عندما يتوافق المسيحيون وبخاصة الموارنة، على الالتقاء في الصرح البطريركي في بكركي، وتحت جبّة البطريرك بشارة الراعي وبصره وعنايته وصلواته، للبحث في شؤونهم، كمسيحيين كادوا ان ينقرضوا، وكمواطنين يشكون غبن الشريك الاخر، ترتفع اصوات البعض منددة بهذه اللقاءات «الطائفية»التي تباعد بين اللبنانيين وتخلق شرخا بينهم من شأنه ان يهدد صيغة العيش المشترك، وسرعان ما ترتفع نبرة هذه الاصوات عندما يتسرّب ان المجتمعين في بكركي، بحثوا في مشروع اللقاء الارثوذكسي لقانون انتخابات جديد يسمح للمسيحيين بان يوصلوا الى المجلس النيابي النواب المسيحيين الذين يشكلون نصف عدد نواب المجلس، بينما اليوم بالكاد يوصلون اربعين او خمسة واربعين نائباً، والباقي تتكفل الطوائف الاخرى برعايتهم وايصالهم الى المجلس النيابي، اعضاء في كتلهم النيابية وحجة هؤلاء المعترضين المتأسفين والباكين على صيغة العيش المشرك، والمتألمين لارتفاع نبرة المسيحيين الطائفية ان حجم المسيحيين العددي، لا يسمح لهم بالمناصفة، لا في مجلس النواب، ولا في وظائف الدولة من الفئة الاولى، واذا كان الطائف قد اعطاهم هذا الحجم «المنفوخ» حفاظا على صورة العيش المشترك فيجب الا يعني هذا السماح لهم «بمدّ ايديهم الى الخرج» الطائفي، وتركهم يطالبون بما هو ليس من حقهم، وبالتالي فان صيغة العيش المشترك تتأمن بمشاركة المسلمين في اختيار النواب المسيحيين، وتتأمن في انتزاع وظائف من الفئة الاولى، كانت الى زمن بعيد من نصيب المسيحيين، وتتأمن اكثر في انتزاع صلاحيات من رئيس الجمهورية، وتوزيعها على الطوائف الاخرى، لان المسيحيين لم يعودوا يملكون الاكثرية العددية التي كانت لهم منذ اقل من ثلاثة عقود، فهل هذا المنطق يا ترى، منطق وطني حريص على الوحدة الوطنية وعلى صيغة العيش الواحد، ام انه منطق طائفي بامتياز يلبس قناعا وطنياً؟
المسيحيون يعرفون جيداً، انهم خاسرون حتماً في لعبة «الديموغرافيا» ولذلك هم واثقون بان النظام المدني او العلماني القائمان على الغاء الطائفية واعتماد التشريعات المدنية، هما الامثل والافضل لدولة تعددية مثل لبنان والاسلم لصيغة العيش الواحد التي لا تزعجها طائفية من هنا، ومذهبية من هناك، ولكن ما العمل، اذا كان قسم كبير من الشريك المسلم، يرفض رفضاً كاملاً اي بحث في هذا الشأن، ويصرّ على بقاء الاوضاع على ما هي عليه اليوم، ولكنه لا يمانع بالغاء الطائفية السياسية بما معناه يا طويل العمر ان الاكثرية العددية، وهي معروفة اين، تتحكم بالبلد ومفاصله، ومرحباً عيش مشترك.
ازاء هذا الرفض بالثلاثة، انكبّ المسيحيون، يفتشون عن حلول بديلة، فوجدوا ان نظام الكانتونات يعطيهم مساحة ادارة شؤونهم بانفسهم ضمن الدولة المركزية الواحدة، فارتفعت من بعض الشريك الاخر، تهديدات واضحة بان اي خطوة في هذا الاتجاه تعني التقسيم، وتعني استئثار المسيحيين بمناطق لم تكن ملكهم، وستعود الى اهلها بقوة السلاح.
ولما كان المسيحيون قد طلّقوا السلاح والحروب منذ اتفاق الطائف، وسلّموا امرهم وسلاحهم الى الدولة، وما زالوا على هذا النهج حتى الآن، على الرغم من ان دولة ما بعد الطائف عاملتهم على اساس انهم ابناء الجارية، وما تزال في مجالات عدة، رأوا ان اتفاق الطائف ينص على انشاء اللامركزية الادارية الموسعة، وعلى انشاء مجلس للشيوخ ضمن القيد الطائفي، ومجلس نيابي خارج القيد الطائفي، ووجدوا ان هذه النصوص طاقة امل تحمي وجودهم الحر المهدد في اي وقت خارجياً وداخلياً، فطالبوا مراراً وتكراراً بتنفيذ اتفاق الطائف، تنفيذا صحيحا وكاملا، وليس تنفيذا استنسابياً اعرج كما هو اليوم، وهم يأملون ان تتاح امام رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، فرص تنفيذ اتفاق الطائف كما سبق له ووعد، بعد نجاحه في اعادة الحق لاصحابه من اللبنانيين المنتشرين باسترداد جنسيتهم اللبنانية.
حتى هذه المطالب المشروعة، لم تجد طريقها الى النور، بعد اكثر من ثلاثين سنة على اقرارها من مجلس النواب، واعتمادها نصوصا دستورية، وكأن هناك قوة خفية تحول دون تنفيذ خطوات معينة تريح المسيحيين، وتخفف من قلقهم.
* * *
طرح اللقاء الارثوذكسي الذي يختصر بان تنتخب كل طائفة نوابها وعلى قاعدة النسبية، سقط على المسيحيين، كسقوط المطر على ارض يابسة، وعلى الرغم من خلافاتهم السياسية والشخصية، لم يستطع احد من القيادات المسيحية المجتمعة في بكركي، رفض هذا الطرح الذي يصيب اكثر من هدف بحجر واحد، الهدف الاول، ايصال 64 نائبا مسيحيا الى مجلس النواب باصوات الناخبين المسيحيين دون سواهم، وبذلك تتحقق المساواة عملياً وليس ورقياً، والهدف الثاني ان الطوائف الاخرى التي تختار نوابها ايضا على قاعدة النسبية، باستطاعتها ان تحقق صيغة العيش الواحد داخل مجلس النواب بالتحالف مع نواب مسيحيين، ما ينعكس اراتياحا لدى الاوساط الشعبية، وليس كما يحاول البعض ان يخوّف الاخرين بان هذا الطرح سيحمل المتطرفين من كل طائفة الى مجلس النواب، والكل يعرف انه لم يعد هناك مكان لمتطرفين في المجلس بوجود العدد المحرز من المتطرفين اليوم. اما الهدف الثالث والاهم، فهو ان كل طائفة اســتنادا الى هــذا القانون، في حال تمت الموافقة عليه، ستنــتخب القيادي الذي يحمل همومها ومطالبها، ولن يضيع ضعف هذا وقوة ذاك، في اصوات اخرى تصّب لمصلحة هذا او ذاك، وربما سيكون هذا السبب وراء افشال هذا الطرح الذي يكشف قوّة فريق او حزب، ولنا عودة الى هذا الموضوع.