ليس من المستغرب أن يحضر الملف السوري في محادثات مساعد وزيرة الخارجية الأميركية جيفري فيلتمان مع المسؤولين اللبنانيين.
ويدلّ رصدٌ وافٍ لما قاله فيلتمان على رسالة مزدوجة الأهداف أراد نقلها، خصوصا إلى رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، يمكن اختصارها بالآتي: "ليس المطلوب من لبنان أن يكون طرفا في الأزمة السورية وأن يدفع أكلاف هذا التغيير، وفي الوقت نفسه مطلوب منه أن يلتزم تطبيق أجندة لبنانية تنأى عن الانخراط في رغبة النظام بكسر الحصار المضروب حوله عبر استعمال الحكومة اللبنانية في المحافل العربية والدولية".
وهذا يعني أميركيّا، أنّ على لبنان، بحكومته وقياداته ورؤساء أجهزته الأمنية، أن يتصرفوا انطلاقا من رؤية واضحة بأنّ المجتمع الدولي يضع كلّ من يحاول مساعدة النظام تحت المجهر، خصوصا إذا ما كانت هذه المساعدة تصبّ في خانة المساعدة على قمع المدنيين السوريين. فهذه المساعدة، حسبما قال، يمكن أن توضع على طاولة المساءلة أمام محكمة الجنايات الدولية، وعلى المسؤولين اللبنانيين، مدنيين وغير مدنيين، أن يَعوا هذا الأمر.
وفي موضوع التعامل مع الحكومة الميقاتية، بدا أنّ مساعد وزيرة الخارجية الأميركية قد حرص على مكافأة ميقاتي على خطوة تمويل المحكمة، من زاوية التعامل مع الحكومة وتقويم عملها وفقا لما تقوم به، فإذا قام رئيس الحكومة بعمل جيّد "فإننا سنَشدّ على يده"، وإذا قام بعمل غير جيد، فـ"سَننكزه على كتفه" لتذكيره دائما بأنّ الحكومة اللبنانية يجب أن تلتزم القرارات الدولية، ومن ضمنها المحكمة.
هذا التعامل الأميركي "بالمفَرّق" مع حكومة ميقاتي، يأتي في سياق رؤية شاملة لوَضع المنطقة التي تلحظ فيها الإدارة الأميركية بروز قوى جديدة لم تعد تضَع حواجز أمام التعامل معها.
وفي هذا السياق، كرّر فيلتمان أمام كل من التقاه، بأنّ الرئيس السوري بشار الأسد "فقدَ شرعيّته ولا مستقبل لنظامه"، وكشفَ أنّ الولايات المتحدة تعمل مع حلفائها للضغط على الأسد بُغية الرحيل في هدوء وسلام. وهذا يعني، وفق المنظور الأميركي، ترتيب انتقال هادئ للسلطة يمكن أن يُشبه ما حصل في اليمن، ولا يعني كما فسّر البعض مهادنة أميركية للنظام أو إعادة العلاقة معه، وهو ما يعني أيضا أنّ عودة السفير الأميركي إلى دمشق هدفها العمل على المساعدة من الداخل السروي لتنفيذ هذه المهمة، وليس إضفاء شرعية على النظام، أو إشعاره بأنّه بات في مأمن من المطالبة الدولية برحيله.
وفي الصورة الأشمل لوضع المنطقة، لم يخفِ فيلتمان أنه أجرى محادثات مهمّة مع القوى الإسلامية في مصر، وغيرها من دول الربيع العربي. وفي هذا الإطار جَدّد النقاط التي ستتعامل الولايات المتحدة على أساسها مع هذه القوى، إذ طالما أنها التزمَت العملية الديموقراطية وأسس النظام الليبرالي الاقتصادي الحر ونبذ العنف، فإنها ستحرص على التعامل معها تماما كبقيّة المكوّنات التي تعمل تحت سقف الديموقراطية. وأشار إلى أنّ الولايات المتحدة أسقطت القوى الإسلامية التي انخرطت في العملية الديموقراطية من لائحة "الفيتو"، وهي تتطلع إلى أن تَبني معها علاقات جديدة، مُستلهمة ممّا جرى في المنطقة بعد ثورات تونس وليبيا ومصر واليمن وسوريا.
أما في الملف اللبناني، فقد حرص فيلتمان على استطلاع وجهة سَير القوى السياسية التي التقاها، وطريقة تفاعلها مع أحداث المنطقة. ومن هنا جاءت زيارته للرئيس نبيه برّي وللنائب وليد جنبلاط، ولقاؤه مع قوى 14 آذار في "بيت الوسط" وليس في أي مكان آخر، في إشارة إلى تأكيد العلاقة المتينة مع الغائب سعد الحريري. ومن هنا أيضا عاد فيلتمان وقرّر زيارة بكركي وألغى استثناءها، ليس فقط بسبب اتصالات قام بها البعض من لبنان مع نوّاب أميركيين للضغط على وزارة الخارجية لتوعِز الى فيلتمان كي يزور البطريرك الراعي، بل ليتمّ أيضا إصدار بيان شديد وواضح يحذّر أي مرجعية من دعم النظام السوري في قَمع شعبه.