#dfp #adsense

لعنة الجغرافيا تلاحق مسيحيي الشريط الحدودي.. لولا صمودنا

حجم الخط

 كتب ألين الحاج في “المسيرة” – العدد 1747

 

منذ سبعينات القرن الماضي ومسيحيو قرى الشريط الحدودي يدفعون ثمن تمسكهم بأرضهم. سنوات من النضال في مواجهة حمم حروب متتالية حاصرتهم رغماً عنهم وأدت إلى ظهور قوى أمر واقع متعاقبة فرضت سلطتها عليهم وغيّبت دور الدولة في منطقتهم، فعانوا من عزلة داخل بلدهم أثقلت كاهلهم بمشاعر الخوف على المصير لكنها لم تنجح في كسر عزيمتهم وإرادة البقاء لديهم.

بصمت يعيشون معاناتهم، بغصة يكبتون كلماتهم وبإرادة وعزم يجاهرون: باقون في أرضنا شاء من شاء وأبى من أبى.

غداة اندلاع الحرب في غزة بين حماس واسرائيل، في السابع من تشرين الأول الماضي، سُلب قرار الحرب والسلم من يد الدولة اللبنانية مجدداً، وانطلقت العمليات العسكرية ضد اسرائيل عبر الحدود الجنوبية، ليواجه أبناء تلك القرى المسيحيون مرة أخرى الوضع المستجد منفردين، فيما بقي تطبيق قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 1701 الصادر عام 2006، معلّقاً على الرغم من تكريسه وقف إطلاق النار بين اسرائيل و”الحزب” بموافقة الطرفين المتنازعين.

 

لمحة تاريخية

خلال القرن الماضي، تحوّلت القرى الحدودية إلى ساحة للتوترات الأمنية نتيجة العمليات العسكرية الفلسطينية ضد إسرائيل مطلع السبعينات، ثم ما لبثت أن خضعت للاحتلال الإسرائيلي على مدى إثنين وعشرين عامًا، بعد أن شنت إسرائيل حملة عسكرية واسعة النطاق على الفصائل الفلسطينية المسلّحة، يومي الرابع عشر والخامس عشر من آذار 1978، رداً على الاعتداءات عليها، قبل أن تنفذ انسحابًا جزئيًا، بعد صدور القرارين 425 و426.

بين عامي 1978 و2000 هيمنت إسرائيل على قرى الشريط الحدودي ومن ضمنها القرى المسيحية، وأخرجتها من كنف الدولة نهائيًا – والدولة في الأساس خرجت من كنف هذه المساحة الجغرافية من أرض الوطن وعاقبت أهلها بخروجهم من سجن لامبالاتهم واعتبارهم أهل هذه الأرض – فيما استمرت العمليات العسكرية ضد إسرائيل من قبل مجموعات لبنانية، وتحديداً حركة “أمل” وحركة المرابطون الناصرية والحزب الشيوعي اللبناني، ثم “الحزب” الذي تأسس عام 1982.

صمود أهالي تلك القرى لم يكن سهلاً في ظل غياب الدولة التام وانعدام خدماتها، فانخرط العديد منهم، ومن كافة الطوائف، مسيحيين ومسلمين شيعةً وسنةً ودروزًا في ما كان يُسمّى بجيش لبنان الجنوبي، أو جيش لحد لاحقاً، لحماية تلك المنطقة، وأرغمتهم الضائقة المادية على العمل داخل إسرائيل والتوجّة إلى مستشفياتها للطبابة عند الحاجة.

يوم 23 آذار 1978 وصلت طلائع قوات “اليونيفيل”، بهدف الحد من النزاع القائم، وحماية سكان المنطقة من العنف، ومدّد مجلس الأمن مراراً ولايتها بناءً على طلب من حكومة لبنان وتوصية من الأمين العام.

عام 2000، انسحبت إسرائيل من الشريط الحدودي، وكان من المفترض أن تستعيد الدولة هيبتها ودورها، وينعم مسيحيو ما بات يُعرف بالشريط الحدودي بالأمن والخدمات الحكومية، لكن المحور الإيراني ممثلاً بميليشيا “الحزب” تسلّم زمام الأمور وبسط سيطرته على المنطقة المحرّرة، فاستهدف أبناء القرى المسيحية بحملات تخوين ملصقًا تهمة العمالة لإسرائيل بهم حصراً من دون سواهم، ما دفع ببعض عائلات جيش لحد للجوء إلى إسرائيل يوم رفع الأمين العام للحزب حسن نصرالله إصبعه مهدّداً إياهم بالذبح في أسرّتهم.

الجبهة الجنوبية هدأت ست سنوات قبل أن تنفجر في تموز عام 2006 لشهر. وعلى رغم المناوشات المتقطعة لم تشتعل مجدداً سوى في الثامن من تشرين الأول من العام الجاري إثر قيام حماس بهجوم مباغت ضد اسرائيل في السابع منه. وتحوّلت قرى وبلدات الشريط الحدودي إلى خط نار وأرض خصبة لقواعد صواريخ الفصائل الفلسطينية و”الحزب”.

 

صرخة وجع

دوامة “القلق على المصير” لدى مسيحيي ما كان يُعرف بـ”الشريط الحدودي” لم تنتهِ يوماً، وبألم، يطلق أحد أبناء تلك القرى صرخة يناشد من خلالها الدولة وأيضاً الكنيسة تلمّس معاناتهم، والوقوف إلى جانبهم قبل أن تفرغ قراهم من سكانها، مبديًا أسفه لوجود تقصير فادح من المرجعيتين تجاههم.

ويكشف الرجل الجنوبي، همسًا، ما لم يجرؤ على قوله علنًا خوفًا من ترهيب مقنّع تمارسه ضدهم قوى الأمر الواقع، حيث أدنى خدمات الدولة من شبكة مياه وكهرباء وغيرها لا يمكنهم الحصول عليها من دون رضاها. ويؤكد أن الأمر يتطلب أحيانًا اتصالات عالية المستوى وتنازلات عديدة من قبلهم. ويضيف أنهم يجدون صعوبة في الكشف عن انتماءاتهم السياسية إن كانت تتعارض مع الموجة العامة في المنطقة، خصوصاً في القرى المسيحية حيث لا كثافة سكانية كبيرة.

 

رميش

يواجه أهالي رميش إحدى البلدات المتاخمة للحدود اللبنانية وتحديداً الخط الأزرق وضعاً صعباً للغاية ويؤكد رئيس البلدية ميلاد العلم لمجلة “المسيرة” أن “أطراف البلدة تتعرض لقصف مستمر منذ الثامن من تشرين الأول، ما دفع بنحو 60 في المئة من الأهالي للنزوح إلى بيروت ومناطق أخرى ليتجنبوا تكرار تجربة حرب تموز 2006، عندما قرروا البقاء والصمود وعانوا من نقص في الطعام والمواد الأساسية”.

رميش، تلعب دورًا حيويًا من الناحية السكانية، وتحديداً الدينية حيث تعدّ البلدة المارونية الأكثر سكناً خلال فصل الشتاء، إذ يراوح عدد قاطنيها بين 7200 و7500 نسمة، إنما ومع استمرار تعرّض البلدة للقصف المتواصل بات وضعهم الاقتصادي سيئاً جدًا، يكشف العلم، لكونهم يعتمدون بشكل أساسي على الزراعة والأعمال الخاصة.

ويأسف العلم لغياب الدولة الدائم عنهم “اشتقنا لوجود دولة تحمينا وتقدم لنا الخدمات الأساسية، لذلك لم نفاجأ بعدم وضعها خطة طوارئ في الأزمة الأخيرة”.

منذ سنوات وبلدية رميش تؤدي دور الدولة وتتكفل بتقديم الخدمات الأساسية كالمياه والكهرباء لأبناء البلدة، يكشف العلم متابعا “نعتمد على مصادر محلية كالطاقة الشمسية لتوليد الكهرباء ونلتزم تقديم خدمات عالية الجودة لأهلنا على رغم التحديات التي تواجهنا كما نعمل بكفاءة ونكرس جهودنا لتحقيق الاستدامة والنمو الإيجابي لمجتمعنا إيماناً منا بأن التعاون بين المؤسسات والأفراد يمكن أن يحقق الازدهار والتقدم في رميش”.

ويوضح العلم أن الدولة غابت خلال الأزمة الحالية في عدد من المواقف، أبرزها عدم إصدار وزيري الزراعة والبيئة أي تحذير للأهالي بعد استخدام إسرائيل القنابل الفوسفورية في القصف، حيث أقدم عدد من الأهالي على قطف أشجار الزيتون في البساتين المجاورة مع تخوّفه من احتمال تسرب المواد الفوسفورية إلى زيت الزيتون وتعريض حياة السكان للخطر.

كذلك سلّط العلم الضوء على سياسة حرمان أهل البلدة من المساعدات الإنسانية التي تضمن كرامتهم في هذا الوقت العصيب، ويلفت إلى أنهم ناشدوا “الجهات الدولية التي تعنى بالنازحين السوريين، لكن هؤلاء امتنعوا عن مساعدتنا كما رفضوا طلب وزير الشؤون الاجتماعية إرسال المساعدات إلى رميش”. ويربط رفض تعاون هذه الجمعيات مع السلطات المحلية في رميش بسبب اتخاذ الأخيرة إجراءات بحق النازحين وفقًا للقوانين والتعاميم التي وضعتها الحكومة والمتعلقة بوضع العمالة السورية.

في المقابل، تحدث العلم عن دور الكنيسة البنّاء في بلدتهم “الكنيسة داعم قوي للمجتمع في رميش، ونعتبرها جزءًا أساسيًا من حياتنا وفي الأزمة الأخيرة ساهمت بتقديم مساعدات للأهالي. وعلى مستوى المبادرة الفردية تم تجهيز مستشفى ميداني يحتوي على أسرة ومعدات طبية وتجهيزات خاصة لحالات الطوارئ في حال توسّع نطاق العمليات الحربية، كما تم تشكيل «خلية أزمة» تضم رجال البلدة وشبابها، الذين قرروا الصمود، حيث تم توزيع المهام بين حماية منازل البلدة من السرقات، والتحضير العملي لمواجهة التطورات المحتملة عبر تأمين سلع غذائية وأدوية تكفي لمدة شهر على الأقل”.

 

القوات تواكب

قاسم مشترك يجمع بين الأمس واليوم في تلك البقعة من لبنان، ويتجسّد بغياب الدور الفعال للدولة وترك أبناء تلك القرى يواجهون مصيرهم بمفردهم، كما يشير الموفد الخاص للدكتور سمير جعجع في بعض مناطق الجنوب، جان العلم. ويضيف لمجلة “المسيرة” أن القرى المسيحية حُرمت من حماية الدولة الأمنية ومن الدعم الاقتصادي وتأمين البنى التحتية الضرورية للاستمرار، ما حال دون أن يشعر أهلها بالأمان والاطمئنان، على رغم إصرارهم على البقاء في أرضهم.

في المقابل، ألقى العلم كامل اللوم على الدولة اللبنانية من دون سواها في عملية التهميش، باعتبار أنها المرجع الأساسي والوحيد لأبنائها. ودعاها إلى استعادة هيبتها في المنطقة عبر تعزير دور الجيش، مؤكداً أن رهان القوات اللبنانية يبقى دوماً على الدولة لضمان أمان الوطن واستقراره.

ويدين العلم الجو السياسي العام في البلد، مشيرًا بأسف إلى استقالة الحكومة من مسؤولياتها وعدم وضع خطة طوارئ تحاكي واقع الوضع المأساوي، فيما الخوف يطارد الأهالي ويقض مضجعهم بعد أن بات الطالب من دون مدرسة، ورب الأسرة من دون عمل، معتبراً أن المنطقة تحوّلت إلى جزيرة معزولة عن دولتها، وتم فصل أهلها عن باقي المواطنين.

أمام كل ما يحدث، يكشف الموفد القواتي الخاص عن التزام قوي وعمل دؤوب من قبل حزب القوات اللبنانية في مواكبة المرحلة الاستثنائية والصعبة المستجدة، ويؤكد أنهم “متواجدون إلى جانب أهلنا، نتابع بعناية تفاصيل أوضاعهم، ونعمل من دون كلل لاستنباط الحلول المناسبة لهم ومساعدتهم على تأمين متطلبات الصمود والبقاء، بالتنسيق مع عدد من رؤساء البلديات”.

وفي هذا السياق، يؤكد أن حزب القوات اللبنانية على تواصل مستمر مع جمعيات غير حكومية لحثها على تقديم المساعدات للأهالي الصامدين والنازحين منهم، كما تحدث عن لقاءات مكثفة تجري في معراب لدراسة كافة متطلبات أهالي المنطقة.

من جهة ثانية، يسلّط العلم الضوء على القرار 1701، مؤكدَا أنه مقدمة أساسية لتكريس الاستقرار الأمني والاقتصادي في المنطقة بحيث أعاق عدم تطبيقه استعادة الدولة زمام الأمور، وأدى إلى استمرار تفلّت جبهة الجنوب الحدودية.

ويرفض العلم بشدة جرّ المنطقة إلى دوامة الحروب مجددًا، مستحضرًا جزءًا من معاناة الماضي، عندما استقبلت رميش بمفردها بعد النكبة عام 1948، 3000 لاجئ فلسطيني، انبثق عنهم في وقت لاحق فصائل مسلّحة انتهكت أرض البلدة ومنازلها، محوّلة إياها إلى ساحة للعمليات العسكرية.

 

عين إبل

عين إبل، القرية المسيحية المحاذية للخط الأزرق حالها كحال رميش، وينقل رئيس بلديتها عماد للّوس صورة المعاناة، حيث صوت القذائف يرافقهم طوال الوقت “نعيش في حالة حرب لا تنتهي، وكل يوم نستيقظ ونغفو على صوت القذائف وطائرات الـ MK والمسيرات. حياتنا متوقفة، وأعمالنا متعطلة، والمدارس أقفلت”.

للّوس كشف عن وضع إنساني صعب “مع توقف الأعمال، والنقص في السلع الأساسية”، وتحدث عن نزوح نحو 60 في المئة من أبناء البلدة إلى بيروت، خصوصاً العائلات التي لديها أطفال لتجنّب تكرار تجربة القصف المباشر التي شهدتها القرية في الماضي، ومع توقف المدارس يتم تأمين الدراسة عبر الإنترنت للطلاب.

ويأسف للوس لموقف الدولة المتقاعس مرة جديدة عن أداء واجبها تجاههم، مشيراً إلى أن أهالي البلدة، وبهدف التخفيف من عبء المرحلة على الصعيدين الأمني والاقتصادي، تكاتفوا لدعم بعضهم البعض وشكلوا “خلية أزمة” تضم رجال البلدة، الذين قرروا الصمود، حيث تم توزيع المهام بين حماية منازل البلدة من السرقات، والتحضير العملي لمواجهة التطورات المحتملة عبر تأمين سلع غذائية وأدوية تكفي لمدة شهر على الأقل، وتواصلوا أيضاً مع الأديرة لإيواء النازحين من البلدة الذين لا يملكون منازل في العاصمة أو لا يملكون أقارب هناك، مشيراً إلى أن السكان المتواجدين حاليًا في البلدة تلقوا مساعدات عينية من منظمات غير حكومية، وعلى رأسها منظمتا “سوليدارتي” و”كاريتاس”، ومعتبرًا هذا التدخل الإنساني “الأمل الوحيد” لتخفيف الأعباء عن كاهل السكان.

في مقارنة بين حرب تموز 2006 والحرب الحالية، يعتبر للّوس أن الأمور اختلفت بعض الشيء بفضل تمركز الجيش اللبناني والقوات المتعددة الجنسيات (اليونيفيل) على مقربة من البلدة، “مما حال دون تعريض البلدة للقصف المباشر وخفف من وطأة المأساة التي شهدتها في السابق حيث تعرض ثلاثون منزلاً للقصف”.

وشدد للّوس على علاقات حسن الجوار التي طبعت المنطقة في الماضي ولا تزال بين القرى المختلفة طوائفيًا وحزبيًا، مؤكدًا أن أحدًا لم يتعرض لهم على رغم وجه بلدتهم السياسي المعروف من الجميع. لكنه لم ينفِ وجود بعض التوترات السطحية بين الجيران. وتطرق إلى استشهاد الياس الحصروني الذي تسبب بتوتر كبير. لكن موضوع الحرب طغى على كل ما يجري.

 

دبل

دبل، قرية مسيحية أخرى ضمن الشريط الحدودي، على رغم بعدها الجغرافي قليلاً عن الخط الأزرق، ويكشف رئيس بلديتها خليل حنا، لمجلة “المسيرة” أن نحو 70 في المئة من الأهالي صامدون فيما نزح 30 في المئة منهم إلى بيروت، معظمهم ممن لديهم أطفال، وانتقلوا للإقامة لدى أقارب أو في منازل يملكونها في العاصمة، مضيفاً أنهم جهزوا لوائح بعدد العائلات الصامدة والنازحة “333 عائلة لم تغادر البلدة فيما 155 عائلة قررت النزوح”.

ويشير حنا إلى أن أبناء البلدة المقيمين تلقوا مساعدات غذائية وطبية من جهات غير حكومية فيما الدولة غائبة تماماً عنهم، مع تأكيده على عدم مطالبها بأي مساعدة لثقتهم بأنها لن تفعل، معلناً عن إنشاء خلية أزمة هدفها الوقوف على حاجات أبناء البلد المقيمين والنازحين لتأمين المساعدات لهم من جهات غير حكومية.

ومع توقف المدارس، بات التدريس عن بعد، يشير حنا، ويستفيد منه الطلاب النازحون، موضحًا أن حصول الطلاب المقيمين على الإنترنت بات صعباً إثر تعرّض إحدى المحطات للقصف الاسرائيلي واستحالة وصول فرق الصيانة إليها، مضيفاً أن تأمين المازوت للمحطات الأخرى ليس سهلاً أيضاً في ظل الأوضاع الراهنة.

ويفيد حنا أن القصف يطال أطراف القرية فقط بخلاف ما حصل عام 2006، حيث لحقت بالقرية أضرار مباشرة حينها وخسر أربعة أشخاص حياتهم استهدفتهم اسرائيل عند صعودهم إلى أسطح المنازل، كما تهدم إثنا عشر منزلاً، مع تأكيده أن أي جهة لم تعوّض عليهم.

من جهة ثانية، يرى أن قوات “اليونيفيل” لم تهمل موظفيها من أبناء البلدة، حيث طلبت منهم الانتقال إلى بيروت وقدمت لهم بدل استئجار شقة وراتب لكل ولد من الأولاد تحت ما يُسمّى “ثمن الإزعاج”.

لعلها لعنة الجغرافيا تلك التي حوّلت قرى وبلدات الشريط الحدودي إلى أرض خصبة بالقواعد العسكرية التابعة لميليشيا “الحزب” ومقبرة قرارات الشرعية الدولية. وكأن قدر أبناء قرى الشريط الحدودي المسيحيين بات مرسومًا على جبين شيوخها ومسنّيها وشبابها ونسائها وحتى أطفالها… قدر معمّد بإرادة الصمود وميرون المواجهة. وها هم اليوم أمام مواجهة تحديات جديدة أربكتهم وقلبت حياتهم رأساً على عقب، فيما لا يزال مصير المنطقة غامضاً واتجاه الأوضاع إلى مفترق ربما يؤدي إلى حرب شاملة غير مستبعد.

وفي الحالين قرار مسيحيي الشريط الحدودي غير قابل للجدل والمساومة… البقاء ثم البقاء ثم البقاء في أرضهم.

 

البطريرك الراعي يبادر… فلس الأرملة لأبناء الرعايا النازحين

حمل البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي هموم أبناء رعيته في الشريط الحدودي وأطلق مبادرة تهدف إلى تخفيف الأعباء المالية عن كاهلهم حيث طلب من جميع الرعايا تقديم المساعدة لهم عبر التبرعات ولمّ الصواني يوم الأحد وتقديمها لهم، مؤكداً على أهمية التضافر والتعاون لدعم الفئات المحتاجة خلال الأوقات الصعبة.

دعوته جاءت خلال ترؤسه، في الصرح البطريركي في بكركي، مؤتمر الإعلان عن “اليوم العالمي للفقير” في التاسع عشر من تشرين الثاني الذي أطلقه قداسة البابا فرنسيس بعنوان “لا تحول وجهك عن الفقراء”، حيث أكد في كلمة ألقاها للمناسبة أن “الكنيسة لا تتراجع اطلاقا، ونحن في اجتماع مجلس البطاركة والأساقفة نشدد على الدوام على دورنا ككنيسة ومؤسسات تابعة لها للعمل على مواجهة ما يعاني منه شعبنا”.

وأضاف “لقد رأينا أن الحاجات تزداد ونحن مهددون بالحرب الدائرة إلى جانبنا وأهالينا نزحوا من بيوتهم في الجنوب أي المزيد من الفقر، فقررنا إطلاق مبادرات إضافية والطلب من كل الرعايا والأبرشيات تقديم مبالغ من الأموال بقدر امكانياتها وتقديم الصواني يوم الأحد لمساعدة أهلنا في الجنوب”.

وأشار الراعي إلى أنهم طلبوا من مؤسسة كاريتاس لبنان أيضًا المشاركة والمساهمة “هذا الجهاز الاجتماعي الرعوي الرسمي للكنيسة وللمساعدات الخارجية والذي يعمل وفق برامج متنوعة”.

وفي الختام، عرض بيتر محفوظ من “كاريتاس لبنان” للآلية اللوجستية يوم الأحد في التاسع عشر من تشرين الثاني، والبرنامج وتنظيمه، والذي ينطلق عند الثامنة صباحًا.

ما كاد البطريرك الراعي ينهي مؤتمره حتى انطلقت الأبواق “الحاقدة” والتعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي ساخرة ومتهكمة من مبادر “لم الصواني” يوم الأحد في الكنائس دعمًا لأبناء الرعايا في القرى والبلدات الواقعة على الشريط الحدودي التي نزح حوالى 60 في المئة من سكانها. ويا ليتهم صمتوا لأن صوتهم وكلامهم يصب في أقنية الهواء الملوث.

وعلى المستوى الكنسي الرسمي رد مدير المركز الكاثوليكي للإعلام المونسنيور عبدو ابو كسم على بعض الأصوات التي استهدفت البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي، فأكد في بيان “أن هذه الأصوات لن تستطيع النيل من كرامة وعزة وعنفوان سيّد بكركي، على أمل أن يرتقي هؤلاء بفهمهم إلى مغزى ما قاله غبطة البطريرك ومعنى التضامن في موضوع “لم الصواني” الذي هو أبعد ما يكون عن موضوع “الشحادة”. ثم إن غبطة البطريرك كان يتكلم عن عمل رعوي كنسي وكيفية دعم صمود الاهالي وأبناء الرعايا في قراهم وبلداتهم الحدودية وكيفية مساعدة النازحين منهم بسبب ما تشهده تطورات الجبهة الجنوبية، وبالتالي لا مبرر على الاطلاق لهذا الكلام الهابط ولهذه التهجمات المستنكرة التي تعبّر عن حقد دفين ولا تخدم الوحدة الوطنية في هذا الظرف الاستثنائي الذي تمر به البلاد. وستبقى البطريركية المارونية رمزاً للوطنية وللدفاع عن لبنان أولاً واخيراً وعنواناً لحماية الجميع ولا تطلب حماية أحد ولا تتسكّع عند أحد”.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل