#adsense

الاستراتيجية الجنبلاطية: عود على بدء

حجم الخط

لا يمكن اعتبار أنّ مواقف النائب وليد جنبلاط الأخيرة تشكّل تحوّلا سياسيّا على غرار التحوّل الذي أجراه في 2 آب 2009، لأنّ التحوّل يعني أن يعيد الزعيم الدرزي تموضعه السياسي، ولا يبدو أنّه في هذا الوارد، لا بل هو متمسّك بـ"وسطيته"، وبالتالي تندرج مواقفه في سياق رفع منسوب المواجهة مع سوريا لاعتبارات عديدة أهمها السعي الحثيث للنظام باستخدام الدروز أكياس رمل أو رأس حربة في المواجهة مع السنّة ومع الثوّار، ورفض جنبلاط مشاركتهم في أعمال العنف والقتل حرصا على وجودهم ودورهم السياسي، كما ذهاب النظام في تحدّي جنبلاط حتى النهاية في هذا الملف، فضلا عن موقفه المبدئي تأييدا للربيع العربي واستطرادا السوري.

ولعلّ أيّ متابعة لمواقف النائب جنبلاط تظهر الآتي: الهجوم المركّز على النظام السوري مقابل تحييد "حزب الله" والربط معه، ما يذكر بمحطة العام 2005 عندما تمّ اعتماد الاستراتيجية نفسها تحت عنوان أنّ الانتقال بالبلد من مرحلة إلى أخرى يحتّم فكّ الارتباط بين الطرفين، لأنّ مواجهتهما معا كانت ستحول دون انتقال السلطة من حلفاء سوريا إلى القوى السيادية، وذلك بمعزل عن مدى صحّة هذه النظرية أو عدمها، وليس المجال متاحا هنا لمناقشتها.

وفي هذا السياق، يبدو أنّ ثمّة شيئا ما "يطبخ" في الكواليس الجنبلاطية التي يرشح عنها حرص "البك" الثابت على الاستقرار والسلم الأهلي، كما البحث في السبل والوسائل التي تجنّب لبنان تداعيات الأزمة السورية، وتمكّن اللبنانيين من اجتياز المرحلة الانتقالية بعيدا عن أي تداعيات أو استنفارات أو اصطفافات.

ومن هنا، ضرورة التمييز في مواقف جنبلاط، بين ما يتعلق بالموضوع السوري والوضوح في موقفه الداعم للثورة والمعارض للنظام، وبين ما يتعلق بالوضع اللبناني وتمايزه عن نظرة 14 آذار. هذا التمايز الذي يقوده إلى طرح أفكار ومعالجات لا تلتقي بالضرورة مع هذه القوى كي لا نقول تتناقض.

وعلى سبيل التقدير والتحليل لا المعلومات، يعمل جنبلاط على أساس خلطة، قوامها تشكيل شبكة أمان من القوى الوسطية وظيفتها توفير المناخات المواتية التي تسمح باجتياز المرحلة الانتقالية والتي تتطلب الآتي:

أولا التعاون والتكامل بين الرباعي ميشال سليمان ونبيه برّي ونجيب ميقاتي ووليد جنبلاط.

ثانيا أن يستمر ميقاتي في رئاسة الحكومة أو يتمّ تكليفه مجدّدا رئاسة حكومة من وسطيين، في ظلّ استبعاد الرئيس سعد الحريري، لأنّ وجوده على رأس الحكومة يشكّل استفزازا لقوى 8 آذار وتحديدا "حزب الله" كونه يؤشر إلى سيطرة 14 آذار، خصوصا أنّ استبعاد الحزب عن الحكومة الجديدة يتطلب في المقابل استبعاد الحركة الاستقلالية.

ثالثا أن يكون الرئيس نبيه برّي "صمّام أمان" المرحلة الانتقالية كون وجود الرئيس ميقاتي لا يشكّل لوحده عنصر اطمئنان للبيئة الشيعية التي هي بحاجة لوجود شخصية من داخل النسيج الشيعي.

وثمّة اعتقاد أنّ ميقاتي، الذي تمكّن من فرض التمويل، سيتمكّن من مواجهة التداعيات التي يمكن أن تنشأ عن الأزمة السورية، كما أنّ التطوّرات السياسية الآيلة إلى سقوط النظام السوري ستضع "حزب الله" في موقع "مكره أخاك لا بطل"، وبالتالي من مصلحته تسليم مفاتيح القيادة لبرّي، حتى ولو كان مرغما على ذلك، على غرار "حرب تموز"، مع فارق أنّ انهيار الأسد يستتبع تحوّلات جذرية في المشهد السياسي، إن في لبنان أو على مستوى المنطقة.

وفي السياق التحليلي أيضا، ثمّة من يقول إنّ هذا التصوّر وجد المظلة الدولية والعربية له على قاعدة أنّ أولوية الغرب والعرب ليست البحث عن التوازنات السياسية، إنّما تثبيت الاستقرار في لبنان، وعدم التلهّي في جبهة جديدة تعيد خلط الأوراق أو تحوّر الأنظار عن مسرح الأحداث الحقيقي. وهذا ما يتقاطع مع ظروف العام 2005 عندما كانت الأولوية الغربية الانتقال إلى ما بعد الوجود السوري في لبنان، فضلا عن أنّ التعويل الديبلوماسي اليوم على الثلاثي برّي، ميقاتي وجنبلاط مردّه إلى نجاحه في خوض غمار تجربة العام 2005.

ولكن ثمّة من يتحدّث في المقابل عن أنّ العطب الأساسي في هذا التصوّر يكمن في استبعاده 14 آذار عن الصورة نهائيا، وبالتالي السؤال الذي يطرح نفسه: إذا كان المطلوب طمأنة "حزب الله" فمن يطمئن 14 آذار؟ خصوصا أنّ الأخيرة هي في وضع المنتصر في خياراتها، وبالتالي كيف يجوز استبعادها عن "الطبخة" الجديدة؟ وعند هذه النقطة يتمّ البحث عن خيار يزاوج بين 14 آذار وبين الوسطيين…

ولكن إن دلّت التجربة على شيء فعلى أنّ التجربة السابقة بتحييد الحزب عن سوريا خدمت مرحليا وقد أدّت إلى ما أدّت إليه، وبالتالي تكرار هذه المحاولة سيفضي إلى النتائج نفسها، بينما المطلوب إبقاء الوضع معلّقا وعدم البحث في مرحلة انتقالية تجرّ إلى تسويات على حساب الدولة تحت عنوان "السلم الأهلي"، خصوصا أنّ هذه التسويات تؤدي إلى ضرب اللحظة السياسية والتي يجب استثمارها والبناء عليها للعبور إلى مشروع الدولة.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل