في أوضحِ موقف سياسيّ له منذ انتخابه رئيساً لـ«المجلس الوطني السوري»، حدّد برهان غليون رؤية المعارضة السوريّة لسياسة دمشق الخارجيّة بعد نهاية حكم بشّار الأسد واستلام هذه المعارضة للسلطة.
لم يتردّد غليون في الإعلان بعبارات لا تحتمل اللبس والتأويل عزم المعارضة وتوجّهها إلى "قطع العلاقات العسكريّة لسوريا مع إيران" و"إنهاء إمدادات الأسلحة للمجموعات المسلّحة مثل "حزب الله" وحركة المقاومة الإسلامية "حماس"، و"التحالف مع القوى العربيّة الأساسيّة"، و"إقامة علاقات طبيعية مع لبنان، بعد عقود من الهيمنة عليه عبر الجيش والقنوات المخابراتية"، و"استعادة هضبة الجولان المحتلة من إسرائيل، عن طريق المفاوضات عوض اللجوء الى النزاعات المسلحة".
فما أعلنه رئيس "المجلس الوطني السوري" ليس تفصيلا، إنّما يشكّل تحوّلا جذريّا في السياسة الخارجيّة السوريّة، مُسقطا للمرّة الأولى منذ عقود، اللغة الخشبيّة البعثية القومجيّة التي ملّ منها الناس، مستعيضا عنها بلغة وطنيّة سوريّة تأتي انسجاما مع الثورات العربية التي أعادت الاعتبار لمفهوم الوطنية على حساب القوميّة، أو ساهمت بالحدّ الأدنى (أي الثورات) في مصالحة الأولى مع الثانية على قاعدة إعطاء الأوّلية دائما للشؤون الداخلية عبر تبدية المصلحة الوطنية عند وقوع أيّ تعارض أو تناقض مع المصلحة القوميّة.
ولكنّ أهمّ ما في هذا الموقف الاستراتيجي يكمن في الآتي:
أوّلا، القطع مع السياسة السوريّة السابقة والالتزام بشكل واضح ومعلن منذ الآن بالتوجّهات الخارجيّة لسوريا الجديدة.
ثانيا، تُعتبر دمشق، على غرار القاهرة، من العواصم المحوريّة والمؤثّرة في توازنات المشهد السياسيّ على مستوى الشرق الأوسط، وإذا كانت الثورة في مصر نجحت في الإطاحة بالنظام القائم وإرساء معالم نظام ديموقراطي حديث، غير أنّها أبقت أو حافظت بالمقابل على ثوابت مصر الخارجيّة، أي ما بعد الثورة لا يختلف عمّا قبلها، وبالتالي، الثورة المصريّة هي بهذا المعنى ثورة داخليّة، خلافا للثورة السوريّة التي هي ثورة على كلّ شيء تقريبا، على سياسات النظام القمعيّة في الداخل والتوسّعية في الخارج، كما المستتبعة لإيران في مواجهة بيئتها ومحيطها والمجتمع الدولي.
ثالثا، إنّ الإعلان عن قطع العلاقات مع إيران والتحالف مع القوى العربيّة الأساسية يعني انضمام دمشق إلى محور الاعتدال في المنطقة وعودتها إلى الحاضنة العربية. فوضع سوريا اليوم هو وضع شاذّ، وموقعها الطبيعيّ أن تكون في صلب التوجّهات والخيارات العربية في ظلّ استفاقة عربية جاءت كنتيجة طبيعية للثورات الشعبية وتجسّدت في الدور الاستثنائيّ والطليعي الذي تقوم به الجامعة العربية انطلاقا من ضرورة استعادة المنظومة العربية وزنَها ودورَها وموقعَها في موازاة ثلاث دول إقليميّة: إيران، تركيا وإسرائيل، تحاول كلّ منها تعبئة الفراغ الناتج عن غياب الدور العربي بوضع يدها على القضايا العربية وفي طليعتها القضيّة الفلسطينية، كما العبث بأمن الدول العربية واستقرارها.
رابعا، توجيه رسالة مباشرة إلى المجتمعَين العربيّ والدوليّ مفادُها أنّ سوريا ما بعد الأسد ستكون جزءاً لا يتجزّأ من الشرعيتين العربية والدولية. لقد حاولت كلّ من الولايات المتّحدة وفرنسا والمملكة العربيّة السعودية فصل سوريا عن إيران، ولكنّ هذه المحاولات باءت جميعها بالفشل بسبب الارتباط العضويّ والبنيوي والأقلّوي بين النظامين، غير أنّ إسقاط النظام السوريّ ليس نتيجة لفشل هذه المساعي، إنّما هو نتيجة طبيعيّة لإرادة الشعب السوريّ بالتغيير، وحقّه في إرساء نظام ديموقراطيّ وحديث، كما حقّه في تحديد توجّهات بلاده الخارجيّة انطلاقا من ثوابت "التاريخ والجغرافيا"، وبالتالي المُعطى الأوّل والأخير في التغيير هو مُعطى داخليّ، بينما العوامل الخارجية هي مجرّد عوامل مساعدة للإرادة الشعبية الداخلية، عِلما أنّ المواقف الدولية والعربية منحت النظام السوري فرصا ثمينة لم تمنحها لغيره.
خامسا، التأكيد على نيّة المعارضة السورية استعادة الجولان في الوقت الذي كان فيه هذا العنوان مجرّد شعار لدى النظام البعثيّ، لأنّ أيّ سلام مع إسرائيل، ولو كان على أسُس عادلة، لا يتحمّله هذا النظام انطلاقا من وضعه الأقلّوي، وبالتالي تذرّعه بالواقع الاحتلالي لإبقاء الصراع مفتوحاً خدمة لمآربه السلطويّة، على غرار حزب الله الذي أربكه الانسحاب الإسرائيلي من لبنان، وعمل على تطوير ما يسمّى مقاومته من الوظيفة التحريرية إلى الوظيفة الدفاعيّة.
سادسا، تشكّل دعوته إلى "إقامة علاقات طبيعيّة مع لبنان بعد عقود من الهيمنة عليه عبر الجيش والقنوات المخابراتية"، مَدخلا أساسيّا لطَيّ صفحة العلاقة التاريخيّة المأزومة بين البلدين، وفتح صفحة جديدة من التعاون على قاعدة لبنان في لبنان وسوريا في سوريا، كما تعبّر عن وعي سياسيّ وجرأة في إجراء مراجعة سياسيّة والاعتذار عن الإساءة التي لحقت بلبنان، هذه الإساءة التي لا يتحمّلها الشعب السوريّ الذي لم يكن مصيره أفضل من مصير الشعب اللبناني، إنّما يتحمّلها النظام السوريّ البعثي وحده.
يشكّل موقف المعارضة السوريّة تطوّراً نوعيّا في مسار الأزمة السوريّة، يترافق ويتكامل مع النهج التصعيدي العربي والدولي إزاء النظام السوريّ.
