وسط انفصام لبناني حيال عودة المجلس ومعه الردح السياسي
جلسة البيان الوزاري "توثّق" أزمة الاحتقانات
حين بدأت جلسات مناقشة البيان الوزاري في مجلس النواب يوم الجمعة الماضي، أوحت تعليقات غالبية اللبنانيين أنهم قد اصيبوا بفصام في الشخصية: بين رغبتهم القوية في ان يفتح المجلس أبوابه ويمارس النواب مهماتهم ويعلنوا مواقفهم من المجلس بدلا من المنابر الاعلامية المحفزة لردود فعل في الشارع على المستوى الشعبي، وتذمرهم من عدم قدرتهم على الجلوس للاستماع الى مزيد من الردح السياسي المستمر منذ عامين.
لقد تعب اللبنانيون وملّوا كل الكلام السياسي والمعزوفات السياسية نفسها التي تعاد مرارا وتكرارا في اليوم الواحد وعبر كل وسائل الاعلام، بالمضمون السياسي نفسه الى حد كبير. الا انه تبين، نتيجة ايام من خطابات النواب، ان هذه الجلسة كان لا بد منها في الواقع، بل كانت ضرورية لو لم تكن مناقشة البيان الوزاري حتمية من اجل التعبير من منبر المجلس كمؤسسة رسمية اشتراعية، عن كل الاحتقانات المتفاعلة خلال العامين الأخيرين، وهي ليست بالاحتقانات الطفيفة او القليلة على ما ظهر بل على العكس من ذلك. ولم يكن في الامكان مناقشة البيان الوزاري من دون التطرق اليها وتسجيل هذه المواقف المتفاعلة للتاريخ في السجلات الرسمية، باعتبار ان مجلس النواب كان مقفلا ولم يتح للنواب التعبير عن كل ذلك فضلا عن ان الجرح لا يزال عميقا ولم يندمل على رغم التسوية السياسية.
وكان مهما بالنسبة الى البعض ان التسوية التي تم التوصل اليها في الدوحة نتيجة استخدام السلاح في الداخل لا تعني ان الامور عادت الى نصابها كما لو ان شيئا لم يكن، فالامور ختمت على زغل. وهناك مشكلة كبيرة يتم التعبير عنها، ولو ان منطق التهدئة وعدم اخذ البلاد الى فتنة داخلية فرض نفسه بقوة على الافرقاء السياسيين. واذا كان منطق التعبير عن المشكلة هو خطوة نحو ايجاد حل لها، فان الكلمات في مجلس النواب تكتسب اهميتها من هذه الزاوية، فضلا عن ان المجلس يجب ان يكون المكان الطبيعي الذي تتفاعل فيه المواقف السياسية المتناقضة، وليس في الشارع او على المنابر الاعلامية كما جرى بعد اقفال المجلس 22 شهرا.
اضف الى ذلك التفاف النواب في قوى 14 اذار على اي اعتراض او معارضة يمكن ان يلجأ اليهما فريق 8 آذار، على رغم أن المعارضة أضحت في الحكومة بكل مقومات الشراكة التي طلبتها، لرغبتها في محاولة حصد جنة الحكم وجنة المعارضة في آن واحد، على ما يعبر بعض وزراء 8 آذار راهنا في الحديث عن السلطة. فلم يخف عدد من هؤلاء النواب عدم منحهم الحكومة الثقة لاعتراضهم على ما تضمنه البيان الوزاري، فنزعوا ورقة توظيف يعتقد ان قوى 8 اذار قد تلجأ اليها في اي وقت وفي أي اتجاه، سواء في موضوع سلاح "حزب الله" او سوى ذلك.
وثمة من يعتقد ان جلسة اقرار البيان الوزاري، قد تكتسب أهميتها من كونها على الأرجح الاخيرة من ضمن ولاية المجلس الحالي على اساس الفرز السياسي الحاصل بين فريقي 14 و8 آذار. وهذا ما يعتقده نواب في المعارضة سابقا يروجون لمنطق ان قوى 14 اذار آيلة الى التفتت والانقسام، في حملة اعلامية استباقية، تمهيدا لبدء الاستعدادات للانتخابات النيابية في الربيع المقبل. اذ انه مع اقرار قانون الانتخاب في مجلس النواب سيصعب، في رأي هؤلاء، الكلام على فريق موحد يتحدث لغة او خطابا واحدا موحدا في قضايا متعددة نتيجة الحسابات الانتخابية والتحالفات. وهذا ما ظهر مع عدد كبير من النواب الذين خرجوا على الكلام السياسي في مناقشة البيان ليتحدثوا عن تزفيت الطرق او ما شابه من مسائل انمائية انتخابية. والرهان الذي يبني عليه هذا الفريق تكهناته يستند الى ما يعتبره تغييرا في موقف النائب وليد جنبلاط سيبرز اكثر فاكثر مع الاقتراب حتى اشهر قليلة من الانتخابات، وفق اعتبارهم، علما ان المنطق نفسه قد ينسحب على فريق 8 آذار من حيث تحالفاته واحتمال انقسامه لاعتبارات انتخابية في الدرجة الاولى وسياسية ايضا، وخصوصا ان في الافق جملة عوامل مؤثرة اقليمية، وان لم تأخذ مفاعيلها على نحو كامل في الداخل اللبناني حتى الآن.
كذلك يعتقد البعض ان هذه الجلسة قد تكون الاخيرة التي يمكن ان يدلي فيها نواب بمداخلاتهم على هذا النحو الشامل في المجلس الحالي، او كنواب في المطلق، اذ ان الانتخابات المقبلة قد لا تعيدهم الى ساحة النجمة، ويكونون قد مروا ممثلين مفترضين للشعب مرور الكرام من دون اثر او كلمة في محاضر مجلس النواب. لذلك كان مهما ان يستلحق بعض النواب انفسهم في اطلالة لهم قد تكون نادرة واخيرة.
وبالنسبة الى مراقبين خارجيين، إن ما يكتسب أهميته بالنسبة الى لبنان في هذه المرحلة بالذات هو عودة العمل بالنظام الديموقراطي في مجلس النواب بعد انتخاب رئيس الجمهورية وتأليف الحكومة.