كتب النائب جمال الجراح في "السفير":
طالعنا النائب إبراهيم كنعان بمقالة في صحيفة «السفير» على حلقتين تحت «عنوان من يفرج عن الحسابات والأرقام؟» و«أسئلة برسم خزنة وزارة المال» نشرت يومي 28 و29 تشرين الثاني، وقد أوضحنا في الجزء الأول من ردنا ما يتعلق بموضوع تصفير الحسابات (عدد «السفير» الاثنين الماضي) ونعرض في الجزء الثاني لمسألة فقدان المستندات، التجاوز في الإنفاق العام خلال الأعوام من 2006 لغاية 2009 ضمناً وموضوع الخزنة الحديدية.
أولا: موضوع فقدان المستندات:
لقد حاول النائب كنعان تضليل الرأي العام بإيراده نصوصا من مراسلات بين وزير المالية آنذاك الرئيس فؤاد السنيورة وبين ديوان المحاسبة. إلا أن عين البغض أوصلت سعادة النائب إلى تحوير الكلام ليبني عليه استنتاجات مضللة، لا هدف لها سوى محاولة مكشوفة للدفاع عما اقترفه جنراله ولإلصاق التهم بالآخرين.
فلقد بنى النائب كنعان نظريته بأن الرئيس السنيورة اعترف، وبموجب كتاب مرسل إلى ديوان المحاسبة، بفقدان بعض المستندات نتيجة لنقل مكاتب وزارة المالية من مبنى حطب إلى المقر الرئيسي في رياض الصلح، ما يدحض الاتهامات التي ساقها نواب المستقبل بحق الجنرال عون. إلا أن غروره أوقعه بقلة الدراية فتاه ولم يتبين له أن كتاب الرئيس السنيورة بما خص بعض المستندات الضائعة نتيجة نقل مكاتب الوزارة يعود للسنوات 1991 و1992 أي قبل تسلم الرئيس السنيورة مقاليد الوزارة. ألم نردد على مسامع سعادة النائب وما زلنا نكرره هو أن ما اقترفته يدا جنراله من دمار وتلف وحرق للمستندات ومصادرة الأموال العمومية هو ما أدى إلى تلف مستندات الأعوام 1990 وما قبل، وهو ما اضطر وزارة المالية إلى نقل مكاتبها من مبنى النهر إلى مبنى حطب.
ثانيا: التجاوز في الإنفاق العام خـلال الأعـوام مــن 2006 لغاية 2009 ضمناً:
لقد ادعى النائب كنعان أن الرئيس السنيورة وقع في مغالطات عديدة، والمضحك أن النائب كنعان هو من أوقع نفسه وبسبب عدم إلمامه بهذه الأمور وبكامل المعطيات، بمغالطات كان الحري بنائب يمثل تيارا يدعي الإصلاح والتغيير والشفافية والمحاسبة أن لا يقع فيها.
لقد أورد النائب كنعان أن اثنتين من المغالطات التي وقع فيها الرئيس السنيورة تتمثل في التأخير في إعداد وإقرار موازنات الأعوام 2005 وحتى 2007 ضمنا، وعدم إقرارها ضمن المهل الدستورية، واسترسل ليزعم أن المجلس النيابي لم يكن مقفلا في حينه.
يبدو أن النائب كنعان نسي أو تناسى أو أنه يرغب في تجاهل الظروف التي مر بها لبنان خلال تلك الأعوام. وللتذكير فإننا نسأل النائب كنعان الآتي:
هل نسي أو تناسى أنه في 14 شباط 2005 وقعت جريمة أودت بحياة الرئيس رفيق الحريري؟ وانه خلال الفترة الممتدة من تشرين الثاني 2004 وحتى تموز 2005 كانت المسؤولية الحكومية على عاتق فريق غير فريق الرئيس الحريري.
هل نسي أو تناسى عدد جرائم الاغتيال التي طاولت العديد من الشخصيات السياسية والنيابية والحكومية والإعلامية خلال تلك الأعوام؟
هل نسي أو تناسى العدوان الإسرائيلي على لبنان في 12 تموز 2006، وما استتبعه من انعكاسات أمنية وسياسية واقتصادية على لبنان مرورا باعتكاف ومن ثم استقالة وزراء حركة أمل وحزب الله، والإغلاق القسري للمجلس النيابي في وجه الحكومة، وصولا إلى الاعتصام في وسط بيروت بمشاركة تياره الإصلاحي، وختاما بعدوان 7 أيار «المجيد».
ألا يعلم وتراه يتجاهل حقيقة، أن حكومة الرئيس فؤاد السنيورة الأولى تشكلت في 19 تموز من العام 2005، وباشرت فورا في إعداد وإحالة موازنة العام 2005، والتي لمعلوماته أقرت في 3 شباط 2006 وليس في 3 آذار 2006 كما زعم؟
ألا يعلم النائب كنعان أن حكومة الرئيس السنيورة، ورغم كل الظروف الاستثنائية التي مر بها لبنان خلال تلك الفترة، أعدت وأقرت وأحالت إلى المجلس النيابي موازنات الأعوام 2006 و2007 و2008؟
ألا يعلم النائب كنعان أن حكومة الرئيس فؤاد السنيورة الثانية التي تشكلت في 11 تموز 2008 أعدت وأقرت وأحالت إلى المجلس النيابي مشروع موازنة العام 2009 والتي نامت في الأدراج دون إحالتها إلى لجنة المال والموازنة لدراستها تمهيدا لإحالتها إلى الهيئة العامة لإقرارها؟
هل يمكن للنائب أن يطلعنا ويطلع الرأي العام اللبناني على مصير مشروع موازنة العام 2010 التي أقرتها حكومة الرئيس سعد الحريري (حكومة الوفاق الوطني)، والتي استغرق درسها مئات الساعات والأشهر الطوال؟ هل أحالها أم لا تزال قابعة في أدراج رئيس لجنة المال والموازنة؟
هل يمكن أن يطلعنا النائب كنعان عن سبب غض نظره وفريقه السياسي عن المطالبة بموازنة العام 2011؟ وهل يطلعنا عن سبب عدم محاسبته للحكومة الحالية بسبب تأخرها في درس وإقرار مشروع موازنة العام 2012.
ويسترسل النائب كنعان في تضليله ليقول إنه لا يمكن التذرع في تبرير الإنفاق الإضافي بالالتزامات التي ترتبت جراء إقرار المجلس النيابي بعض مشاريع القوانين التي رتبت إنفاقا إضافيا، زاعما أن مجلس النواب أقر قانونا واحدا هو القانون رقم 63 تاريخ 31/12/2008 لجدولة تسديد فروقات سلسلة الرتب والرواتب. وهنا نورد للنائب كنعان الوقائع والحقائق التالية:
إن القانون المذكور رتب على الخزينة مبالغ بحدود 400 مليار ليرة سنويا.
إن القوانين والأنظمة المرعية الإجراء بما خص الموظفين، تعطيهم حقا طبيعيا بالتدرج كل سنتين إضافة إلى تعويضات أخرى مرتبطة بالوضع الاجتماعي، وهي التزامات لا يمكن للدولة إلا أن تسددها.
ألم يوافق النائب كنعان وفريقه السياسي الممثل في الحكومة على زيادة الرواتب في العام 2009 والتي بلغت كلفتها ما يقارب 1000 مليار ليرة سنويا؟
إلا أن أكثر ما يثير التعجب والسخرية هو محاولة سعادة النائب طمس حقيقة الإنفاق على دعم مؤسسة كهرباء لبنان بقوله «فمن أذن للسيد السنيورة لتحويل ما يقدم إلى مؤسسة كهرباء لبنان من سلفة خزينة، تسجل كموجبات يترتب على المؤسسة تسديدها، إلى مساهمة مجانية؟»
فيا سعادة النائب، هل الاختلاف هو في آلية تسجيل هذا الإنفاق كسلفة أم كاعتماد إنفاق أي كتقدمة؟ أم أن الحقيقة أن ارتفاع سعر برميل النفط، والأهم منه هو سوء إدارة قطاع الكهرباء، والذي ما زال مستمرا، هو الذي يرتب هذا الإنفاق الإضافي والكبير؟ ألم يعلمك زميلك في التكتل أن إيرادات المؤسسة لا تكفي لتسديد نفقاتها التشغيلية وأنه حتى الديون المترتبة على المؤسسة تجاه المؤسسات الدولية تسددها خزينة الدولة؟
ألم يطلعك زملاؤك من وزراء الطاقة المتعاقبين من العام 2006 وحتى اليوم أن عجز مؤسسة كهرباء لبنان كبد الخزينة خلال الأعوام 2006 وحتى العام 2010 ضمنا ما يزيد عن 9300 مليار ليرة أي ما يعادل 6.3 مليارات دولار؟
لقد حاول النائب كنعان وبعد تجاهله لكل الظروف التي عصفت بالبلاد والتي أوردناها سابقا، إيهام الناس بوجود مخالفة دستورية في قرارات الحكومات المتعاقبة منذ العام 2005 التي أجازت إنفاق النفقات الجارية والضرورية وفق سقف الاعتمادات الملحوظة في اعتمادات موازنات تلك الأعوام والتي ساهم هو وفريقه السياسي بعدم إقرارها في المجلس النيابي. واستطرد ليقول ما حرفيته: «اليوم ليس من قبيل الدفاع عن الحكومة الحالية، إلا أن أوجه المقارنة بين من ينفق على أساس مشاريع الموازنات ومن يتقدم بمشروع قانون لفتح اعتمادات استثنائية.»
وهنا نطرح على سعادة النائب الأسئلة التالية:
ألا يعلم أن فريقه السياسي وحلفاءه في الحكومات المتعاقبة وافقوا على تلك القرارات لا بل أنفقوا اعتمادات وزاراتهم بناء على تلك القرارات. ولكن لم نسمع منه ومنهم حينها أي اعتراض، ولم نر أي محاسبة لهم من قبل سعادة النائب والجنرال عون؟
ألا يعلم أن ما تقدمت به الحكومة الحالية هو مشروع قانون لتغطية نفقات سبق وقامت بها هذه الحكومة وقبل إقرار فتح الإعتمادات الإضافية، لا بل أسهبت في الإنفاق بموجب سلفات خزينة خارجة عن مفهوم قانون المحاسبة العمومية التي تجيز إصدار سلفات في حالات الضرورة؟
وهل يمكن لسعادة النائب أن يشرح لنا الفرق بين الإنفاق وفق مشروع قانون موازنة وبين الإنفاق وفق مشروع قانون اعتمادات إضافية، لا بل إن الإنفاق وفق مشاريع موازنات مبندة ومفصلة وفق تناسيب الموازنة التفصيلية موزعة على الأبواب والفصول والبنود والفقرات والنبذات لهو أكثر وضوحا وشفافية من الإنفاق وفق مشروع قانون أعدته الحكومة دون أية جداول تفصيلية وأسباب موجبة لذاك الإنفاق، ولولا إصرار نواب المعارضة لكنتم أنتم دعاة الإصلاح والتغيير صوتم لصالحه دون إطلاع الرأي العام على تفاصيل ذلك الإنفاق.
أما بالنسبة لقطع الحسابات، فإن المجلس النيابي اقر قطوعات الحسابات للأعوام 1993 وحتى العام 2003 ضمنا. أما ادعاء سعادة النائب بأنّ مجرد إقرارها لا يبرئ ذمة الرئيس السنيورة، فهو جواب لا يستأهل الرد.
إن من لديه أي شيء يخشاه، لا يضمن كافة قطوعات الحسابات مادة قانونية تحفظ حق ديوان المحاسبة من إجراء أي تصحيح أو اتخاذ أي تدبير بنتيجة أي تدقيق يقوم به على تلك الحسابات، ولا يبقي مهل مرور الزمن بإضافة مثل تلك المواد في متن قوانين قطوعات الحسابات.
ثالثا: موضوع الخزنة الحديدية:
يهمنا وضع الإيضاحات التالية برسم الرأي العام ولسعادة النائب علّه يستوعب حقيقة هذا الموضوع:
تحتوي الخزنة المثبتة في جدار وزارة المالية على مصادرات مالية – ذهبية وعملات مختلفة فقط وهي مبينة بمحضر تسلم وتسليم جرى تحضيره عام 1973 بين كل من أمين صندوق الخزينة المركزي السابق آنذاك السيد عبد السلام الصغير وأمين الصندوق اللاحق السيد خالد الحجار. وهي بالتالي لم تكن تحتوي على أي أوراق رسمية أو مستندات أو صكوك أو ما شاكل ذلك.
كانت هذه العملات المختلفة المصادرة تسجل في حساب الأمانات في وزارة المالية بموجب إيصالات منظمة من أمناء الصناديق تتضمن قيمة المصادرات ونوعها بتاريخ المصادرة (القيمة التاريخية) حيث تراكمت هذه العمليات لتبلغ قيمتها الدفترية التاريخية 215,798.69 ل.ل.
في عام 1977نُظم محضر تسلم وتسليم بين أمين صندوق الخزينة المركزي السابق خالد الحجار وبين أمين صندوق الخزينة اللاحق درويش الحصري وكان هذا المحضر مطابقاً للمحضر الذي نُظم عام 1973، تجدر الإشارة إلى انه كان للخزنة المذكورة مفتاحان احدهما مع محتسب المالية المركزي والثاني مع أمين الصندوق المركزي، وبسبب الأحداث التي عصفت بالبلاد انفصل الاثنان عن بعضهما بعضا فقد كان مكان إقامة أمين الصندوق درويش الحصري في المنطقة الغربية من بيروت في حين كانت إقامة أمين صندوق الخزينة المركزي أمال الشمالي في المنطقة الشرقية.
في نهاية عام 1993 ابلغ أمين صندوق الخزينة المركزي وزير الدولة للشؤون المالية في حينه عن وجود مصادرات في خزنة حديدية ثابتة احد مفاتيحها مع محتسب المالية المركزي الذي أفاد في ذلك الوقت بأنه قد فَقَد المفتاح، وبذلك تعذر فتح الخزنة بمفتاح واحد والذي كان موجوداً لدى أمين صندوق الخزينة المركزي الأمر الذي استدعى الاستعانة بخبير لفتحها بحضور عدد من الأشخاص الذين وقعوا على المحضر اللازم.
تم إبلاغ التفتيش المالي في ذلك الوقت بأن وزارة المالية تريد فتح الخزنة الحديدية الموجودة في غرفة أمين صندوق الخزينة المركزي بمعرفة الخبير. وعلى ذلك فقد حضر احد المفتشين الماليين الدكتور جورج غلمية، وتم فتح الخزنة بحضور السادة: مدير عام المالية الدكتور حبيب أبو صقر ورئيس مصلحة الخزينة – أمين صندوق الخزينة المركزي – رئيس دائرة المحاسبة والصناديق وبعض أمناء الصناديق في وزارة المالية وجرى وضع محضر بهذه الواقعة وذلك في 17/11/1993، حيث تم تعداد موجودات الخزنة ونظم محضر بذلك وقد تبين انه مطابق للمحضرين السابقين وقد وقع على المحضر كل من المفتش المالي وأمين صندوق الخزينة المركزي ورئيس مصلحة الخزينة (المحتسب المركزي) وبعض أمناء الصناديق ثم أودعت هذه الموجودات في خزنة بمفتاحين الأول بيد أمين صندوق الخزينة المركزي والثاني بيد المفتش المالي جورج غلمية.
جرى آنذاك توضيب الموجودات من العملات في صندوقين حديدين مزودين بأقفال وختما بالشمع الأحمر بعد أن تم وضع قفلين لكل صندوق وتم إرسال هذين الصندوقين إلى مصرف لبنان بموجب كتاب رسمي من وزير المالية بالوكالة آنذاك حيث أودعا أمانة لديه لحساب وزارة المالية وبالتالي فإن ما جرى حفظه لدى إحدى خزائن مصرف لبنان هو الصندوقين المقفلين ولا تظهر تفاصيل محتويات الصندوقين في دفاتر مصرف لبنان.
وأخيراً نشير إلى أن المستندات الأساسية للمحاضر التي جرى ذكرها آنفاً، موجودة لدى أمين صندوق الخزينة المركزي الحالي في وزارة المالية.
من المؤسف لا بل من المحزن أن نقرأ ونسمع أن النائب إبراهيم كنعان يقول أن نقل هذه الموجودات الذهبية والفضية لوضعها في خزنة في مصرف لبنان لحفظها هناك يمثل أكبر مخالفة قانونية.