








مكتب الأبحاث في جهاز التنشئة – “المسيرة” – العدد 1746
الصراع مع إسرائيل والأثمان اللبنانية…
المأساة والتراجيديا والنار
في تفسيره إن كان التاريخ يعيد نفسه، يقول أبرز فيلسوف في العصور الوسطى مار توما الأكويني، “إن التاريخ يعيد نفسه فعلاً إنما مع فروقات طفيفة”. كما يضيف “أن الظروف التي تتطابق بين زمن وآخر، تؤدي إلى الفعل ذاته تقريبًا، وبالتالي إلى إعادة التاريخ، إنما مع بعض التغييرات”. في المقابل، يسخر أبرز فلاسفة العصر الحديث، هيغل، من هذه النظرة المبسطة، ويرى أن “التاريخ يعيد نفسه ولكن بطريقة تراجيدية، فتتكرر المأساة حصراً”، ليعود ويعلّق عليهما الفيلسوف كارل ماركس ساخراً بالقول: “إن التاريخ يعيد نفسه مرتين، لكنه يحدث في الأولى كمأساة وفي الثانية كمهزلة”.
لطائِف الفلاسفة غريبة عنا بشكل عام، لكن مأساة التاريخ ومهزلة الصراع العربي – الإسرائيلي حاضرة دوماً. فهل يكرّر التاريخ نفسه وتندلع الحرب بين “حزب الله” وإسرائيل من جديد؟ أم أن الصراع العربي ـ الإسرائيلي بات من التاريخ، وما عاد يؤثر جديًا على الشعوب المحيطة؟ وهل ممكن أن نستفيق غداً لنرى “حزب الله” يأسر بضعة جنود قرب الحدود كما فعل عام 2006، فتتكرّر مأساة لبنان من جديد؟
تاريخ الصراع العربي – الإسرائيلي
“في البدء كانت النار”، هو القول الذي يبدأ به الفيلسوف تيار دو شاردان كتابه الأبرز، لكنه لا يصحّ لتفسير الصراع العربي – الإسرائيلي، بل وجب استبدال كلمة “النار” بكلمات أخرى، فتصبح عندئذ: “في البدء كان وعد بلفور”. أما النار، فلم تتأخر كثيراً عن صبغ أغلب مراحل الصراع العربي – الإسرائيلي، وحرق مستقبل شعوب بأكملها.
ووعد بلفور هذا هو اختصار لبيان رسمي صدر من الحكومة البريطانية عام 1917 عبّر عن تعاطف مع مساعي الحركة الصهيونية لإقامة وطن لليهود “على أراضي إسرائيل”. وهو ما تم بالفعل، عام 1948، بعد سيطرة بريطانيا كدولة منتدبة على الأراضي الفلسطينية، وصدور القرار 181 عن الأمم المتحدة أقر إقامة دولتين واحدة لليهود تُسمّى إسرائيل، وأخرى للفلسطينيين تُسمّى فلسطين، كما وضع القدس تحت رعاية دولية.
عارض العرب هذه الخطوة، فشنّوا حربًا شاملة، شارك فيها فلسطينيون وسوريون وأردنيون وعراقيون ومصريون، إلا أن الغلبة كانت للطرف الإسرائيلي. على أثر ذلك، نزح وهُجِّر مئات الآلاف من الفلسطينيين فيما عُرف بـ”النكبة”، واستقروا في لبنان وسوريا والأردن وأماكن أخرى.
الهزيمة العربية لم تكن تامة في تلك الحرب، بل سيطرت الأردن على الضفة الغربية ومصر على قطاع غزة، فيما تقاسمت القدس القوات الإسرائيلية في جانبها الغربي والقوات الأردنية في الجانب الشرقي، وذلك إلى حدود عام 1967، عندما سيطرت إسرائيل على القدس الشرقية والضفة الغربية، فضلاً عن معظم مرتفعات الجولان السورية وقطاع غزة وشبه جزيرة سيناء المصرية، وذلك بعد حرب عربية ـ إسرائيلية طاحنة جديدة. .
من ثم كانت حرب عام 1973 عندما شنّت مصر وسوريا حرباً مباغتة، أسفرت في النهاية عن هزيمة عربية أخرى، كما تشريد مئات الآلاف من الفلسطينيين في دول الجوار. لتلي ذلك مرحلة من الهدوء أسفرت عن اعتراف مصر بإسرائيل والتطبيع معها مقابل استرداد شبه جزيرة سيناء لتصبح تابعة للسيادة المصرية.
على المنوال نفسه، قامت الأردن بتوقيع اتفاق سلام مع إسرائيل عام 1994، فيما قامت السلطة الفلسطينية الممثلة بمنظمة التحرير بتوقيع اتفاق أوسلو مع إسرائيل معترفة بها كدولة قائمة ونقل الصراع معها من الصراع الوجودي إلى الصراع الحدودي.
لبنان يدفع ثمن حرب الآخرين مع إسرائيل
دفع لبنان ثمناً باهظاً نتيجة الصراع العربي ـ الإسرائيلي، فيما تحوّلت أراضيه إلى منطلق لعمليات عسكرية ضد إسرائيل وخارج نطاق السيادة وقرار الدولة اللبنانية.
ـ بين عامي 1947-1948 نزح مئات الآلاف من الفلسطينيين إلى لبنان وباتوا لاجئين فيه.
ـ عام 1968، دمر الإسرائيليون سربًا كاملاً من طائرات “طيران الشرق الأوسط” في مطار بيروت، وذلك بعد قيام فصيل فلسطيني بتنسيق هجوم من لبنان على طيران مدني إسرائيلي.
ـ في نهاية الستينات وبداية السبعينات، ازدادت العمليات الفدائية الفلسطينية ضد إسرائيل من حدود لبنان، لا سيما بعد نزوح القيادات الفلسطينية من الأردن إلى بيروت والبقاع والجنوب اللبناني عام 1970، وتحويل هذا الأخير إلى ما عُرف يومًا بأنه “فتح لاند” نسبة لمنظمة “فتح” التي كانت شبه مسيطرة على الجنوب اللبناني.
ـ عام 1973، جرت مواجهات عسكرية جدية بين المنظمات الفلسطينية والجيش اللبناني، كما وسّع الفلسطينيون سيطرتهم على أحياء كاملة في بيروت وضواحيها، وخارج المخيمات الفلسطينية.
ـ عام 1975، اندلعت الحرب اللبنانية بعد قتل لبناني في عين الرمانة، تلاه مرور لبوسطة محمّلة بالفلسطينيين في المكان.
ـ بين عامي 1975-1977، أقدم الفلسطينيون على ممارسة الكثير من المجازر بحق اللبنانيين، وأبرزها مجزرة الدامور، فيما كانت إسرائيل تقصف جنوب لبنان، رداً على عمليات عسكرية تقودها القوى الفلسطينية وأحزاب “الحركة الوطنية” المتحالفة معها من دون أدنى اعتبار للسيادة اللبنانية.
ـ عام 1978، اجتاحت إسرائيل الأراضي اللبنانية في الجنوب، لإبعاد القوى المعادية لها عن الحدود.
ـ عام 1982، اجتاحت إسرائيل أراض إضافية، ودخلت إلى العاصمة بيروت ولم تخرج منها إلا بعد مغادرة قيادات منظمة التحرير لبنان.
ـ عام 1996، شنّت إسرائيل حربًا عُرفت باسم “عناقيد الغضب” بعد شن “حزب الله” لسلسلة من العمليات العسكرية ضد قواتها جنوب لبنان.
ـ عام 2000، انسحبت إسرائيل من لبنان وتحرّر الجنوب.
ـ عام 2006، شنّ “حزب الله” عملية عسكرية ضد إسرائيل وخطف بعض الجنود، لتقوم تلك الأخيرة بالرد عليه وعلى لبنان وتدمّر بنيته التحتية ومطاره وأحيائه السكنية.
يبقى أن المناوشات والعمليات الأمنية المتكرّرة، أكانت من الفلسطينيين في لبنان أم من “حزب الله”، لم تؤدِ إلا إلى تكرار التاريخ وجذب المزيد من الفوضى والدمار على لبنان.
ما الموقف من التطوّرات الأخيرة؟
لم يلتزم “حزب الله” باتفاق الطائف القائل بضرورة نزع سلاح جميع الميليشيات على الأراضي اللبنانية وتسليمها للقوى الشرعية، ولم يلتزم كذلك باتفاقية الهدنة الموقّعة عام 1949 والمذكورة باتفاق الطائف. أما حصرية السلاح فحدِّث ولا حرج، حيث احتفظ “حزب الله” من دون غيره بسلاحه لمواجهة إسرائيل حيناً وبقية اللبنانيين أحياناً أخرى.
على العموم، يبقى أن سوء إدارة “حزب الله” لقوته العسكرية، وسوء حساباته هي من أدخلت لبنان في أتون النار عام 2006 وربما تدخله أتوناً آخر الآن.
مما لا شك فيه أن أي عاقل لا يقبل بالممارسات الإسرائيلية القائمة حاليًا في قطاع غزة، كما لا يقبل أي فرد يتمتع بحد أدنى من الحس الإنساني بالقتل العشوائي للمدنيين من جهة حركة حماس وإسرائيل على حدٍ سواء، إلا أن رمي “حزب الله” لنفسه وللبنان في النار لا يبدو من مصلحة أحد وأقرب إلى الانتحار، خصوصاً وأن الدعم الغربي لأعمال إسرائيل العسكرية والعدوانية يبدو كبيرًا جدًا في الوقت الحالي.
عسى ألا توضع نظرة توما الأكويني تحت الاختبار في لبنان، فلا يعيد التاريخ نفسه، إذ لا قدرة لأبناء لبنان اليوم على تحمّل خطيئة جديدة لـ”حزب الله” كتلك التي وقعت عام 2006 واستجلبت الدم والدمار على البشر والحجر في لبنان.
المطلوب، الكثير من الواقعية والقليل من الشعبوية والرهانات الخطرة من “حزب الله”. التضامن الإنساني مطلوب كذلك، تمامًا كما هو العمل الديبلوماسي لإبعاد لبنان عن المأساة والمهزلة والتراجيديا والنار.
مكتب الأبحاث في جهاز التنشئة – دائرة الإعداد والتدريب
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]