ثقة الكذبة الكبرى وخطبة وداع الحوار؟!
فيما اعطت جلسة الثقة بالحكومة مئة نعم، فإن ما حفلت به من مواقف أكدت بصورة واضحة ان المضمون الوزاري ليس واحداً ولن يكون واحداً، مهما قيل عن جهود واتصالات لرأب الصدع، خصوصاً عندما يقال ان البلد يتجه الى فتح صفحة جديدة، واية صفحة هي المقصودة عندما يتهم كل من يأتي على ذكر السلاح غير الشرعي بأنه عميل لاميركا ولاسرائيل «ليصبح دمه قابلاً للهدر» عندما تدعو الحاجة!
الرئيس فؤاد السنيورة يقول تكراراً اننا في «حكومة كل لبنان» من غير ان يقنع احداً بما في ذلك نفسه، «بعدما جرب مختلف وسائل التقارب والتفاهم بلا جدوى»، لا سيما ان الرجل نال نصيبه من السب والشتم والتهديد والوعيد، الى الحد الذي يدفع الى استغراب تقبله البقاء في موقعه (…)
السؤال بعد نيل الحكومة الثقة بمئة صوت: هل اصبحنا تحت سلطة واحدة موحدة؟
الجواب: طبعاً لا في ظل تأكيد لا لبس فيه وهو القائل «ان الحكومة غير قادرة على اتخاذ قرار طالما هناك فريق وزاري جاهز للتعطيل» خصوصاً بالنسبة الى عدم التوافق والاتفاق على موقف بمستوى السلطة العسكرية. وقد ظهر من خلال مناقشات النواب ومداخلاتهم مع من هو قادر على فرض رأيه، «ان البحث مسموح بأشياء وممنوع الى حد التحريم بأشياء اخرى»!
وثمة عتب على رئيس الجمهورية في هذا السياق، لانه حدد اولوية معالجة العقدة السورية، فيما كان عليه ان ينصرف الى فتح باب الحوار، تجنباً لمحاذير تداخل المشاكل، في حال اعطت سورية بعض ما هي مطالبة بإعطائه، ورفضت اعطاء ما عليها ان تعطيه، حتى وان لم يتأمن إجماع لبناني على الامور والقضايا التي سيثيرها الرئيس ميشال سليمان مع الرئيس بشار الاسد، او لان الرئيس سليمان يعرف مسبقاً الحدود التي يمكن له ان يتحرك من خلالها في محادثات دمشق!
وفي عودة الى جلسات الحوار، بدا واضحاً من استهلالية المناقشة ان رئيس تكتل التغيير والاصلاح النائب ميشال عون استبق الجميع بتحديد ما هو مقبول وما هو قابل للنقاش وما هو مرفوض في المطلق، وكأنه بذلك قد اقام حاجزاً سياسياً وسلاحياً يمنع بموجبه كل ما يمكن ان يطرح على طاولة الحوار.
وعندما قيل لعون ان ما أتيت على ذكره يكاد يشبه «خطبة وداع الحوار» رد بتأكيد كل كلمة صدرت عنه، كي لا يقال ان الحماسة اخذته بإتجاه الشعور بأنه في صدد خطاب القسم الذي لا يزال يحلم به، الامر الذي يجعل من مشروع الحوار المرتقب وكأنه لعبة قضاء وقدر، فيما تقول مصادر مطلعة ان «الحصيلة المرتقبة لمحادثات الرئيس سليمان مع نظيره السوري ستشغل اللبنانيين الوقت الكافي والفاصل بين الحوار وبين تحضير قانون الانتخابات واجرائها (…)».
والذين يتحدثون عن امكان ارجاء مؤتمر الحوار الى ما بعد الانتخابات النيابية، لم يتوقفوا يوماً عن القول ان «المجلس النيابي الحالي محكوم بأكثرية غير قادرة على اثبات وجودها» ويرون بالتالي ان المعارضة ستبقى معارضة وهي ««مهيأة لان تلعب ورقة السلاح» في حال وجدت نفسها في مواجهة اي خيار دستوري – قانوني» كي تلغي دور الاكثرية ومعه دور السلطتين التشريعية والتنفيذية، بدليل ما حصل في السابق!
وما يصح توقعه في هذه المرحلة يبقى اقل من زيارة رئاسية ناجحة الى سورية. واقل من ثقة نيابية تسمح للحكومة بأن تكون حكومة. واقل من حوار يكفل وضع الامور العامة في نصابها الوطني. واقل من حياة برلمانية ديموقراطية. ولا حاجة للتساؤل عن المزيد قبل ان يتضح ما هو مشروع الدولة الواحدة الموحدة، او ما اذا كان هناك مثل هذا المشروع في اذهان المعنيين بلعبة التعقيد؟!
ومن افضل ما يصح اعتماده سياسياً، هو تجنب الاشارة الى سلاح حزب الله «لأن الاتهام جاهز على مدار الساعة»، فضلاً عن ان من المستحيل حتى الساعة وبحسب المعطيات السائدة ان يتقبل حزب الله اي بحث معه في «موضوع السلاح المقاوم»، من منطلق اعتباره ان الاستراتيجية الدفاعية لن تبصر النور، او ممنوع عليها ان تبصر النور، طالما ان النتيجة قد تؤثر على حرية الحركة السياسية وغير السياسية لحزب الله؟!
المهم، في بداية محادثات رئيس الجمهورية في دمشق ان تتميز كلماتها ومناقشاتها ومواضيعها بشفافية وجدية مطلقة، ما يسمح بأن تكون ايجابية ومنتجة، حيث لا بد وان يكون الرئيس سليمان على معرفة مسبقة بأن الجميع يعولون على مسعاه ويعتبرونه مقدمة ضرورية وملحة لخطوة الحوار، فيما يعرف رئىس الجمهورية وكل من وضع ويضع ثقته فيه، ان العكس سيؤدي تلقائياً الى مزيد من الشرذمة الداخلية، قياساً على شرذمة السلطة التنفيذية غير القادرة على فتح صفحة جديدة وغير المؤهلة لان تكون حكومة كل لبنان (…) بل مجرد حكومة أمر واقع وتوازنات غير مجدية؟!