#dfp #adsense

2023 عام التضخّم الأعلى والأزمات

حجم الخط

كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1749

2023 عام التضخّم الأعلى والأزمات

الفوضى تسابق التجّار و”التأقلم” يحاصر اللبنانيين

أثبتت أشهر العام 2023 المشرف على نهايته، أنها كانت الأكثر حدّة على الصعيدين الاقتصادي والمعيشي مقارنة مع ما كانت عليه السنوات السابقة بعد تدهور الوضع في نهاية العام 2019. فمؤشر الأسعار سجّل أعلى نسبة له في العام الحالي 2023 والتي بلغت لغاية تشرين الأول 223.7 في المئة. ومقارنة مع السنوات السابقة فمعدل التضخم السنوي لأسعار الاستهلاك عن العام 2022 كان 162.47 في المئة، وفي العام 2021 سجّل 144.22 في المئة، في حين أنه لم يتعدَّ الـ84,9 في المئة في العام 2020. وإذا كانت هذه النسب لا تتناول العديد من بنود الإنفاق، فإن شمولها كل نواحي الاستهلاك يجعل نسبة التضخم أعلى والتأزم المعيشي أكبر والواقع الاقتصادي في غير الأفق المرتجى له لخروج اللبنانيين من دوّامة الأزمة. وإنّ عرضاً لهذه النواحي على مدى العام يبيِّن مدى الخلل البنيوي في الاقتصاد اللبناني، ومدى الحاجة إلى معالجات سريعة وناجعة، عسى أن يحملها العام 2024 فيكون أقل ضيقاً وأكثر أملاً بانفراجات قريبة..!

حقق مؤشر أسعار الاستهلاك في لبنان ارتفاعًا ظاهرًا خلال العام الحالي نتيجة تضافر عناصر عدّة منها غياب الثقة بالأمان المعيشي، والفوضى بسبب غياب الدولة بمعنييها المؤسساتي والعملي. واللافت أنّ هذا الارتفاع حصل بنسبة كبيرة على الرغم من الاستقرار النسبي في سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الليرة، بعد انخفاضه منذ الربع الثاني من العام، وهذا ما يشير الى عوامل التضخّم الأخرى. من هذه العوامل مثلاً إجراءات وزارة المالية المتعلقة باحتساب الضريبة على القيمة المضافة والدولار الجمركي على سعر منصة صيرفة. لكن تقريراً صدر عن البنك الدولي، أكد أن حتّى هذه الإجراءات لا تبرر هذا الارتفاع.

 

توالي السنوات والعقبات

يستخدم الاقتصاديون تعبير Adjustment”التأقلم”، لوصف واقع تعاطي اللبنانيين مع الأزمة خلال العام الحالي. ويلفتون إلى أن ما نعتقده من عودة تدريجية إلى ما يشبه حياتهم اليومية السابقة، ليس إلا من قبيل هذا «التأقلم»، ولا يمكن إدراجه في سياق عودة الحياة إلى طبيعتها، لأن كل المؤشرات تدل على ارتفاع التضخم وزيادة التعثّر وضيق آفاق الحلول لا سيما مع استمرار تداعي المؤسسات وسقوطها وضحالة ما يجري البحث عنه من حلول.

فالعام 2023 حقق رقماً قياسياً في حشد كل ما يعيق العودة الطبيعية لدوران عجلات الاقتصاد. فهو امتداد لحقبة الشغور الرئاسي القاطرة خلفها شغورات متوالية في أكثر من موقع، أو إشغال لها بالإنابة، ما لا يصح في مسارات بناء المؤسسات والقطاعات. وقد عرف العام الحالي فراغاً في الموقع الأكثر حساسية بالنسبة إلى المواطنين وهو حاكمية مصرف لبنان المشغولة حاليا بالإنابة، وسط شلل في السلطات كافة. وما شاءت الظروف أن تبقى الحال على هذا القدر من القلق والسوء فجاءت الحرب في الجنوب لتقضي على انطلاقة الموسم السياحي وآماله بانفراجات وعائدات ولو محدودة، كما جاء مشروع قانون موازنة 2024 ليقضي من جهته على آمال الشركات بجرعة أوكسيجين للاستمرار بدلاً من طعنة أخرى تزيد النزف، تمثّلت برفع الضريبة عليها إلى ما لا طاقة لها على تحمّله.

بهذه الخفّة يتمّ التعاطي مع وضع اقتصادي ومعيشيّ أقل ما يُقال فيه إنه كارثي ولا يحتمل التعاطي السطحي أو تقديم المصالح الخاصّة على الصالح العام. وفيما واصلت الأسعار ارتفاعها وكذلك الرسوم والمستلزمات الحياتية كافة، لم تحظَ الأجور بالقدر الموازي من الارتفاع مما وسّع الهوة بين المداخيل والمصاريف وزاد أعداد الداخلين إلى ما دون خط الفقر.

يحصل كل هذا في ظل شبه غياب للتقديمات الاجتماعية والصحية وسواها من الأساسيات. حتى ما كان قد تم تقديمه من محفّزات على الرواتب والأجور تآكل بفعل التضخّم الذي واصل ارتفاعه باطراد خلال أشهر العام. وحتى من كان يشفع بهم تقاضيهم رواتبهم بالفريش دولار ما عاد لهم ذاك الامتياز بعدما باتت كل المدفوعات غير مدعومة وتُحتسَب على سعر السوق، والفوضى تسابق التجّار على رفع الأسعار.

 

ثاني أعلى نسبة تضخّم

بتحليل نسب ارتفاع الأسعار خلال العام يتبيّن أنّ آذار كان الأعلى تضخّمًا، وذلك بعد بدء رفع التعرفات واعتماد سعر السوق للعديد من المدفوعات، ولا سيما رفع الدولار الجمركي من 15 ألف ليرة إلى 45 ألفاً، بهدف تأمين التمويل اللازم لزيادة بدل النقل اليومي لموظفي القطاع العام والعسكريين والمعلمين، ما دفع الأسعار بقوة إلى الارتفاع. والجدير بالذكر أنّ هذا التعديل كان الثاني لسعر صرف الدولار الجمركي خلال 3 أشهر، بعدما جرى رفعه مطلع كانون الأول الماضي من 1500 ليرة إلى 15 ألف ليرة. وساهم في الزيادة خلال حزيران ارتفاع مؤشر “ماء وغاز وكهرباء ومحروقات أخرى”، وذلك بسبب تسعير اشتراك مياه وكهرباء الدولة على التعرفة الجديدة. وفي تموز ساهم ارتفاع مؤشر “الخدمات الطبية والاستشفائية”، في الزيادة المحقّقة. فيما ساهم في الارتفاع المسجل في تشرين الأول تصاعد مؤشر التعليم، حيث يتم تجميع أسعار بند التعليم مرة واحدة سنوياً في هذا الشهر.

أما اللافت فهو أن لبنان سجّل خلال العام 2023 ثاني أعلى نسبة تضخّم إسميّة في أسعار الغذاء حول العالم، وتحديداً في الفترة الممتدّة بين بين حزيران 2022 وحزيران 2023، والتي بلغت 304 في المئة، مسبوقاً من فنزويلا التي سجلت 414 في المئة. وفي الأشهر الأولى من هذا العام بدأ اعتماد سعر السوق الموازية للدولار في متاجر المواد الغذائية الكبرى كسعر صرف معتمد للسلع المباعة للمستهلكين.

وتوضيحًا لذلك ورد في تقرير للبنك الدولي، حول “تزايد انعدام الأمن الغذائي في العالم”، تربُّع لبنان على عرش قائمة الدول العشر الأكثر تضرّراً من تضخم أسعار الغذاء، حيث احتلّ المرتبة الأولى بين عشرة بلدان بنسبة تضخم سنوية بلغت 139 في المئة. وأشار التقرير إلى أن لبنان من الدول القليلة حول العالم التي ارتفع فيها معدل تضخم أسعار الغذاء في العام 2023 بوتيرة شهرية وبنسب تزيد عن 30 في المئة.

ووفقاً لبرنامج الأغذية العالمي فإن 46 في المئة من الأسر اللبنانية تعاني من انعدام الأمن الغذائي، حيث تشعر بالقلق إزاء الحصول على ما يكفيها من المواد الغذائية. وكشف البرنامج “انّ معدّلات التضخّم المرتفعة، إضافةً إلى صعوبة الحصول على الخدمات الأساسيّة وتصاعد التوتّرات الاجتماعية نتيجة الأزمة الاقتصادية التي يمرّ بها لبنان، لا تزال تزيد من مستويات الفقر العالية وانعدام الأمن الغذائي في البلاد”.

 

الاعتمادات والتعرفات والمحروقات

التكاليف الصحية التي تمثل نحو 8 في المئة من المؤشر ارتفعت بدورها خلال العام بنسبة 257 في المئة. وفي المقابل ضاعف الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي قيمة تقديماته الدوائية والاستشفائية والتي شملت 670 دواء تضاعفت “تعرفاتها” 15 مرة، وأدوية “البرند” 12 مرة ومعاينة الطبيب من 50 ألف ليرة الى 450 ألفاً وإقامة المستشفى من 90 ألفاً إلى 850 ألفاً. وشهد العام التحضير لتقديم خدمة تأمين صحي لتغطية المرضى في المستشفيات الحكومية والصغيرة. وقد حوّلت وزارة الصحة 36 مليون دولار للرعاية الصحية الأولية، وعملت خلال العام لمنح زهاء 200 ألف مريض بطاقة صحية بدعم من البنك الدولي.

وعلى الرغم من المساعي الخجولة التي تحاول سدّ الفجوات والتخفيف من حدة السقوط، وُصِف القطاع الصحّي بأنه “يواصل انهياره البطيء والمستمر”، إذ لا يمكن أن يكون القطاع الصحّي بمنأى عن باقي القطاعات التي تتهاوى تباعاً. يُضاف إلى عجزه وفقدان العديد من أصناف الدواء، دخول الأدوية المزورة والمغشوشة إلى الأراضي اللبنانية من دون حسيب أو رقيب. وبرأي نقيب أصحاب المستشفيات الخاصة سليمان هارون “نحن نواجه مشكلتين، تتمثل الأولى بالعائق المادي، فبعد رفع الدعم عن المستلزمات الطبية وارتفاع الدولار بشكل كبير ارتفعت الفاتورة الاستشفائية بحدّة جنونية أي بمعدل 20 مرة أعلى مما كانت عليه سابقاً على الليرة اللبنانية”.

وعلى صعيد المحروقات فقد كان سعر صفيحة البنزين، في بداية العام، عند مليون و5 آلاف ليرة بزيادة 48 ألف ليرة عما كانت عليه قبل نهاية العام 2022، ووصلت في نهاية العام الحالي إلى مليون 529 ألف ليرة. والمازوت من مليون و55 ألف ليرة إلى مليون و521 ألف ليرة. والغاز من 643 ألف ليرة إلى 939 ألف ليرة.

 

المعاشات والأجور… والموازنة

افتُتِح العام 2023 برفع الحدّ الأدنى للأجور وبدل النقل، وفي نيسان أقرّت الحكومة زيادة رواتب القطاعين العام والخاص وسط مخاوف من تكرار سيناريو التضخم. وجاء ذلك على وقع الاعتصامات والاحتجاجات في محيط السراي الحكومي، ورفض العسكريين المتقاعدين وموظفي القطاع العام والأساتذة للصيغة الحكومية المطروحة، فأقرّت زيادة رواتب موظفي القطاع العام أربعة أضعاف، بالإضافة إلى الراتبَين اللذين أُقرا في السابق، وتعديل بدل النقل اليومي ليصبح 450 ألف ليرة. كما رفعت الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص إلى 9 ملايين ليرة أو حوالى 150 دولاراً بحسب منصة صيرفة في حينه. وهذا ما رفع كلفة القطاع العام إلى 76 ألف مليار ليرة في حين كان مجموع الإيرادات 40 ألف مليار.

لكن على الرغم من هذه الزيادات على الأجور والمداخيل على أنواعها، إلا أنها ظلت أدنى بكثير من الزيادات المحقّقة على أسعار السلع والتكاليف المعيشية الأخرى. وهذا ما دفع الوضع المعيشي للبنانيين إلى مزيد من التقهقر خلال العام. وقد زاد في الطين بلّة ما حمله مشروع موازنة العام 2024 الذي أنجزته الحكومة في أيلول وتضمّن بنوداً عشوائية لا تلبي رغبات المواطنين مثل زيادة الضرائب، ولا تطلعات الشركات والقطاعات المنتجة كزيادة الرسوم على الأعمال بما يدفع الشركات إلى التهرّب الضريبي أو إلى الهروب باتجاه مواطن أكثر عدالة ومحفزات. والجدير بالذكر أن موازنة العام 2023 لم تُقرّ بعد في مجلس النواب.

وظلّ حدث العام المالي مغادرة رياض سلامة حاكمية مصرف لبنان وتسلّم نائبه وسام منصوري الحاكمية بالإنابة. كان توقّع كثيرون أن تؤدي مغادرة سلامة البنك المركزي إلى انهيار أكبر في سعر الصرف، لكن السعر استقر في الأشهر الأخيرة من العام في حدود الـ89 ألف ليرة للدولار. وراح منصوري يجري بعض التعديلات في السياسة النقدية السابقة كتعليق العمل بمنصة صيرفة والاتجاه إلى تعليق العمل أيضاً بالتعميم 151 الذي يجيز السحب من الودائع الدولارية بالليرة اللبنانية. وترافق ذلك مع ورشة مصرفية قد تنتهي إلى خروج مصارف من السوق واستحواذ أخرى، لكنها ورشة قد تمتد للعام المقبل أو ما بعد، خصوصاً أن دون عودة القطاع المصرفي إلى سابق عهده صعوبات ومعوقات.

 

عرض مقارَن لحال تطور مؤشر أسعار الاستهلاك في لبنان عن 10 أشهر من العام 2023:

• كانون الثاني: سجل ارتفاعاً بنسبة 8,43 في المئة مقارنة مع كانون الأول 2022، وبنسبة 123,53 في المئة مقارنة مع كانون الثاني 2022. واحتلت محافظة النبطية المرتبة الأعلى، والجنوب المرتبة الأدنى.

• شباط: سجل ارتفاعاً بنسبة 25,52 في المئة مقارنة مع كانون الثاني، وبنسبة 189,67 في المئة مقارنة مع شباط 2022. واحتلت محافظة النبطية المرتبة الأعلى وجبل لبنان الأدنى.

• آذار: سجل ارتفاعاً بنسبة 33,27 في المئة مقارنة مع شباط، وبنسبة 263,84 في المئة مقارنة مع آذار 2022. واحتلّت محافظة الشمال المرتبة الأعلى والجنوب الأدنى.

• نيسان: سجل ارتفاعاً بنسبة 8,55 في المئة مقارنة مع آذار، وبنسبة 268,78 في المئة مقارنة مع نيسان 2022. واحتلت محافظة بيروت المرتبة الأعلى والنبطية الأدنى.

• أيار: سجل ارتفاعاً بنسبة 5,35 في المئة مقارنة مع نيسان، وبنسبة 260,21 في المئة مقارنة مع أيار 2022. واحتلت محافظة بيروت المرتبة الأعلى والجنوب الأدنى.

• حزيران: سجل ارتفاعاً بنسبة 7,21 في المئة مقارنة مع أيار، وبنسبة 253,55 في المئة مقارنة مع حزيران 2022. واحتلت محافظة بيروت المرتبة الأعلى والنبطية الأدنى.

• تمّوز: سجل ارتفاعاً بنسبة 6,8 في المئة مقارنة مع حزيران، وبنسبة 251,5 في المئة مقارنة مع تموز 2022. واحتلّت محافظة جبل لبنان المرتبة الأعلى والنبطية الأدنى.

• آب: سجل ارتفاعاً بنسبة 0.9 في المئة مقارنة مع تموز، وبنسبة 229,8 في المئة مقارنة مع آب 2022. واحتلّت النبطية المرتبة الأعلى والشمال الأدنى.

• أيلول: سجل ارتفاعاً بنسبة 1,4 في المئة مقارنة مع آب، وبنسبة208,5  في المئة مقارنة مع أيلول 2022. واحتلّت النبطية المرتبة الأعلى والجنوب الأدنى.

• تشرين الأول: سجل ارتفاعاً بنسبة 17.2 في المئة مقارنة مع أيلول، وبنسبة 215.4 في المئة مقارنة مع تشرين الأول من العام 2022. واحتلّت محافظة جبل لبنان المرتبة الأعلى والنبطية الأدنى.

ولم تكن قد صدرت بعد نتائج شهري تشرين الثاني وكانون الأول، التي تشير الأرقام الأولية إلى أنها لن تختلف عمّا سبقها خلال الأشهر السابقة من العام.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل