الناسُ كلهُم مقنّعون، بعضُهم قناعُهُ أبيضٌ وبعضُهم قناعُه اسودٌ وبعضُهم رماديٌّ، ولكنَّ سوادَهم الأعظمَ قناعُه ملونٌ بألوان الظروف والأوضاع والحالات. شديدُ الندرةِ هو صاحبُ الوجهِ غيرِ المقنعِ، صاحبُ الوجهِ الحقيقيِّ الذي لا يَلبسُ قناعاً لا في الليل ولا في النهار، لا في البيت ولا في العمل، لا على المنابر ولا في المخادع…
يختبئُ المقنّعون خلفَ اقنعتِهم، يُخفون علاتِهم ونواقصَهم وعوراتِهم، فاللئيمُ يختبىءُ وراءَ قناعِ الودِّ، والخبيثُ يلبسُ قناعَ الصراحةِ، والكاذبُ قناعَ الصدقِ، والبخيلُ قناعَ العطاءِ.
إن القناعَ يحمي الهاربين من أعين العارفين، وبربارة القديسة احتمت بالقناع تخفِّياً عن أعينِ والدِها الرافضِ لاعتناقِها المسيحيةِ، كما يحمي القناعُ من أعينِ النفسِ، فكلُّ هاربٍ من شيءٍ يرتدي القناعَ، فللهاربِ من ذاتِه قناعٌ، وللهارب من ضميرِهِ قناعٌ، وللهارب من السلطة قناعٌ، وللهارب من المجتمع قناعٌ ومن اسرتِهِ قناعٌ ومن ماضيهِ قناع…
والأقنعةُ أنواعٌ: قناعُ الكذبِ وقناعُ المحاباةِ وقناعُ الرِّياءِ وقناعُ المسايرةِ والمواربةِ والتظاهرِ والتملّقِ والتزلّف والتصنّعِ، وكلُّها اقنعةٌ، لكثرةِ ما يلبسُها الناسُ ويُلصقونَها بوجوهِهم خوفاً من أن يُرى ما تحتَها، تصبحُ هي وجوهُهم. إنَّ لابسَ القناعِ لا بدَّ من أن يتقمّصَ شخصيةَ القناع.
قلةٌ قليلةٌ منَ الناس تعيشُ بلا أقنعةٍ، بصدقٍ وصراحةٍ، قلةٌ منهم تعيشُ في وقاحةِ الحقيقة، لا تدوِّرُ الزوايا لا تحابي ولا تساير، تتفرّسُ بالناس وبأقنعة الناس وتتحدى ما تخبِّئُه اقنعتُهم. شهادتُها للحقيقة وعِشقُها للصدقِ غالباً ما يؤذيانها، ولكنها تبقى وفيةً لذاتِها ولمبادئِها.
هذه كانت حالُ بربارةَ القديسةِ التي لبست قناعَ حمايةِ معتقدِها، والتي أسقطتْهُ في مواجهةِ القاضي الوثنيّ، ليرى وجهَ إيمانِها الحقيقيّ. هذه كانت حالُ بربارة التي رغمَ العذاباتِ ورغمَ علمِها بأنَّ مصيرَها سيكونُ الموتَ الأكيدَ إن هي ما قبلت نكرانَ إيمانِها بالمسيحِ إلهاً ومخلصاً، لم تتراجعْ ولم تختبىء وراءَ قناعِ المحاباةِ، بل واجهتْ مصيرَها من دونِ وَجَل.
مَنْ منَّا مستعدٌ أنْ يخلعَ عنه قناعَه، أن يشهدَ للحق والحقيقة، أن ينطقَ بالصدق من دونِ خوفٍ مما سيأتي ؟ مَن منا مستعدٌ أن يعرّيَ وجهَه ليتعرَّفَ عليه الناسُ كما هو وليسَ كما يُظهرُ نفسَه؟
لن تسقطَ أقنعتُنا ما لم نتصالح مع أنفسِنا، ما لم يتصالح بعضُنا مع بعضِنا الآخر، ما لم نتصالح مع الحياة، ومع ضمائرِنا. لن تسقطَ أقنعتُنا ما دُمنا نعتبرُها غِشاءً على أعينِ الآخرينَ يخبِّىءُ معاصينا ويُخفي ذلاتِنا.
الحقيقةُ في خطرٍ ولا شيءَ ينقذُها غيرَ وجوهِ البشرِ المشرقة، الوطنُ بخطرٍ ولا يُفديهِ غيرُ التخلي عن قناعِ التكاذب.
لم تأتِ علينا أقنعتُنا بغيرِ الويلات، والفهمِ الخاطىءِ والحكمِ الظالمِ والخوفِ الكبيرِ والبعدِ المتزايد. أما وجوهُنا المكشوفةُ فاعترافٌ بذواتِنا، وسقوطُ أقنعتِنا اكتشافٌ واعترافٌ وقبولٌ لتمايُزِنا، ودربٌ أكيدٌ لتلاقينا.
إنَّ الوجوهَ علامةُ الوصلِ والأقنعةَ علامةُ الفصلِ، ولنا الخيار.