قبل ان يضرب الهجوم الارهابي نيويورك في 11 ايلول 2001، رزحت هذه المدينة الساحرة رمز العملقة الرأسمالية والعمرانية سنوات طويلة تحت وطأة ليلة "سيئة السمعة" انقطعت فيها الكهرباء عنها واستبيحت بكاملها للرعاع وفوضى تاريخية لا تزال ذكراها حتى الان تنافس ذكرى نحو ثلاثة آلاف ضحية أودى بهم 11 ايلول المشؤوم.
يقال ان الظلمة امارة باشعال الغرائز وإلهاب الشياطين وايقاظ الفتن . ثمة فتن اجتماعية و"بسيكولوجية" اشد خطرا من كل تحريض وتعبئة. ولعل المبتلين منا بمجايلة "الحرب الاهلية" اياها التي لا يزال كبار القوم السياسيين عندنا يحاضرون في عفة الترفع عن غرائزها يذكرون ان الجولات الدامية سحابة 15 عاما لم تترك في الذاكرة الجماعية اهوال الحرب وحدها وانما ايضا صورة بيروت ومدن لبنان وبلداته وقراه غارقة في عتمة البؤس ونيران الغضب المعتمل في كل الانحاء المدمرة.
منذ عام 1993، استحالت معضلة الكهرباء ازمة سياسية وانمائية وايضا ازمة سوء ادارة وفساد بكل المعايير. كانت شرارتها الاولى في ازدحام الشهيات المفتوحة على هذا القطاع الحيوي الخطير و"اطاحة " الوزير الراحل جورج افرام وخطته الاصلاحية الحقيقية وراحت تموجات المعارك السافرة والضمنية تعلو وتهبط مع كل عهد وكل حكومة وشعارات " 24 على 24 " الى ايامنا الحاضرة هذه. استهلكت هذه الازمة اجيالا من الرئاسات والوزارات والرجال تماما كما ابتلعت في حفرتها السرية المليارات المتراكمة. باتت "الازمة العملاقة "من دون منافس، فهذه الازمة الازمة بلا منازع ما دامت تستأثر بأكثر من ثلث وربما نصف الدين العام العملاق وخدمة دينه .
لو قيض للبنان في يوم، وهو لن يأتي حتما في ايامنا وايام ابنائنا واحفادنا، ان يشهد مساءلة بمعايير متجردة حقيقية، لرفعت فوقه لافتة واحدة هي اختصار لعقود من استباحة حقوق الناس في الكهرباء، وعقود مثلها لقصور دولة وفسادها. ولو قيض للبناني أن يصف ازمة الكهرباء لاختصرها بعبارة واحدة: "بروح العاشق ويأتي المشتاق". خلص الامر الى تراصف خطط موضوعة على الورق وعتمة زاحفة على كل لبنان. خطط خيضت على اسمها في الحكومة الحالية معارك وعنتريات ولا تزال. ثم ابتدعت الازمة ظاهرة انفصالية طارئة وجديدة لم تعرفها سنوات الحرب نفسها ، فجرى "احتلال" موصوف لمعمل الزهراني وفصل عن الشبكة ولا يملك اللبنانيون تفسيرا ولا تفصيلا وسط ابتلاع الألسن وكمّ الشفاه والافواه عن النطق ومن اقصى الشمال الى اقصى الجنوب وما بينهما بقاعا وجبلا وعاصمة، عتمة ترخي بفتنتها على عموم المتظلمين. فكيف لا نخشى فتنة مع كل هذا العتم وكل هذا الصمت المعمم المشبوه؟