ليست قصة المواجهة مع المحكمة الدولية إلا عيّنة نافرة عن طبيعة الأداء الصدامي المفتوح الذي يعتمده "حزب الله" في الصغيرة والكبيرة والقريبة والبعيدة والخطيرة والسخيفة على حدّ سواء وبلاء!
أداء واحد عنوانه العريض يدلّ الى سهولة تشخيصه: تطرف لا سقف له. من ظواهره ان لا تفريق ولا تدرّج في صفوف الحلفاء. كما لا تفريق ولا تدرّج في صفوف الأخصام. والأولون على أي حال، لا تعوزهم إلا عدّة بسيطة متيسرة وبوفرة في سوق مفتوحة على الانتهازية والعبث والجنون: يكفي "إشهار" الولاء والتأييد للسلاح وشعاره وحامليه، كي يُمحى تاريخ ويبدأ آخر أكثر نصاعة وبياضاً وإشعاعاً.. ويكفي على الجانب الآخر، "إشهار" رغبة في الحوار أو نزعة الى النقاش أو همّة في التفكير بصوت عالٍ في شأن السلاح وماهيته، والمقاومة وأهدافها، كي يُوضع أصحابه في خانة الخصومة المفتوحة على العداوة وعلى التخوين وصلياته!
من ذلك الجذر اليقيني الأول تفرّعت سياسة صدامية فيها من العمى أكثر من الرؤى، ويبدو للكثيرين ان أهل الحزب لا يعرفون بديلاً منها.. كما تفرّعت مدوّنة سلوك هجينة تحاول منذ عشر سنوات أو أكثر تركيب حالة مسلّحة رباطها متين بمشروع خارجي أكبر منها، على وضعية سياسية محلية وشديدة الحساسة.
..حالة صدامية (أو صدّامية لا فرق!) أصيلة في غرابتها، مسوّرة بطقوس وخبريات وسوالف لا تقلّ غرابة.. في الشكل والمضمون يسبح ذلك الأداء باطمئنان بليد في بحر مليئة مياهه وشطآنه بصيادين مهرة فلا يحصد مرة تلو أخرى إلا مرارات القراءات الفوقية الآتية من ذلك النَفَس الصدامي.. يعلق في الصنّارة ثم يروح يروّج بمكابرة وعنطزة أنه شدّ الصياد صوبه وكاد يغرقه في بحره اللجب. ويا للعجب!
..منذ اللحظة الأولى لسيرة المحكمة، وضع الحزب الصدامي حربته فوق بيرقه وبيانه (وليس العكس!) وراح يصول ويجول. يكبّر الحجر ويعلّي الصوت. يوجِّه وينذر. يحكم ويتحكَّم. يخوِّن ويبرِّئ. يهجم ويحاجج، وكل ذلك خارج الصف والإطار والسياق.. وفي النتيجة الأخيرة، لم يُبقِ زجاجاً واحداً في باب أو شبّاك إلا وطحبشه ونثره على أرض لا يدوس عليها حافياً إلا هو وصحبه الميامين، الوافدين حديثاً الى وليمته، يأكلون من صحنه.. ويتركونه عند أول أزمة غذائية حرزانة؟!
سيرة غريبة. قيل له بالأمس من ناس ليسوا بعيدين عنه، إنه ما كان في حاجة الى الدرس الجديد في الواقعية السياسية كي يتعلم، إنه إنما خان نفسه وأهله ووطنه عندما خان التسوية التاريخية التي كانت تُعدُّ مع الرئيس سعد الحريري وتياره وجمهوره وأهله الذين هم أولاً وأساساً أهل رفيق الحريري المظلوم الكبير في الجمهورية الصغيرة..
وقيل له قبل ذلك إنه لم يعد في حاجة إلاّ الى تصديق نفسه بنفسه حيث خسر كل معركة خاضها في حربه على المحكمة (كل معركة) وما عليه سوى محاولة الحدّ من تلك الخسائر ومحو أثارها إذا أمكن..
وقيل له فوق كل ذلك، ان النص الالهي الأول الذي لا يخضع لجدال تحكمه موازين القوى بين المتجادلين، يقول ان مصارعة الحق تصرع أصحابها!.. قيل له أكثر من كل ذلك لكنه آثر على الدوام أن لا يخيّب سيرة الكآبة الخالدة في هذا الشرق، حيث يختلط ويتماهى بؤس الجماعات ببؤس قادتها، ويخيّل لأهل البؤسين دوماً ان الهزائم العريقة تُسمى انتصارات إلهية.. وإن الانتحار الغاشي يُسمى سياسة مقاومة وممانعة، وان هذه في نهاية الطريق، استبدلت الجغرافيا بالموقف، وصار عدوها وهدفها في كل مكان، إلا مكانه الأصلي والوحيد!