#dfp #adsense

الطائف في ذكراه.. موت سريري أم إطار للتحديث؟

حجم الخط

بحلول الذكرى الرابعة والثلاثين لتوقيع اتفاق الطائف، يبدو هذا الاتفاق عند مفصل بالغ الدقة، ليس كاتفاق بحد ذاته، بل بما يعنيه كواقع تم من خلاله تكريس الميثاق الوطني روحاً ونصاً في الدستور اللبناني، وتحديداً في مقدمة هذا الدستور، والتي تُعتبر جزءًا لا يتجزأ منه.

والغريب أن جانباً من بنود الطائف لم تُطبق، أو ما زالت معلقة أو مؤجلة أو تم تطبيقها بشكل استنسابي ومعتور. لذلك كيف يمكن الكلام على موت الطائف أو بلوغه حالة النزع الأخير، فيما لم يُستكمل تطبيقه، بل تم الإساءة الى الكثير من مضامينه!

عندما تم توقيع وثيقة الوفاق الوطني في الطائف، ومن ثم إقرارها رسمياً باعتماد معظم بنودها في الدستور، كان ميشال عون رئيس الحكومة العسكرية آنذاك، أشرس الرافضين لها، لكنه وبإصراره على الخيارات العسكرية الخاطئة وعلى المعاندة في تسليم قصر بعبدا للشرعية الجديدة التي تمثلت بالرئيس رينيه معوض، ساهم منذ اللحظة الأولى في تطبيق الطائف بما يخالف غاياته، بل بحرفه واستخدامه كغطاء لكسر المعادلة التي رعت التوازن طوال مرحلة الحرب، فبدا وكأن الطائف كرّس الخلل وهزيمة المسيحيين، علماً أن التبعات يتحملها عون نفسه، عندما دفع بالمجتمع الدولي الى السماح بإسقاط الخطوط الحمر حول المناطق الحرة المعروفة بالشرقية، الأمر الذي فتح الباب واسعاً أمام الوصاية السورية المباشرة.

لقد رفض رينيه معوض استدراجه الى توسل القوة لإخراج ميشال عون من قصر بعبدا، لكن “الجنرال” وبدلاً من تفهم هذا الموقف، تمادى في المكابرة، على الرغم من العرض الذي قدمه له السفير الفرنسي رينيه آلا، بالتسليم بدخول معوض الى القصر، مع ما يعني ذلك من بقاء المناطق الحرة خارج الاحتلال والوصاية، في مقابل منح عون وزارة الدفاع الوطني واستمراره قائداً للجيش، مع ما يعني ذلك من قدرة لدى المسيحيين على الاحتفاظ بأوراق قوة، ومنع التصرف استنسابياً في تطبيق الطائف، كما فعل النظام الأمني اللبناني السوري المشترك.

ومع دخول إلياس الهراوي الى قصر بعبدا، بدأ التطبيق الكيفي لاتفاق الطائف، فأمسك النظام السوري بمفاصل الدولة، وكرّس ظاهرة الترويكا، وراح يماطل في تنفيذ بند الانسحاب العسكري على مراحل، وفرَض قوانين انتخابية خالفت مبدأ التوازن والمناصفة الفعلية، وسط تسليم دولي وعربي بالأمر الواقع، لا بل إن النظام السوري استغل هذا الواقع، فسعى الى قمع المعارضة، لاسيما من خلال حل حزب “القوات اللبنانية” واعتقال رئيسه والتنكيل بأنصاره.

ومع زوال الوصاية السورية، تنفس اللبنانيون الصعداء ومعهم اتفاق الطائف، على الرغم من الاغتيالات وتمسك “حزب الله” بسلاحه والتصرف كقوة وصاية بديلة. فقد رفع السنّة بخاصة، لواء لبنان أولاً كوطن نهائي، وشكل تحالف 14 آذار فرصة لتعويم الطائف، لكن التهويل والابتزاز اللذين مارسهما “حزب الله”، وخيار تعطيل الاستحقاقات والسلطتين التشريعية والتنفيذية بحجج مختلفة، ساهمت كلها في منع استكمال تطبيق الاتفاق، وتصحيح ما ينبغي تصحيحه نتيجة الخلل في تطبيقه.

ثمة من يقول أن الطائف حمل في طياته أسباب سقوطه وفشل الدولة اللبنانية، في ضوء بعض البنود الغامضة والملتبسة والتداخل في بعض الصلاحيات، لكن الواقع أن المشرّع في حينه لم يكن في خُلده أن زماناً سيأتي، ستكون فيه النوايا السيئة هي الغالبة، وسيكون التعطيل على حساب المصلحة الوطنية العليا ومصالح الناس، هو الخيار لدى فئة من اللبنانيين، تريد تخطي الطائف والدستور والميثاق والدولة والمؤسسات، للتحكم بالقرار ورهنه لمحور الممانعة.

المشكلة ليست في اتفاق الطائف كما يحاول البعض الإيحاء بذلك، بل تكمن في وجود قوة قاهرة تصادر قرار الدولة وتلغي سيادتها وتستخف بمؤسساتها، وتعتبر أن الطائف حالة تجاوزتها الوقائع لمصلحة تكريس معادلة جديدة، حتى ولو استمر الدستور وهيكلية الدولة شكلاً. وبناء عليه، فإن الرد يكون بالتمسك بالطائف ودستوره، مهما كانت الضغوط والتحديات، والبحث من خلاله، عن تركيبة أكثر تطوراً وملاءمة للواقع اللبناني، بما يكرس الروح الميثاقية والتوازن والمناصفة، باعتبار أن لا شرعية لأي سلطة تناقض مبدأ العيش المشترك، الذي لا يعتمد على الأعداد والأرقام، بل على الإرادة الحرة في العيش معاً بحرية، ومن دون هيمنة فئة على أخرى.​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل