كتبت منال شعيا في صحيفة "النهار": هي هيئات للاغاثة والتعويض، ام باب للتوظيف والمزايدات واهدار الاموال على المحاسيب والقوى النافذة؟
هيئات ثلاثية شعارها العريض: الاغاثة. من مجلس الجنوب مرورا بالهيئة العليا للاغاثة وصولا الى صندوق المهجرين، تتعدد الهيئات والصناديق والنتيجة واحدة: ملفات التعويض والانماء لم تقفل؟
بالطبع، الحديث مع رؤساء هذه الهيئات يبرّر الحاجة اليها، الى حدّ الدفاع والتمسك بأهدافها وأعمالها، وبالتالي ببقائها. كلّ يشرح دوره.
رئيس الهيئة العليا للاغاثة العميد المتقاعد ابرهيم بشير يقول: "تعمل الهيئة على مدار السنة، فالازمة قد تكون امنية او طبيعية وينتج منها اضرار، ومن الطبيعي ان تحدث الكوارث في مختلف فصول السنة، فلا يمكن تحديد وقتها لانها تنتج من عوامل طبيعية او عدوان غير مرتقب".
اما رئيس صندوق المهجرين فادي عرموني فيشير الى ان "الصندوق هو المؤسسة الرسمية الوحيدة التي باتت لديها آلية فنية وادارية ومالية قادرة على التعاطي المباشر مع المتضررين". فيما يؤكد رئيس مجلس الجنوب قبلان قبلان ان " المشكلة ليست في تعدّد الهيئات انما في غياب التخطيط".
هكذا، الكل يدافع عن عمله، وربما عن وجوده. وفي العمق، فان توزّع الانشطة لا بد ان يولد نوعا من الازدواجية والضياع، فهيئة الاغاثة وبحكم مرسوم انشائها في العام 1976، حددت مهماتها بقبول الهبات الى الدولة لاغاثة المتضررين. والمفارقة ان المادة الثانية من المرسوم نفسه نصت على انه يمكن تعديل تأليف الهيئة وانهاء خدماتها بقرار من رئيس مجلس الوزراء وبعد موافقته. انما يبدو ان هذا القرار بعيد التحقيق، فمجلس الوزراء قَبِل استقالة الامين العام السابق للهيئة اللواء يحيى رعد ليعيّن بشير.
هيئة اغاثة: لا للدمج
يعدد العميد المتقاعد ابرز مهمات الهيئة: "لا يمكن دمج الهيئة مع بقية المؤسسات، لكون الاخيرة تعمل عند حدوث ازمة في منطقة محددة، وقد تحدث الازمة مرة كل بضعة أعوام، وأبرز مهمات الهيئة إدارة الكوارث وأخذ الاجراءات للاتقاء منها اذا امكن، وقبول الهبات وتوزيعها".
ولكن، نادراً ما يتم الاتقاء من الكوارث، فما ان تفيض السيول او تقع كارثة طبيعية، حتى يبدأ العمل ومن الصفر. ونادراً ما توجه الملاحظات الايجابية على عمل الهيئة، الا ان رئيسها يرفض هذه المعادلة. يعلّق: "الهيئة جهة رسمية تستعين بكل من تراه مناسباً من المديرين العامين والموظفين وتتدخل عند وقوع اي سوء على حياة المواطنين وممتلكاتهم".
انما الانتقادات عديدة سيقت ضد عمل الهيئة، لاسيما لكونها الوسيط بين المستفيد والمموّل، وغالبا ما يسأل عن طريقة توزيع الاموال؟
ينبري بشير "للدفاع" وهو الذي يختبر حديثاً "معترك هيئة الاغاثة"، رغم انه يأتي من مؤسسة عكسرية ودورة الدفاع الوطني بعدما اهتم بإدارة الكوارث. يلفت الى ان "الهيئة تؤدي دور الوسيط وتنسق مع الجميع وتعمل مع فرق الجيش التي تكشف الاضرار وتخمنها باشراف مكتب استشاري، ومن ثم تحوّل الى الهيئة للتدقيق وانجاز المعاملات قبل دفعها الى مستحقيها، اي ان الآلية واضحة ولا لبس فيها".
… جبلاً، وحتى عام 1992، كان لا بد من الانتظار لتحدّد الحكومات خطة العمل لتمويل مشاريع العودة الى القرى والبلدات، باستثناء المناطق الخاضعة لمجلس الجنوب، اي محافظتي الجنوب والنبطية وقضاءي راشيا والبقاع الغربي. من هنا، قسمّ المهجرون الى مناطق، وبرّر ابقاء وجود مجلس الجنوب الذي سبق صندوق المهجرين، لكونه كان ابصر النور عام 1970.
بين الصندوق والمجلس، الجامع هو تعويض المهجر. وفي الامرين، لا نتائج نهائية، فثمة مصالحات ما زالت قيد الدرس او التنفيذ.
منذ انشائه، أكبّ مجلس الجنوب على عنوان: "مواجهة اثار عدوان اسرائيل". كان عمله ينقسم قسمين. يشرح قبلان: "اولاً، مواجهة اثار عدوان اسرائيل وتعويض منازل واشخاص، اي ما يعرف بتعويضات الشهداء والمعوقين. والقسم الثاني الاهتمام بالبنى التحتية للجنوب والبقاع الغربي وراشيا، فضلا عن شرق صيدا ومشغرة. وشمل هذا القسم المدارس والمستوصفات والمسالخ والملاعب".
في المقابل، أوكل الى صندوق المهجرين جملة مسائل، بدأت من اخلاءات سوليدير وبعض اجزاء منطقة مشروع أليسار، ومن ثم تعويض قرى الجبل وصولا الى الترميم لمتضرري عدوان تموز وتنفيذ اجراءات الهبة الايطالية في ترميم اجزاء من مخيم نهر البارد.
72 في المئة
دائماً، يحاول موقف المعنيين تغطية الواقع، انما عرموني يعدّد بالارقام: "حتى اليوم، انجز الصندوق 72 في المئة من مجمل الانشطة الاعمارية، فهو الذي يموّل مشاريع العودة في ما كان يعرف بمناطق التهجير وبتمويل من الدولة منفردة. وربما هو الجهة الوحيدة التي تحرك الاقتصاد عبر تحريك الاعمار، فضلا عن ترميم واجهات الابنية في عدد من بلدات الاصطياف وبناء ارصفة وانارة".
وبمعزل عن الكلام الرسمي، يعترف عرموني ان "النتائج شابها الكثير من العقبات بحكم التأخير او الروتين الإداري، إلا ان التمويل لم يقتصر على اعادة اعمار ما هدّمته الحرب، بل تعداها الى مشاريع بنى تحتية واجتماعية عاجلة".
ربما التأخير في ملف العودة ككل لا يرتبط بجهاز الصندوق، بل بهيكلية السلطة. واللافت ان الصندوق يعاني نقصاً في الكادر، اذ ان التوظيف متوقف منذ بدء العمل فيه، اي منذ 1993. الكادر هو نفسه، ويضطر الى القيام بأعمال مضاعفة، لا سيما ان الاعداد تتناقص بفعل سن التقاعد. اما مجلس الجنوب فيضم 150 مهندساً و200 موظف موزعين على مكاتب في مختلف المناطق، كالنبطية وجزين وجب جنين وحاصبيا وبنت جبيل وبيروت.
موازنة = اهدار؟
في وقت " تترّنح" الدولة تحت عجز ووضع اقتصادي سيء، الا يكلف تعدد الهيئات ميزانية فائضة تسمح بالاهدار وتعدد المزاريب والصفقات؟ بالتأكيد، لا ينتظر جواباً ايجابياً من المعنيين.
40 مليون دولار سنوياً هي ميزانية مجلس الجنوب، وستة مليارات ليرة لبنانية هي ميزانية صندوق المهجرين سنويا. أما بشير فيوضح ان "لا مصروف سنوياً للهيئة، لانه يزداد او يخف وفق الازمات. ثمة مصدران للهيئة، اموال عامة تخصص من مجلس الوزراء لإدارة ازمة، مثل حوادث التبانة او فيضانات، وهبات من دول".
امل بشير كبير في تحويل الهيئة "مؤسسة عامة مستقلة ووضع نظام داخلي لها"، فلا مجال عنده لاي دمج، فيما قبلان يكشف ان "ثمة ملفات تخص مجلس الجنوب لا تزال عالقة منذ ما قبل الـ2000 وتتصل بمنازل مهدمة. هذا من دون التحدث عما بقي بلا تعويض نتيجة حرب تموز، اذ حتى الان، لم تستكمل تعويضات المنازل، ولم يتم البدء بالمؤسسات الصناعية والزراعية وتعويض السيارات. فلو اقفلت الملفات لما كانت الحاجة الى مجلس الجنوب، وما دام هناك اضرار، ثمة حاجة الى مجلس الجنوب، نتيجة خبرته عبر مسيرة 40 عاماً".
ويذكر قبلان بقانون صدر عام 2000 ومن بنت جبيل تحديداً حين عقد مجلس النواب جلسة اشتراعية هناك، الا ان القانون الذي يطالب بصرف الاموال لم ينفذ بعد 11 عاما، ويلفت الى ان "المشكلة ليست في تعدد الهيئات، وانما في غياب هيئة تخطيط تدير الادارات".
وسط ذلك، يبدو عرموني مرناً بقوله: "لا بد من هيئة وطنية لادارة الكوارث، تهتم بالترقب والتجهيز وصولاً الى التدخل والاغاثة، اي ان تمتلك خططاً شاملة لمواجهة الاخطار، فتعفي الدولة من انشاء اجهزة متعددة في مهماتها وترتب على الدولة ميزانيات لخدمات مشتتة وغير احترافية".
اعتراف من عرموني، وضع الاصبع على الجرح في نهاية المطاف، واردفه بسؤال: "هل تركيبة نظامنا السياسي والطائفي ومنطق المحاصصة سيسمحان بذلك؟".
"هل ابقاء الملفات مفتوحة ومعلّقة هو باب مفتوح لتشريع تعدّد الهيئات؟". سؤال قد يبقى بلا جواب!
بين القديم والجديد!
رفض الامين العام السابق للهيئة العليا للاغاثة اللواء يحيى رعد التحدث اعلاميا عن خبرته في الهيئة، قائلاً: "عندما استلم موضوعاً، أتولاه حتى النهاية، وحين ابتعد عنه اتركه نهائياً".