#adsense

التيار يريد استعادة الجنرال

حجم الخط

لن تمرّ التطوّرات الأخيرة على الساحة الداخلية من دون تداعيات تستوجب التوقّف عندها لأخذ العبرة. وفي رأس قائمة المستجدّات التحوّل النوعي لبعض الخطاب السياسي والوطني الذي أحدث شرخا داخل التيّار العوني على المستويين الأفقي والعمودي.

فمن غير الطبيعي عدم التركيز على ما آلت أليه العلاقة بين فريقي وثيقة التفاهم، واللذين جفاهما التفاهم في ملفّات مفصليّة، فحلّ مكانه الجفاء حتى العتاب. لقد أستهجن التيّار العوني أو المتنوّرون من أركانه ومؤيّديه، مواقف "حزب الله" الحليف من مشروع الوزير الأصلاحي شربل نحّاس في ما خصّ تصحيح الأجور، وكذلك في قضايا الكهرباء والتمويل والتعيينات، فوجد نفسه منهزما ومعزولا الى حدّ بعيد. كيف لا، ورأس التيّار يصنّف نفسه انه رأس حربة وحيدة على صعيد الحراك الأصلاحي، ويأمل في دعم حلفائه الغيورين لمواجهة البلد الذي أتّخذ التسويات شريعة، والمساومة منهجا، والتسويف أسلوبا، والّلفلفة طريقا للهروب من الحلول في مشكلات الوطن الشائكة والمتوارثة. وقد فوجئ بترسيخ النمط الأقطاعي الذي يعزل من يخالفه ويصفّه في خانة الشذّاذ.

كان التيّاريّون في الماضي من الأيّام قد ورثوا عن زعيمهم قناعة الرفض حتى في المواقف التي تقتضي بديهياً التجاوب والموافقة، كما في الشؤون المتعلّقة بمفهوم الدولة والأنتماء والولاء. فبدا الجنرال الرؤيوي وكأنّه التزم أسلوب "خالف تعرف" ليميّز نفسه عن متعاطي الشأن العام، فأتت أطلالاته مفاجئة الى حدّ الدهشة أو بالأحرى الأستغراب، أذ أصبح الرفض عنده روتينيا أو فنّا وثقافة أو جوّا يعيشه بأستمرار، ويجعل المحيطين به يعيشونه رغما عنهم، وتبريرهم أنّ الجنرال تبنّاه، والجنرال لا يمكن أن يخطئ، فقد أنتقاه الله دون سائر العالمين وقدّمه على جميع أقرانه لينطق بالحق وليس بسواه.

غير أنّ هذه الحال، على تجذّرها في نفوس التيّاريّين وأذهانهم، خضعت أخيرا للمساءلة، وتمّ وضعها على محكّ الصواب والخطأ، ومن داخل البنية التيّاريّة نفسها، وهو أمر أيجابي يحصل للمرّة الأولى في مسيرة هذه الحركة السياسية. وقد جاء بعض المواقف ناشذا عن المألوف، فكأنّ طاقة الحقيقة الكامنة في داخل بعضهم قد أخذت نفسا وتجرّأت حيث لم يكن يسمح بالجرأة، وهذا بحدّ ذاته عبور الى الوعي وصفاء العقل. وأستبانت مرارة الواقع وهوت المعادلة وانكسر رمح المدافعة التي كانت تصدر عن غيبوبة هي خيار قسري. وانبرى البعض، هذا البعض المتجاوز، ليطرح اشكالية لم يكن يعثر على جواب مقنع لها: فالتفاني الذي أظهره التيّار العوني لحزب الله، والخدمات أو الأستخدامات غير المسبوقة التي كلّفت التيّار خروجا عن ثوابته وعن زمن الوطن، وأغتيالا لنضالاته، وتيتيما لحضوره الحرّ، لم يقابلها "الحزب" بما يماثلها، فكانت مواقفه مدعاة أستغراب وأصابة قاتلة للأختيار المنحرف.

وانقسم التيّاريّون على مستويي القاعدة والقيادة. فبتنا نستمع الى لهجة مختلفة ومتضاربة، أزالت الهالة العصموية لـ"حزب الله" ولبهائه الالهي، ونحرت الأجماع العشوائي والأصطفاف الأعمى خلف ما كان تضليلا. وللمرّة يعود التاريخ الى الوراء، فيتذكّر "الشباب" عهدهم الجميل حيث كان لدمهم معنى، يكتبون به في المواجهات، مع غيرهم، شيئا من قاموس الحريّة. وقد دعا أحد قياديّيهم، وهو أيديولوجي مرموق، الى أعادة النظر في الأولويّات، والى الرجوع للأصول ومنابع النشأة، أو الى محتوى "الطريق الآخر"، والى الأنفتاح على الرفاق القدامى الذين حملوا معهم جثّة الوطن الى صبح القيامة.

لكنّ هذه الدعوة، على أهميّتها وديمقراطيّتها وتوافقيّتها، لم تعلّم الجنرال الذي لم يرد أن يخلع عن جسده الصّباغ الهجين، فاستمرّ في القيادة نحو الهاوية، متوهّما أنّه الشخص الاله الذي يقول: "أنا ربّكم فاعبدوني". وأصمّ مسمعه عن التحوّل، ولم يسمح بجلسة أستجواب "عائلية"، ومضى في الأستماتة بالدفاع عن "حزب الله" وخياراته المدمّرة، وهو ساقية غير صافية تسعى الى تلويث نبع الوطن الصافي. أمّا ما جرح التيّاريّين المتنوّرين فطريقة الحزب في ترميم العلاقة بجنرالهم من خلال أرضائه بأبخس الأثمان كتعيين موظّف هنا أو مستكتب هناك، وسألوا عن سبب رضاه بالزهيد القليل يتلهّى بتكبير حجمه خلافا للواقع والمقبول.

واستنادا الى مبدأ الديمقراطية البعيدة عن الفرض والأحادية، واستجابة لرجاء الوطن الدامي، كيف لا يبقى صوت التيّاريّين مدويّا جارفا، فهؤلاء العائدون من اللاوعي الى النور هم ثورة نوعية تحمل يافطة واحدة مكتوب عليها وبالأبيض: التيّار يريد أستعادة الجنرال.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل