#adsense

هل لبنان أمام مشهد دراماتيكي جديد؟

حجم الخط

من تعطيل معمل الكهرباء في الزهراني إلى التفجير الإسرائيلي قرب صريفا جنوباً، إلى المطاردات السورية المسلحة في وادي خالد والعريضة شمالاً، مروراً بالخطابات النارية والاحتكاكات الشوارعية المتنقلة بين بيروت وطرابلس وصيدا ومناطق أخرى، تبدو الصورة وكأنه كُتب على هذا البلد وأهله الصابرين عدم الراحة، وبل عدم تذوق طعم الاستقرار!·

فما أن تنفّس اللبنانيون الصعداء بتمرير قطوع تمويل المحكمة، حتى عاجلتهم سلسلة من الحوادث والأحداث، التي حاول البعض من خلالها، الرد على مبادرة رئيس الحكومة المشهودة بتمويل حصة لبنان من ميزانية المحكمة الدولية وذلك عبر افتعال مسلسل من التوتيرات بهدف الانقلاب على الطاولة وتذكير الجميع بأن <الأمر لي>، وإن افلح الرئيس ميقاتي في الوفاء بوعوده حول تمويل المحكمة!·

فهل نحن أمام مشهد لبناني دراماتيكي جديد على نحو ما يبشرنا به أهل الحل والربط في السياسة؟·

* * *

لا ندري إذا كان من مصلحة أحد في لبنان، أو حتى في سوريا، أن يدفع الوضع اللبناني نحو المزيد من الشحن والتصعيد والتوتير بلوغاً إلى حدّ التفجير على نحو ما يتوقعه البعض سواء في الأكثرية الحالية، أم في المعارضة· فالتطورات المتلاحقة التي فجّرت حرارة الربيع العربي، ضربت المعادلات التي كانت سائدة ليس في لبنان وحسب، بل في الإقليم كلّه، وبالتالي أدت إلى عملية خلط أوراق ليس من السهل قراءة نتائجها قبل انتهاء المخاض السوري الحالي ومعرفة الحالة التي سترسو عليها الأوضاع في سوريا·

وعلى خلفية الزلزال السياسي الذي يضرب المنطقة، كان من المفترض بالقوى السياسية اللبنانية أن تعمد إلى تنظيم خلافاتها، طالما هي غير قادرة على معالجة مشكلات البلد والصراعات المزمنة إلى الانصراف إلى تعزيز الجبهة الداخلية درءاً للمخاطر المحدقة بالوطن الصغير من كل حدب وصوب·

كان من الممكن أن تضع خطوة رئيس الحكومة بتمويل المحكمة نهاية حاسمة لفترة القلق والخلافات والتردد التي عطّلت انتاجية الحكومة وبداية لاطلاق ورشة عمل حكومية – برلمانية لتحريك العجلة في الإدارات الفارغة عبر تعيينات مدروسة ووضع المشاريع المعطّلة على سكة التنفيذ والانجاز، وإخراج مشاريع الاتفاقيات والقوانين من أدراج مجلس النواب، واستعادة ثقة النّاس في الداخل، والمصداقية أمام الأشقاء والأصدقاء في الخارج، بما يؤدي إلى تحقيق نقلة نوعية للحكم والدولة والمؤسسات الدستورية الأخرى·

إن الاستغراق في السجال الدائر حول مَن الرابح ومَن الخاسر من سداد حصة لبنان في المحكمة، هو أشبه بالنقاش البيزنطي حول جنس الملائكة!·

صحيح أن <حزب الله> وحليفه التيار العوني قد أصيبا بصدمة سياسية قاسية، حتى لا نقول شيئاً آخر، ولكن الأصح أيضاً أن صدمة لبنان الدولة والشعب والمؤسسات كانت ستكون أقسى وأكبر ضرراً على الجميع لو لم يحصل التمويل، ولتعرض الوطن المنهك اقتصادياً وسياسياً لحزمة من العقوبات الدولية كانت كافية للإطاحة بما تبقى من مقومات صمود الاقتصاد اللبناني، وخاصة القطاع المصرفي·

صحيح أن <حزب الله> والتيار العوني قد خسرا جولة سياسية قاهرة، ولكن الأصح أيضاً، أن لبنان الوطن والدولة خسارته كانت ستكون أشد إيلاماً لو نقض التزاماته الدولية، وعاند قرارات مجلس الأمن الدولي، وفرضت عليه عزلة دولية محكمة·

صحيح أن <حزب الله> وحليفه التيار العوني قد تراجعا عن مواقفهما من المحكمة قبل أن يجف حبر الخطابات والتصريحات الرافضة للتمويل، والتي تعتبر المحكمة أداة مسيّسة بإدارة أميركية وإسرائيلية، ولكن الأصح أيضاً وأيضاً أن هذا التراجع تمّ لحسابات إقليمية وخارجية أطرافها حلفاء في <جبهة الممانعة>، تشتت اللحظة السياسية وتشابكاتها المختلفة، لتمرير تمويل المحكمة ولتخفيف الضغط عن دمشق وطهران في هذه المرحلة بالذات!·

* * *

لا نبش ملف شهود الزور، ولا قطع الكهرباء عن نصف لبنان بهذه الطريقة المشينة، ولا الابتزاز في التعيينات، يؤدي إلى تحقيق الأمن والاستقرار، أو على الأقل، يحول دون سقوط تجربة قوى 8 آذار في الحكم منفردة بعدما أصرت على تشكيل هذه الحكومة بدون الشركاء في الوطن من جماعة 14 آذار·

لن تضير نجيب ميقاتي استقالة الحكومة بشيء، وهو الذي يقف بين نارين، نار الحليف في الحكم والحكومة، ونار المعارضة التي لا ترحم، ولكن الواقعة ستقع على فريق 8 آذار الذي سيتعذر عليه تشكيل حكومة جديدة، أو على الأقل الإتيان بحكومة تتوفر فيها مشاركة بمستوى مشاركتي نجيب ميقاتي ووليد جنبلاط·

لنرتفع فوق سياسة الحرتقة والنكايات، ونضحي من أجل هذا البلد المعذب، خاصة وأننا نعيش هذه الأيام ذكرى سيّد الشهداء والتضحيات·

المصدر:
اللواء

خبر عاجل