بين تفجير طرابلس واستهداف مشروع رفيق الحريري
من يستنزف السُنّة في لبنان؟
هل ثمة من يريد استجلاب فتنة بين الجيش والطائفة السنية؟ بل الإيقاع بين الأمن الشرعي والسُنة؟
السؤال له مبرراته، فاستناداً الى مسلسل الأحداث الذي يضرب البلد منذ مطلع شهر أيار الفائت، مروراً بأحداث طرابلس، وآخرها التفجير الإرهابي المروع الذي استهدف بالأمس حافلة مدنية تقلّ عسكريين الى مراكز عملهم، توحي بأن ثمة من يخطط لضرب الجيش بالطائفة السنية منذ أن احتضنته في معركته صيف العام 2007 ضدّ تنظيم "فتح الاسلام" يوم حقق انتصاره المعروف بالرغم من الخطوط الحمر المعروفة أيضاً، وذلك بهدف إضعاف الجيش بإفقاده النصاب الوطني الجامع، ودفع السنة الى أحضان الأمن الذاتي لتبرير سلاح المليشيات الموجود.
المزاج السني وسيناريو الاستنزاف
إذاً، ثمة إحساس يضاهي القناعة رسوخاً لدى أهل السنّة في لبنان، أي عند النخبة التي تعكس مزاج هذه الطائفة، بالاستهداف والابتزاز والاستنزاف، جراء ما نالهم ولا يزالون يتعرضون له، من اغتيالات وتفجيرات أمنية واعتقالات وتوقيفات تبدأ بشبهات معينة ولا تنتهي. وفي أحاديث هؤلاء، أي النخبة التي تعكس المزاج السني، قناعة موازية للشعور بالاستهداف بأن الارباكات المتتالية في ساحتهم انما هي بأفق دفع السُنة الى التخلي عن دورهم التاريخي في حفظ التوازن الوطني وصون الصيغة اللبنانية وعيشها الواحد عبر تصويرهم طرفاً داخلياً يسعى الى التسلح رداً على الاستفزاز المسلح، والى الحماية الذاتية رداً على فوضى الميليشيات.
في تقدير هؤلاء أن الفتنة التي تعرضت لها بيروت مطلع شهر ايار الفائت بواسطة مسلحي "حزب الله" ودائرين في فلكه، ثم انتقلت الى البقاع قبل أن تحطّ رحالها في عاصمة الشمال، طرابلس التي لا تزال تشهد فصولاً متتالية من التفجير الأمني بواجهة مذهبية حيناً كما في مواجهات باب التبانة وجبل محسن او باللعب على وتر العلاقة بين المجتمع والمؤسسة العسكرية حيناً آخر كما في تفجير الأمس أو التفجير الذي استهدف مركزاً عسكرياً في منطقة العبدة مطلع شهر حزيران الفائت، إنما تهدف الى أحد أمرين: دفع أهل السنّة الى "التَمَليُش" بديلاً من الدولة وثانياً، التحريض على الزعامة السنية الوطنية المتمثلة بالنائب سعد الحريري، بما هو حامل المسؤولية التاريخية للسُنة المتمثلة بمشروع الرئيس الشهيد رفيق الحريري القائم على بناء الدولة الحديثة ورعاية الاعتدال ونبذ التسلح والتطرف. إذاً، يضيف هؤلاء ان ثمة محاولات عدة لاستدراج السنة الى فتنة داخلية تقود نحو حرب اهلية ربما من باب التحريض المذهبي، أو في تقدير أقل ان هكذا خطوة منهم تسمح بـ"شرعنة" السلاح الميليشوي الذي من المفترض مناقشته في مؤتمر الحوار الوطني المرتقب.
مشروع الرئيس الشهيد
وفي رأي هؤلاء، أي النخبة التي تعكس المزاج السنّي، لم يكن اختيار مكان التفجير الأمني في طرابلس، سواء بين باب التبانة وجبل محسن أو تفجير الأمس، والذي حصد في الحالتين عشرات القتلى وخلّف مئات الجرحى وآلاف العائلات المشردة، عشوائياً، ذلك أن عاصمة الشمال تمثّل المركز السني الأول في لبنان، أي الثقل السنّي الرئيسي، وبواسطته مع بقية أقضية الشمال انتزعت قوى 14 آذار أكثريتها النيابية في العام 2005. وهي الى كونها عرين "تيار المستقبل" وزعيمه سعد الحريري، القوة المرجّحة باتجاه رفد خيارات هذا التيار بدعم دولة الاستقلال الثاني، وضمانة الانتماء العربي الى لبنان في وجه موجة الاستلاب المتسلل الى هذا البلد تحت لبوس شعارات اسلامية وقومية. وبالتالي فإن أي حرب استنزاف بحق هذه المنطقة وأهلها، سواء بالضغط الأمني أو الارباك بالفتنة الداخلية، إنما هو بأفق تغيير المعادلات السياسية القائمة لمصلحة خصوم هذا التيار على مشارف الانتخابات النيابية. وهو (أي الضغط) قبل ذلك وبعده لإخراج هذه الطائفة من موقعها المركزي، والطبيعي، في معركة الاستقلال ودورها كضمانة للتوازن الوطني ورعاية الصالح العام.
وفي هذا المقام، تستحضر هذه الأوساط، فصولاً من "تاريخ طويل" لحرب نظام دمشق خلال فترة الوصاية على مرجعية قريطم، ودائماً على خلفية نزعتها الاستقلالية وتمسكها بمشروع الدولة، فهذا النظام لطالما مارس مع الرئيس الشهيد دوراً تعطيلياً لمنع استكمال تطبيق اتفاق الطائف، أو تطبيقه انتقائياً بما عطل مسيرة الدولة، وعاق تنفيذ رؤيته لبناء الدولة وتفعيل المؤسسات وإطلاق العمل الديموقراطي وصولاً الى جريمة 14 شباط 2005 الارهابية. وهو (أي النظام السوري) مع محاور اقليمية أخرى ووكلاء هؤلاء في الداخل لا يزال يجهد لاستهداف النائب الحريري وزعامته الوطنية بعناوين جديدة ـ قديمة.
الحريري وتأكيد رفض الفتنة
وإذا كانت قيادة الجيش أشارت في بيان مقتضب أمس إلى أن "الانفجار الارهابي (..) يصب في خانة الاستغلال الواضح من الارهاب لتداعيات السجالات السياسية الحادة"، فإن من نافل القول ان مسارعة النائب الحريري الى إدانة جريمة طرابلس، ووضعها في إطار "محاولة زرع الفتنة بين الجيش وأهل طرابلس"، ودعوته أهالي المدينة والشمال الى التمسك بالجيش والقوى الأمنية، وتشديده على ان "الدولة وحدها تحمينا"، هو تماه طبيعي مع قناعاته السياسية ومع الدور الوطني والاسلامي الذي ورثه عن والده الرئيس الشهيد في رعاية الاعتدال ورفض الفتنة والتمسك بالسلم الأهلي والعيش المشترك. لكن الصحيح أيضاً أن مسؤولية معالجة جذور التأزم الكبير الذي يعاني منه الشمال، ليس مسؤولية فردية فقط، فللدولة دور رئيس في إشاعة دفء المواطنية بين أبنائها وهي المسؤولة عن غياب التنمية الذي يورث القلق الموصل الى تبني نهج التطرف أو الانسياق الى دوامة التوتير والعنف أو الانزلاق في حالة الاستقطاب المذهبي القائم، ولا تنفع محاولات التلطي خلف العبارات للتقليل من خطورة ما جرى ويجري أو الهروب الى الأمام في نسج مبررات له.
تحديات نزع فتيل التفجير
هل يعني هذا الكلام ان الساحة السنية عصية على ولوج أصحاب المشاريع المشبوهة إليها عبر ثغرات من داخلها؟ قطعاً لا، تجيب الأوساط التي تعكس المزاج السنّي، وتضيف "ان على العقلاء ادراك أن جهات عدة، داخلية وإقليمية، باتت تدرك جيداً أبعاد استمرار القلق الشبابي السني في بعض مناطق لبنان، وفي الشمال خصوصاً، وهي تحاول الافادة منه استغلالاً وابتزازاً وتوظيفاً سياسياً، كما فعل نظام الوصاية من قبل، لكن المسؤولية الأولى والأخيرة تقع على عاتق الجهات السنية الرسمية والمدنية والسياسية لتفهم هذه الظاهرة وتستوعبها وتحول دون استغلالها للشرذمة والابتزاز والمتاجرة".
التأزم السياسي والتوتير الأمني وغياب المعالجات وفقدان الأفق، تحديات مصيرية، ولا يمكن الصبر عليها، واستنزاف الوقت والطاقات والأرواح والامكانات في غير المكان المناسب في مكابدة هذه الحالات التي غالباً ما تنتهي إما بكوارث، للمسلمين السنّة، أو بحلول مؤقتة على حسابهم أيضاً فيما أصل المشكلة يظل جاهزاً للانفجار.