تضاهي أغلى كنوز الدنيا. تخرَّجنا جميعًا من الصفّ الواحد عشّاق حريّة، انطلقنا راشدين لأنفسنا لا نقبلُ الوصايةَ من أحدٍ، ولم نتعلّم المساومةَ على إرثِ الأجداد، بل الحفاظ عليه مهما اشتد التهويل وكان الوعيد. اعتقد الجميع أنّنا مراهقين مستهزئين بصغر سنّنا، لأنّهم تناسوا أنّنا أحفاد التاريخ اللبنانيّ العاصي على شتّى أنواع الاحتلالات والاستعباد. لذا رسمنا إشارة الصليب على جباهنا، وضعنا الأرزة على صدورنا، حملنا إرثنا وصعِدنا به إلى أعلى قمم البطولة والعنفوان. سرنا بسلام الرب. لم يقبل أيُّ فردٍ التخاذُل أو التراجُع أمام طول مسافة الطريق وهَول مشقّتها، اختار الجميعُ الحريّة بدل الاستلزام وخدمة المحتلّ.

انتظمنا في مسيرة وجهتُها الملكوتُ السماويّ، انطلقت يومًا ساعةَ تأسيسِ الكنيسة في لبنان، ولن تتوقَّف أو تنتهي إلّا لحظة دخول كلّ واحدٍ منّا إلى قلب الله الآب. اكتشفنا أن شرطها الوحيد هو الاستعداد للجود بالذات في سبيل من نُحبّ. إنّها عظمة المحبّة أن تسكن الخطر وتصارع الموت بقوّتك الذاتيّة في سبيل حرّية شعبك وعيشهم بسلامٍ وطمأنينة. لم نكن هواة حرب أو انتحاريين، بل امتثلنا خلف ربّنا يسوع المسيح في حمل صليبه فداءً عمَّن أخطأ وأساء إلى لبنان وشعبه. لم يكن لتلك المسيرة من قوانين وشرائع سوى تعليم الربّ يسوع لبطرس الرسول: المغفرةُ سبعين مرّةً سبعِ مرّات. خضعنا للمبادئ والتعليم كي لا نخسر قلب الله متى أتينا ملكوته، غفرنا وسنغفر دائمًا حتى ولو تجاوزنا المئة مرّة سبعين مرّة، لأنّنا لم نطلب شيئًا سوى عناية الآب السماويّ القدّوسة ورعايته لنا.

هذه هي مسيرة كلّ من قرأَ ذاك الكتاب، لذا لم نكن أولاد قريةٍ واحدةٍ وحسب بل أولاد أكثريّة القرى والبلدات والمدن، ولسنا رفاق الصفّ الواحد وحسب بل تلاميذ جميع المدارس والصفوف، كانوا قبلنا ومعنا وسيأتون من بعدنا. إنّها تقاليد أسلافنا، وتربية عائلاتنا، إنّها ميزة شعبنا خلق مساحاتٍ للحريّة وضيافةِ الجميع فيها. ليست بالمهمة المستحيلة على من قرّرَ النضال والمقاومة والدفاع عن العيش بكرامة، إنّها متطلّبة بأنانيّةٍ لا توصف، فلا يستهويها إلّا الأبطال الّذين لا مكان للخوف في قلوبهم. انغمس في غمارها الكثير من هؤلاء الأبطال، غاصوا إلى عمق أعماقها ولم يرجعوا إلى منازلهم، بل ذهبوا إلى حيث يسكن أبطال الملاحم. كانوا يعيشون بيننا ومعنا، ذهبوا إلى أفق البطولة البعيد حيث يلامس البحر السماء ليقفزوا من هناك إلى الأخدار السماويّة. كانوا رفاقًا لنا نعرفهم بالأسماء، وقفوا معنا ليردّوا الخطر الداهم عنّا، استُشهِدوا حُبًّا بلبنان وخوفًا من سقوط الأبرياء في قبضة المعتدي الشرّير.

ننظر اليوم إلى صورهم، نحدّق في عيونهم لنستشعر عظمة تلك المحبّة الّتي تنعّمت علينا بالحرّيّة والسلام وجعلتهم شهداء. نزور منازلهم لا نجدها مختلفةً عن باقي البيوت، ولكنَّ صورهم المعلّقة على الحائط تجعلنا ندرك أن الشجاعة والشهامة تأتيان من رَحِم الأمّهات ولا تُكتسب مع العمر. تساورنا أسئلةٌ كثيرةٌ عنهم ولكنَّ الجواب واحدّ، الحرّيّة لا تُقرأ في الكتب بل تُعاش يوم يدقُّ الخطرُ على الأبواب. نذهب إلى أضرحَتِهم نحاول مخاطبتهم، لا نسمع سوى ما يخالجُ قلوبَنا ويقضُّ وجدانَنا، المسيرة مستمرّة فلا تَسقطوا في الخوف والهروب من المغامرة، احملوا راية صليبكم واعبروا الجلجلة، فلستم أفضلَ من ربِّكم،  مصيركم القيامة والجلوس عن يمينه إن كنتم له تلاميذ وللحرّيّة رجال.

كانوا شباب بلداتنا، ذهبوا مع القوّات اللبنانيّة إلى حيث لا يجرؤ الآخرون، لم تستطِع جغرافيا المناطق وضع حدٍّ لعنفوانهم وصلابتهم. تخطّوا الحدود وأسرعوا إلى نجدة ومؤازرة كل من يقرأُ في كتابهم أينما كان، شبكوا أيديهم وساروا معًا مهما كانت الجبهاتُ مستعرةً ومُلتهبة، ولم يستسلموا إلّا لمشيئة الله وتوقيت ساعته. دافعوا عن سلام أهل وطنهم الأرضيّ، خاطروا بحياتهم لتطمئنّ قلوبُ الأحباء، واجهوا بأجسادهم الحديد والنار خوفًا على فلذاتِ قلوبهم. ثمّ تركوا خلفهم الأهل والأحباء والرفاق، وسكنوا في سلام الآب السماويّ الأبديّ. وإذ كانت قلوبهم تخفق دائمًا لقلبه القدّوس، قرّروا الانضمام إلى طغمة الأبرار والصدّيقين، والجلوس مع أهل يمين الربِّ يسوع، فيرثوا المـُلك المعدّ لهم منذُ إنشاء العالم.

نستذكرهم سنويًّا ودائمًا، يحضرون يوميًّا في صلاتنا، لا يغيبون عن تفكيرنا، كانوا معنا حفَروا أسماءهم في قلوبنا وذاكرتنا، حتى أصبحوا يقضّون مضاجعَنا كلّما فكّرنا لتوٍّ بالعدول والخروج عن مسيرتهم. صاروا بمثابة تاريخ أجدادنا في وجداننا لأنّهم استُشهِدوا كي لا يموت أحدٌ منّا، استُشهِدوا كي يكون لنا مستقبلٌ في لبنان، استُشهِدوا كي نفكِّر ونكتب بحريّة. جاؤوا إلى زماننا وعاشوا بيننا كباقي الشباب في طرقات القرى والمدارس والمصانع… لكنّهم تجرأوا حيث هرب الآخرون. سكنوا في بيوت ضِيَعنا ولكنّهم من أهلِ الملاحمِ والأساطيرِ، قرعوا معنا أجراس الكنائس وتشاركنا معًا في تناول القربان المقدّس، قبل أن يقدّموا ذواتِهم قربانًا على مذبح الوطن. ساروا مسيرتَهم أمام أنظارنا حاملين راية القوّات اللبنانيّة، وجباهُهم مكلّلةٌ بصليب المقاومة، وعلى صدورهم محفورةٌ أرزةُ لبنان. عادوا إلينا في نعوشٍ بيضاء، واريناهم ثَرى بلداتنا، وجعلنا منهم عبرةً ملحميّةً وطنيّةً للأجيال اللاحقة، ولنا أصبحوا نجومًا في السماء ترشدنا في طريق مسيرتنا خلفهم، فهؤلاء هم الشهداءُ الّذين كانوا معنا وذهبوا إلى سَلامِ الرّبِّ.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل