.jpg)
يا وطني،
أيّها النّادرُ النَّكهة، إنَّ حَدَثَ عِشقي إيّاكَ رماني بهِ القَدَر، وأنتَ المُكتَحِلُ بالسِّحرِ، وأنتَ مُخجِلُ الأَقمار، لقد وَدِدتُ لو تَحَوَّلَت كلُّ جارحةٍ في جسدي يَداً تُكاتبُك، ولساناً يخاطبُك، وخاطراً يميلُ نحوَك. أنتَ أبجديّةُ حِبري الذي يَنحتُ الإبداع، وتَجوالي في آفاقِ النّورِ المَحض، حيثُ يتمُّ الإشتباكُ بين قلبي والأرض، فيُعزَفُ حبٌّ لكَ، بهِ أَحيا، وله.
يا وطني،
عندما أنزلوكَ الى جهنَّم، ولم تَبكِ عليكَ عين، وصيَّروكَ ميدانَ ضحايا، يتَّسِعُ فيه مكانٌ للجميع، وعندما سمَّروكَ فوقَ لَحمِكَ، وقرّروا أن تَقضيَ عندَ أعتابِ صليبِك، سكنَتْ حجمَ قلبي جمراتُ الدّموع، وأَقسَمتُ على أَلّا يَنزعَ من عُنُقي قلادتَك، إلّا مَن يُحضِّرُني لِمَثوايَ الأخير.
يا وطني،
يَعبرُ أهلُكَ، اليوم، زمنَ تراجيديا الإستقلال، بالمعنى الوَضعيِّ لهذه الكلمة، أي ثقافةِ الإنتماءِ الى وطن. وبدلاً من أن تكونَ الذكرى تَذكرةً للكرامةِ بالحريّة، أصبحَت نافذةً لتمريرِ الألمِ، والخيبةِ، واليأس، فالإستقلالُ السِّياديُّ واقعٌ في فَخِّ الكَذِب، والخيانة. والإستقلالُ، بالمفهومِ الذي يُقِرُّهُ التاريخُ، والثقافةُ، والدَّمُ، والمنطقُ، قد نَحَرَهُ بعضُ المُقيمينَ، قبلَ الأغراب، بالتَبَعيّةِ، والإرتهانِ، والعَمالةِ، ما وَفّرَ أرضاً قابلةً لإعادةِ النَّظرِ بِعِيدِ الجَلاء.
يا وطني،
في ذكرى الإستقلالِ، أَبحثُ عنِ الفرح، ولا أًعلمُ متى سيُرفَعُ الحِصارُ عنه. لا أرى غيرَ سياسةِ تهديمِ الثقةِ بينَ الإنسانِ والأرض، ليُنكرَها عندَ صِياحِ الدِّيَكَةِ المُزَوَّر. في ذكرى الإستقلالِ، ينبغي أنْ يُكتَبَ مقالٌ واحدٌ، تحتَ عنوان: ” يومَ بكى لبنان “. بكى، لأنّه نزفَ شهداءَ، بيعَتْ شهادتُهم في سوقِ السَّكاكينِ المأجورة. بكى، لأنّ وُكَلاءَ الخارجِ المُلَوَّثينَ بالغدرِ، نشروا ثقافةَ الكُرهِ، والتنكُّرِ للأرض، وبثّوا أيديولوجيّةَ الولاءِ لفكرٍ هجينٍ مَنبوذ، ذهبَ ضحيّتَهُ كُثُرٌ مُضَلَّلون، وكُثُرٌ مُبتاعون، وكُثُرٌ وُصوليّون، وكُثُرٌ يدَّعون الوطنيّةَ وهم منها بَراء، فتلاشى التَّلاحمُ بينَهم وبينَ قِيَمِ المُواطَنة، وراحوا يُرَوِّجونَ لعقيدةٍ مُستورَدة، دافِعُهُم المصلحةُ أوِ الحقد. بكى، لأنّ نكهةَ الدَّمِ الذي سالَ لافتدائِهِ، لم يَعُدْ لها طَعم، ولم يَعُدْ لها لَونٌ في غابةِ الألوانِ المُطَفَّحَةِ بالدّسائس.
يا وطني،
في زمنِ الإستقلال، يَبِسَ النشيدُ فوقَ الشِّفاه، أبى أن تُطلقَهُ الحَناجرُ إصطناعياً، وأَلّا يكونَ عفوياً كالإيمان. لم يَعُدْ يَعني، لبعضِ عَبَدَةِ الأَصنامِ، والمصفِّقين البُلَهاء، إلّا تَكراراً آلِياً، تقليدياً، فاقدَ الرَّمزيّة، فاستُعيضَ عنهُ بأناشيدَ غيرِ مفهومة، يَهدرُ إيقاعُها معَ إيقاعِ مواسمِ عمالتِهم التي نَكَبَتِ الحَجَرَ والبشر. معهم، نفخَ فيكَ، يا وطني، الشيطان، فاستغلَّت الأدواتُ الرخيصةُ، بالدَّجَلِ والتضليل، نَواحَ النّاسِ المَحبوسينَ بالجوعِ والعَوَز، لينحروا فيكَ الديمقراطيةَ الحاضنةَ للحقوقِ والحريّات، بدَعوةٍ الى نموذجٍ قَمعيٍّ، بائدٍ، يفتكُ بشَعبِهِ، ويشلِّعُ بلدَه، ويقدّمُ سَيلاً من الضّحايا فداءً عن مسؤوليهِ المُصابينَ بِرَجّةِ القتل.
يا وطني،
إذا كان الإستقلالُ ثورةً لرفضِ بربريّةِ الظّلم، وإذا كانت الحريّةُ تَكريساً لتَوريثِ مواسمِ الكرامة، وحتى لا نذهبَ ونبحثَ، لنا، عن وطنٍ آخر، علينا، إذاً، أن نُخضِعَ مفهومَ الإستقلالِ لتَقييماتٍ جديدةٍ صارمة، حتى لو اضطُرِرْنا، مُجَدَّداً، الى كتابةِ فَصلِ الإستقلالِ بالحِبرِ الأحمر.