صحيح، هناك مشكلة لبنانيّة معقّدة جداً، و"الربيع العربي" زادها تعقيداً، ودفع بها في اتجاه الانفجار. وكلام الرئيس نبيه برّي في صددها أصاب الهدف. وفي محلّه. والحاضر يعلم الغائب.
ثمّة هواجس مسيحيّة متراكمة منذ أمد بعيد، وليس في لبنان وحده. بل هناك قلق مسيحي، وقلق أقليّات، لا يحتاج إلى شرح يطول. فهو واضح الأسباب. ومنتشر على امتداد العالم العربي.
ولا بدّ، ولا مهرب، ولا منجاة من حلّ متكامل، قابل للتنفيذ ويستند إلى المصلحة الوطنيّة في ضوء تركيبة الطوائف الثماني عشرة، ويؤمّن بصورة دقيقة المساواة والعدالة والانصاف، مع الضمانات العمليّة والواقعيّة.
كل ما يبحث عنه الارثوذكسيّون لا يتعدّى حقّهم الوطني والقانوني والشرعي… والذي امتدّت إليه أيدي المتسلّطين واعتبره بعض النافذين من حصّتهم.
ولو كانت دنيا لبنان، ومَن حوله، بخير، لكان الارثوذكس أوّل مَنْ نادى بفصل الدين عن الدولة، والعلمنة، والزواج المدني، وكل ما جاء في مبادئ انطون سعادة التي تنصّ على منع رجال الدين من التدخّل في السياسة.
لكن المسألة ليست هنا بكل تفاصيلها.
إنما هي حيث أشار الرئيس برّي في مصارحة تُسجَّل له، وضع خلالها الأصبع على الجرح حين دعا للتعامل مع المشروع الأرثوذكسي للانتخابات، بعدما تبنّاه لقاء بكركي لاحقاً.
في رأي رئيس المجلس وبعض المتفهّمين والعقلاء أن هذا الطرح، أو هذا الاقتراح، ما كان ليكون لولا المناخ السياسي الشديد الوطأة في الداخل اللبناني، وعلى امتداد المنطقة.
والسبب الأهم أن جملة من الهواجس المتراكمة، "فضلاً عن التجارب الانتخابيّة السابقة غير المشجّعة"، أيقظت القلق المسيحي وقلق الأقليّات الأخرى.
والنموذجان اللذان ضاعفا نقزة المسيحيّين والأقليّات يتمثّلان في ما يحصل في مصر منذ فترة طويلة وما تعانيه الطائفة القبطيّة هناك، إضافة إلى ما شهده العراق منذ أشهر على الصعيد المسيحي، فضلاً عن الواقع المسيحي في لبنان الذي يكاد يصبح اشاعة.
إذاً، ليست القصّة قصة أرثوذكس معروفين منذ مئات السنين بانفتاحهم وترفّعهم، مثلما هم معروفون بتاريخهم وثقافتهم الدينيّة والدنيويّة البعيد كل البعد عن التطيّف.
بل هي تماماً، وتحديداً، كما شرحها نبيه بري.
عندما يكون موضوع النقاش يتّصل مباشرة بالقلق المسيحي والهواجس المسيحيّة، في ضوء تطوّرات المنطقة وعناوينها، يصير الأمر جدّياً، ويتطلّب معالجة سليمة "من خلال اجتراح حلّ متكامل يساهم في طمأنة المسيحيّين وجميع اللبنانيّين".
أما الذين تنافسوا في رشق الأرثوذكس بالتهم الباطلة، فنحيلهم على عين التينة.