#adsense

الربيع الأوّل ـ السنة الأولى: دروس مصرية وتونسيّة بشأن الإسلاميين

حجم الخط

بقدر ما هي مبهجة، ومشجّعة، وواعدة، تلك الصورة الإجماليّة التي ترد إلينا من تونس، بقدر ما هي مقلقة، وضبابيّة، ومحبطة، تلك الصورة الإجماليّة التي ترد إلينا من مصر.
مع الإستدراك: الإستقرار التونسيّ قد يحوي جانباً سلبيّاً: الخشية من أن يعود فـ"يقفل على نفسه" ويغرق في محليّته، هذا في حين يعدنا الربيع العربيّ للمرة الأولى بمساحة وافية لإزدهار علم الأنظمة السياسية العربية المقارنة.

أمّا مصريّاً، فالمشهد حافل بالمفارقات، أبرزها مفارقة الإنتخابات: ثنائية بين إحيائيتين، إخوانيّة، نصف إصلاحيّة، وسلفيّة، جهاديّة سابقة. أما المفارقة الثانيّة، فإنّ المجتمع المصريّ غير الإحيائيّ، يتكوّن من: "العسكر"، "الأزهر"، "الأقباط"، "العلمانيّون والليبراليّون إلخ.."، "الطرق الصوفيّة"، "فلول الحزب الوطنيّ". هؤلاء ينفي بعضهم بعضاً. وبالطبع الدعوة إلى "جمع شملهم" ليست واقعيّة، ولا ربيعيّة!
الصورة التونسّية، تفاؤليّة أكثر، ربّما أيضاً لأنّها تبدو كذلك عن بعد!

علّة التفاؤل هي إستقلاليّة الفضاء السياسيّ عن الفضاء الأمنيّ، وإنطلاقة المشاركة السياسيّة.
لكن الأكثر مدعاة للتفاؤل هو بروز أفق حقيقيّ لثنائيّة "حزبية" استقطابيّة بين إسلاميي "حركة النهضة" من جهة، وبين الشتات "العلمانيّ – الليبراليّ".

وفي هذه النقطة يبدو المشهد التونسيّ متقدّماً حتى على تركيا، فمع كون السمة "الأوروبيّة" للمعاش بادية في القسم العلمانيّ من المجتمع التركيّ أكثر مما في تونس، إلا أنّ العلمانيين الأتراك لم ينجحوا في الإنضواء ضمن حساسيّة يمكنها انتزاع السلطة مجدّداً من "حزب العدالة والتنميّة" الإسلاميّ، الأمر الذي يجعل الأخير أكثر فأكثر "حزباً مهيمناً" لفترة مزمنة، وهذه ليست علامة ديموقراطيّة، مع كونه حزباً لا يواجه إلى الآن خصماً مدنياً، بقدر ما يواجه ما بقي من ممانعة المؤسسة العسكريّة الأمنيّة.

أمّا في تونس، فثمّة بداية موفّقة لظهور الثنائية التي تحتاجها الديموقراطيّة التمثيليّة لتكريس تداول السلطة.
هذا مع التنبيه، إلى أنّ "النهضة"، ومع كونها أكثر التشكيلات الإخوانيّة العربيّة قرباً من النموذج الأردوغانيّ، فهي لا تزال بعيدة عن ايفاء شروطه.
فـ"العدالة والتنميّة" التركيّ حزب متواصل مع تراث الإصلاحيّة الإسلاميّة في الفترة العثمانية المتأخّرة، أي التراث الذي دار أساساً حول منطلقين: المواطنيّة، والدستور.

و"العدالة والتنمية" حزب متواصل، بنقديّة (وبديماغوجيّة أيضاً) مع القيم العلمانيّة الجمهوريّة الكماليّة. لا هو يرتجي "إحياء خلافة"، ولا "إحياء حدود". هو إحيائيّ طبعاً من جهة "النسب الأخوانيّ" لمؤسسيه، أي من جهة إستعادة المفهوم الحديث، الإخوانيّ، لـ"الدعوة"، لكن فقط في إطار "إحياء الفروض"، أو "إحياء المشترك الثقافيّ" بين المسلمين.

أمّا "النهضة" التونسيّة فما زالت تبحث عن شكل الوصل الصحيح، وليس الخطابيّ فقط، بين الإصلاحيّة العثمانيّة المتأخّرة (خير الدين التونسيّ..) وبين الإحيائيّة الإسلاميّة ما بعد العثمانيّة (حسن البنّا وسيد قطب). والشيخ راشد الغنوشي استعاد في كتابه "الحريّات العامّة في الدولة الإسلاميّة" الصادر عام 1993 مفهوم "الحاكميّة" عن أبي الأعلى المودوديّ وسيّد قطب، إنّما طبعاً لإعادة تركيبه على نحو أكثر براغماتيّة، وراهنيّة.

هذه البراغماتيّة من سمات "النهضة" أكثر من أي فرع إخوانيّ آخر. لكنها السمة التي جعلت الحركة متحمّسة للخمينيّ في الثمانينيات، ثم لأردوغان في العقد الأخير.

بالتالي، مصدر التفاؤل في تونس، ليسَ في أيديولوجيا "النهضة"، بل هو في الثنائية الإستقطابيّة البرلمانيّة التي أتاحتها الثورة والإنتخابات. هذه الثنائية من شأنها أن تسمح بالمشاركة السياسيّة، لكن أيضاً، وهو الأهم، بالتداول على السلطة.

ليس هناك مساحة لتفاؤل مشابه في مصر، فالثنائية الإستقطابية بين الإسلاميين والعلمانيين شيء، وثنائية الإخوان والسلفيين شيء مختلف تماماً. كما أنّ ليبراليي مصر يريدون ملاحقة آخر فلول الحزب الوطنيّ، بدلاً من وراثة جمهور الأخير على الطريقة التي اتبعها الإشتراكيّون الديموقراطيّون في أوروبا الشرقية بعد الربيع هناك، عندما ورثوا قواعد وهياكل الأحزاب التوتاليتارية المنحلّة، علماً أن القاصي والداني يعلم أنّ "الحزب الوطنيّ" المنحل لا عقيدة حقيقيّة له، ولا هرمية توتاليتاريّة فعليّة، لكن فقط الذين يعترفون بالواقع كما هو يعون أنّه لو قدّر لـ"الفلول" خوض الإنتخابات، لما نالوا أقلّ من.. "الثلث"!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل