السّبت بعد الميلاد
قراءَةٌ من سفرِ الحكمة (7/24-30)
الحكمةُ أَسرَعُ حَرَكَةً مِن كُلِّ متَحرِّك، فهيَ لِطَهارَتِها تَلِجُ وتَنفُذُ في كُل شيَء. فإِنَّها بُخارُ قوَّةِ الله، وصدورُ مَجدِ القَديرِ الخالص،. فلِذٰلكَ لا يشوبُها شيءٌ نَجِس، لأنَّها ضياءُ النُّور الأَزَليَ ومِرآةُ عملِ اللهِ النَّقيَّةُ وصورَةُ جودتِه. تَقدِرُ على كُلِّ شيءٍ وهي وَاحدَة، وتُجَدِّدُ كلَّ شيَءٍ وهي ثابِتَةٌ في ذاتها. وفي كلِّ جيلٍ تَحِلُّ في النُّفوسِ القِدِّيسة، فتُنشئُ أَحبَّاءَ للهِ وأَنبياء، لأَنَّ اللهَ لا يُحِبُّ إِلَّا مَن يُساكِنُ الحِكمَة. إِنَّها أَبْهى مِنَ الشَّمس، وأَسْمى مِن كُلِّ مَركَزٍ للنُّجوم، وإِذا قيستْ بِٱلنُّورِ تقدَمت عليهِ، لأَنَّ النَّورَ يَعقُبُهُ اللَّيل، أَمَّا الحِكمَةُ فلا يَغلِبُها الشَّرّ.
الرّسالة: قول 1: 9ب-20
شخص المسيح وعمله
9 نسألُ الله أن يملأكم من معرفةِ مشيئتهِ، في كلّ حكمةٍ وفهمٍ روحيّ،
10 لتسيروا كما يليقُ بٱلرّبّ في كلّ ما يرُضيه، مثمرينَ في كلّ عملٍ صالح، ونامينَ بمعرفةِ الله،
11 مُتقوّينَ كلّ القوّةِ بحسبِ عزّةِ مجده، بكلّ ثباتٍ وطولِ أناة،
12 وبفرحٍ شاكرينَ الآبَ الّذي أهّلكم للشّركةِ في ميراثِ القدّيسينَ في النّور،
13 وهو الّذي نجّانا من سلطانِ الظّلام، ونقلنا إلى ملكوتِ ٱبنِ محبّته،
14 الّذي لنا فيه الفداء، أي مغفرةُ الخطايا.
أولويّة المسيح
15 إنّه صورةُ الله غيرِ المنظور، بكرُ كلّ خليقة،
16 لأنّه بهِ خلقَ كلّ شيءٍ في السّماواتِ وعلى الأرض، ما يُرى وما لا يُرى، عروشًا كانَ أم سيادات، أم رئاسات، أم سلاطين، كلّ شيءٍ به خلقَ وإليه،
17 وهو قبلَ كلّ شيء، وبهِ يثبتُ كلّ شيء،
18 وهو رأسُ الجسد، أي الكنيسة. إنّه المبدأ، ألبكرُ من بينِ الأموات، لكي يكونَ هو الأوّل في كلّ شيء،
19 لأنّه فيهِ رضيَ الله أن يسكنَ الملءُ كلّه،
20 ويُصالح به الكلّ مع نفسه، مسالمًا بدم صليبه، ما على الأرضِ كانَ أم في السّماوات.
شرح آيات الرّسالة:
9 أف 1/15-17؛ فل 1/9؛ أف 1/9؛ 5/17؛ قول 3/10.
في كلّ حكمة وفهم روحيّ: يشدّد الرّسول على هٰذه المواهب المتعلّقة "بمعرفة مشيئة الله"، لأنّها ينبوع الحياة المسيحيّة العمليّة الأصيلة (1/28؛ 2/2-3، 23؛ 3/16؛ 4/5). وقد تجلّت في شخص يسوع المسيح (2/3)، وينبغي أن تتجلّى في المؤمنين، بسلوك جدير بيسوع المسيح (4/15). يلّح بولس في ترداد الألفاظ المرادفة: "نصلّي – نسأل"، "معرفة – محكمة"، "مثمرين – نامين"، "ثبات – أناة". ويستعمل لفظة "كلّ"، في ثلاث آيات (1/9-11)، خمس مرّات.
10 أف 4/1؛ فل 1/27؛ 1 تس 2/12؛ أف 2/10.
11 اف 1/19؛ 3/16؛ 6/10.
بكلّ ثبات وطول أناة: الثّبات والأناة صفتان ملازمتان لعيش الإيمان إلى ما يفرضه من جهاد متواصل.
12-14 آيات موضوعها دخول المؤمنين إلى الشّركة في الملكوت المسيحانيّ. تركّز على سرّ المسيح الفصحيّ، فتَصلُح أن تكون مقدّمة للموضوع الأساسيّ الكبير (1/15-20). نجد نصًّا موازيًا في رسل 26/18: سلطان الظّلام، انتقال إلى ملكوت المسيح، الميراث، مغفرة الخطايا، الشّركة مع القدّيسين. وهٰذا دليل على تقليد ليتورجيّ مشترك في الجماعة الأولى، في إطار عيد الفصح الجديد، عيد العبور بموت المسيح وقيامته من العبوديّة إلى الحرّيّة، من الظّلام إلى النّور، للاشتراك في ميراث المسيح مع القدّيسين.
12 أف 1/11-13، 18؛ 1 بط 1/4؛ 2/9؛ رسل 26/18؛ 20/32؛ تث 33/3-4؛ حك 5/5.
بفرح: يربطها التّقليد بٱلآية 11، لٰكنّا آثرنا ربطها بٱلآية 12، مع مُجمَل النّاقدين والنّاقلين.
أهَّلكم: نجد ضمير المخاطب الجمع في المجلّد السّينائيّ والفاتيكانيّ ومخطوطات كبرى وترجمات قديمة عدّة. ونجد ضمير المتكلّم الجمع "أهّلنا" في المجلّد الإسكندريّ والغربيّ ومجلّد أفرام، وفي مخطوطات كبرى وترجمات أخرى قديمة: فتردُّد النّاسخين بين المخاطب والمتكلّم (1/7، 12؛ 2/13؛ 3/4) يُظهر بولس إمّا مخاطبًا المؤمنين بٱسم المسيح، واعظًا بسلطان (ضمير المخاطب)، وإمّا مشاركًا للمؤمنين في نِعَم الله عليهم (ضمير المتكلّم).
للشّركة في الميراث: تعبير من العهد القديم، كان يعني القسمة المحفوظة لكلّ أسباط شعب الله في أرض الميعاد، ميراثه (يش 14/1-5). صار يعني، لدى بولس، مشاركة جميع الشّعوب الوثنيّة مع شعب الله في ميراث القدّيسين (أف 1/11-14؛ 2/11-22).
القدّيسين: هم المُعمَّدون المدعوّون إلى العيش على الأرض في نور الخلاص الأبديّ. وهم أيضًا، في العهد الجديد، الملائكة العائشون مع الله في النّور السّرمديّ. راجع شرح رسل 9/13.
13 لو 22/53؛ يو 8/12؛ أف 2/2؛ 6/12؛ متّى 3/17؛ أف 1/6؛ رسل 26/17-18؛ خر 14/30؛ أف 5/8؛ يو 7/12؛ 1 بط 2/9.
ٱبن محبّته: تعبير يذكّر بـ"ابن الحبيب" المعمَّد في الأردنّ (متّى 3/17)، و "بٱلحبيب" الّذي فيه أنعمنا الله كلّ نعمة (أف 1/6)، وقد جُعل بقيامته من بين الأموات ٱبن الله" و"الرّبّ" (روم 1/4).
14 أف 1/6-7؛ روم 3/24.
15-20 نشيد يعلن المسيح أوَّلَ في كلّ شيء: الضّمير الغائب المفرد يعني المسيح، دون أن يسميّه؛ و"كلّ شيء" يعني الخلق والكون أجمع. من حيث تركيبه اللّغويّ، وميزاته الأدبيّة، يُقسَم النّشيد إلى قسمين متوازيين (1/15-18أ؛ 1/18ب-20): يُبدأ كلٌّ منهما بـ "إنّه" (1/15؛ 1/18ب)، ثمّ يعلن المقطع الأوّل أولويّة المسيح الخالق، في نظام الطّبيعة، والثّاني أولويّة المسيح الفادي، المصالح والمسالم، في النّظام الفائق الطّبيعة. ويعلّل كلّ منهما تلك الأولويّة بكلمة "لأنَّ" (1/16؛ 1/19)، ثم يوسّع كلٌّ منهما تلك الأولويّة على نطاق يشمل الخلق أجمع. أمّا من حيث أصله وإطاره الفكريّ والدّينيّ المعاصر فيرى شُرّاح أنّه من أصل إغريقيّ رواقيّ أو غنوسيّ. ويرى أكثرهم أنّه مسيحيّ من وحي "الحكمة"، في العهد القديم: المسيح، كٱلحكمة، صورة الله (حك 7/26)، سابق لكلّ خليقة (مثل 8/22-30) يقود النّاس إلى الله (مثل 8/31-36). وفي العهد الجديد نشيدان آخران يعلنان أولويّة المسيح الشّاملة (يو 1/1-18؛ عب 1/1-4). ربّما كان في الأصل نشيدًا عماديًّا. لٰكنّه في صورته الحالّية، نشيد يحذّر كنيسة قولسّي من التّعاليم الضّالّة، بٱلنّظر إلى المسيح وعلاقته بٱلكائنات السّماويّة العليا.
15 قول 1/18؛ حك 7/26؛ تك 1/26؛ 2 قور 4/4؛ فل 2/6؛ عب 1/3؛ مثل 8/22؛ عب 1/6؛ روم 8/29؛ يو 1/18؛ 1 طيم 6/16.
إِنَّه: حرفيًّا "الّذي هو". وكذٰلك في 1/18ب.
صورة الله: كالإنسان الأوّل (تك 1/26)، ومثل "الحكمة" (حك 7/26). يرى أفلاطون في "الكون" صورة الله، وفيلون في "الكلمة"، وبولس في "يسوع" (2 قور 4/4).
بكر كلّ خلقية: كان للولد البكر، في شعب التّوراة، أولويّة وتكريس وإنعام، بٱلنّظر إلى إخوته (خر 13/11-16)، وللحكمة، بٱلنّظر إلى الخلق كلّه (مثل 8/22). كذٰلك يرى بولس الدّور الأوّل للمسيح يسوع.
16 يو 1/3، 10؛ عب 1/2؛ 1 قور 8/6؛ أف 1/10؛ 1/21.
به خلق كلّ شيء: ترجمة أخرى ممكنة "فيه كلّ شيء خُلِق".
عروشًا: بدل "قوّة" في النّص الموازي (أف1/21). إنّها مراتب سماويّة، وقوّات فلكيّة ملائكيّة، يعدّدها بولس مرّات في رسائله وخصوصًا الرّئاسات والسّلاطين (روم 8/38؛ 1 قور 15/24؛ أف 1/21؛ 3/10؛ 6/12؛ قول 1/16؛ 2/15). كان الأقدمون يعتقدون أنّها تدير الأكوان، طبيعيًّا وروحيًّا، وتحرس شريعة موسى (غل 3/19)، ونظامها (قول 2/15). تلك كانت أيضًا معتقدات أهل قولسّي. لذٰلك يشدّد بولس على ظفر المسيح، في موته وقيامته، على تلك القوّات، غير المنظورة كلّها (فل 2/10-11؛ 1 بط 3/22؛ 1 طيم 3/16؛ مز 110/2).
17 يو 1/1؛ 3/31؛ 8/58.
قبل كلّ شيء: تعني الأسبقيّة والأولويّة معًا.
به يثبت: رأى الفلاسفة الرّواقيّون الكونَ المليءَ بـ "الكلمة" وحدةً إلٰهيّةً متراصّة كاملة. طبّقتها بعض الأسفار الحكميّة على الله الخالق الأوحد (سي 43/26؛ حك 1/7). وطبّقها العهد الجديد على المسيح يسوع (عب 1/3).
18 أف 1/22-23؛ 4/15؛ 5/23؛ رؤ1/5؛ 3/14؛ رسل 4/2؛ 26/23؛ روم 8/29؛ 1 قور 15/20.
رأس الجسد، أي الكنيسة: كلمة "الجسد" وحدها، هنا، قد تُشير إلى الخلق والكون أجمع. لٰكنّ بولس وضع لها "الكنيسة" لغويًّا، بدلًا، فحصر معناها، وأعطى الكنيسة كيانًا شخصيًّا: في روم 12 و1 قور 12، "الجسد" هو جماعة المؤمنين، و"الرّأس" يظهر كأحد أعضاء الجسد (1 قور 12/21)؛ أمّا في الرّسالتين إلى قولسّي وأفسس فٱلمسيح هو رأس القوّات الملائكيّة كافّة، والخلقِ أجمع؛ وبقيامته من الموت صار رأس الكنيسة الّتي هي"جسدُه"، أي ذاتُ كيان شخصيّ كامل وواضح (أف 1/22؛ 4/15-16؛ 5/23؛ قول 1/18).
19 مز 132/13-14؛ سي 24/10-11؛ مر 1/11؛ يو 1/16؛ أف 1/23؛ 4/10؛ قول 2/9.
لأنَّه …الملء كلّه: ترجمة أخرى ممكنة "لأنّ الله رضي أن يسكن فيه الملء كلّه"، حيث كلمة "الله" الفاعل تُعتَبَر مقدّرة في النّصّ اليوناني. آثرنا كلمة "الملء" فاعلًا، في ترجمتنا.
الملء: يستعمل بولس هٰذه الكلمة محدّدة كما يلي: ملء الأمم (روم 11/25)، ملء الشّريعة (روم 13/10)، ملء الأرض (1 قور 10/26)، ملء الزّمان (غل 4/4)، ملء الله (أف 3/19)، ملء المسيح (أف 4/13)، ملء الألوهة (قول 2/9)، أمّا هنا فيستعملها مطلقة، غير محدّدة بٱسم آخر. وقد تعني الكون الملآن من حضور الله الخالق (آش 6/3؛ إر 23/24؛ مز 24/1؛ 50/12؛ 72/19؛ حك 1/7؛ سي 43/27…)، وهٰذا المعنى الكتابيّ مألوف أيضًا في العالم اليونانيّ والرّومانيّ. يسكن هٰذا الملء كلّه في المسيح يسوع كما يسكن الله في جبل صهيون (مز 68/17)، وكما تسكن الحكمة الأرض (سي 24/7، 8، 10؛ با 3/38؛ يو 1/14) فتملأها نعمًا (مثل 8/12-21؛ يو 1/16). ويرى بولس أنّ سرّ تجسّد ٱبن الله، متوجًا بقيامته من بين الأموات، جعل المسيح، بطبيعته الإنسانيّة الممجّدة، رأسًا لا للنّاس فحسب، بل للكون قاطبة. فٱلكون كلّه صار مَعنيًّا بالفداء والخلاص، كما كان مَعنيًّا بالخطيئة والضّلال (روم 8/19-22؛ 1 قور 3/22-23؛ 15/20-28؛ أف 1/10؛ 4/10؛ فل 2/10-11؛ 3/21؛ عب 2/5-8).
21 أف 1/7، 10؛ 2/13، 16؛ روم 5/1، 10؛ 2 قور 5/18-20.
ويصالح به الكلّ: حرفيًّا "ويصالح به إليه". تمّت المصالحة بٱلمسيح وللمسيح، كما تمّ الخلق بٱلمسيح وللمسيح (1/16). ويردّ شُرّاحٌ الضّمير في "إليه" إلى الله الآب (روم 5/10؛ 2 قور 5/18-20).إنّها مصالحة عامَّة تشمل جميع الأكوان، الأرض والسّماء، وجميع الخلائق، الملائكة والنّاس. ولا تعني الخلاص الفرديّ بل الخلاص الشّامل، حتّى يعود كلّ شيء إلى النّظام والسّلام التّامّ بٱلخضوع الكامل لله الآب. أمّا الأفراد العاصون فسيُخضَعون قسرًا: النّاس (2 تس 1/8-9؛ 1 قور 6/9-10؛ غل 5/21؛ روم 2/8؛ أف 5/5)، والكائنات السّماويّة العليا (قول 2/15؛ 1 قور 15/24-25).
بدم صليبه: يُهمل المجلَّد الفاتيكانيّ والغربيّ ومخطوطات كبرى عدّة "به"، ويُثبتها البرديّ 46، والمجلّد السّينائيّ والإسكندريّ، ومجلّد أفرام ومخطوطات كبرى عدّة. وقد يكون النّصّ الأصليّ "به"، ثم أضيف إليه "بدم صليبه".
الإنجيل
نشيد الكلمة المتجسّد
يو 1: 1-18
1 في البدء كان الكلمة، والكلمة كان مع الله، وكان الكلمة الله.
2 كان الكلمة هذا في البدء مع الله.
3 كلُّ شيءٍ به كوِّن، وبغيره ما كوِّن أيّ شيء.
4 كلّ ما كوِّنَ به كان حياة، والحياة كانت نورَ النّاس،
5 والنّور في الظّلمة يسطَع، والظّلمةُ لم تقوَ عليه.
6 كان إنسانٌ مُرسَلٌ من عند الله، ٱسمهُ يوحنّا.
7 جاء يوحنّا هٰذا للشّهادة، ليشهَدَ للنّور، فيؤمنَ الجميعُ على يده.
8 ما كان هو النّور، بل جاء يشهد للنّور،
9 لأنّ النّور الحقيقيّ، الّذي يُنيرُ كلّ إنسان، كان آتيًا إلى العالم.
10 في العالم كان الكلمة، والعالم به كوِّن، والعالم ما عرفه.
11 إلى بيته جاءَ، وأهلُ بيته ما قبِلوه.
12 أمّا كلّ الّذين قَبِلوه، وهم المؤمنون بٱسمه، قفد أعطاهم سُلطانًا أن يصيروا أولاد الله.
13 هُم الّذين، لا من دمٍ، ولا من رغبةِ جسد، ولا من مشيئة رجُل، بل من الله وُلِدوا.
14 والكلمة صار بشرًا وسكن بيننا، ورأينا مجدهُ، مجدَ ٱبنٍ وحيد، آتٍ من الآب، ملآن نعمةً وحقًّا.
15 له يشهدُ يوحنّا، وقد هَتفَ قائلًا: "هٰذا هو الّذي قُلتُ فيه: إنّ الآتي ورائي قد صار قُدّامي، لأنّهُ كان قبلي.
16 أجَل، من ملئِهِ نحنُ كلّنا أخذنا نعمةً تلوَ نعمة.
17 على يد موسى أُعطيتْ التّوراة، وعلى يد يسوع المسيح صارت النّعمة وٱلحقّ.
18 ألله ما رآهُ أحدٌ البتّة: ابنُ الوحيد الله، الكائن في حضنِ الآب، هو الّذي أخبرَ عنهُ.
شرح آيات الإنجيل:
1-18 مقدّمة الإنجيل: يُجمِع الشرّاح على أنّها لا تكوّن نصّا أدبيًّا متماسكًا واحدًا، ويرون أنّ الإنجيليّ ٱتّخذ نشيدًا مسيحيًّا قديمًا، وتوسّع فيه، ثمّ وضعه مقدّمة لإنجيله. ولنا، في العهد الجديد شواهد على وجود مثل تلك الأناشيد في الجماعة المسيحيّة الأولى، ولا سيّما في كنائس آسيا الصّغرى (أف 5/19؛ قول 3/16). ولدينا من مثل تلك الأناشيد بقايا (فل 2/6-11؛ قول 1/15-20؛ 1 طيم 3/16؛ عب 1/1-4).
1- تك 1/1-5؛ يو 8/24؛ 10/30؛ 17/5؛ 1 يو 1/1-2.
1 رؤ 19/13.
في البدء: يذكّر بدء إنجيل يوحنّا ببدء سفر التّكوين (1/1): إنجيل يسوع سفر تكوين جديد. والبدء هنا ليس بدء الخلق والزّمان، بل ما قبل الخلق والزّمان: إنّه وجود الله الأزليّ المطلق، كما يظهر في الآيات (1-2).
الكلمة: هي ٱسم يسوع المسيح، تعبير عن دوره التّاريخيّ الخلاصيّ الفريد (1/18)، وٱسم مألوف في الجماعة المسيحيّة الأولى، ولا سيّما اليوحنّويّة منها (1 يو1/1؛ رؤ 19/13؛ لو 1/2؛ رسل 6/2-4) حيث لا تعني"الكلمة" بشارة يسوع، أو التّبشير به، بل تعنيه هو نفسه. وقد أعدّ الوحي القديم لهٰذه التّسمية بما يقوله عن كلمة الله وحكمته الأزليّة، وصلتهما الوثيقة بٱلله، ودورهما الفريد في خلق الكون، ورسالتهما إلى البشر (مثل 8/22-36؛ حك 7/22-30؛ سي 24/3-32؛ آش 55/10-11). ولٰكنّ الإنجيليّ يوحنّا قد أدرك سرّ شخصانيّة الكلمة على ضوء سرّ التّجسّد الإلٰهيّ، ووحي يسوع المسيح.
مع الله: أي معه، حاضرة لديه، ومرتبطة به (مثل 8/30؛ حك 9/9). الله، بصيغة المعرفة، يعني الله الآب شخصيًّا، هنا وفي العهد الجديد عامّة. أمّا في العبارة التّالية "وكانت الكلمة الله"، فلفظة "الله" ترد، في الأصل اليونانيّ، بصيغة النّكرة، كنعت للكلمة دالّ على جوهر المسيح الإلٰهيّ، وهو جوهر الآب نفسه، وإن كان شخصًا آخر غير شخص الآب في سرّ الثالوث الأقدس. ولم ترد لفظة "الله" نعتًا ليسوع إلّا هنا، وفي (يو 1/18؛ روم9/5).
3-4 حرفيًّا، الآية 3: "كلّ شيء بها صار، وبغيرها ما صار أيّ شيء، ما قد صار"، والآية 4: "كلّ ما كوّن به كان حياة، والحياة كانت نور النّاس". "بها حياة كانت، والحياة كانت نور النّاس". وفي نقل هاتين الآيتين روايتان: رواية تربط الجملة الموصوليّة "ما قد صار" بما يتبع: "ما قد صار بها حياة كان، والحياة كانت نور النّاس"، وهي رواية المخطوطات اليونانيّة القديمة، فٱتّبعناها في ترجمتنا، ورواية ترطبها بما يسبق: "كلّ شيء بها صار، وبغيرها ما صار أيّ شيء ممّا قد صار. بها حياة كانت، والحياة كانت نور النّاس"، كما هي في تقسيم النّصّ الحاليّ منذ القرن الثّاني عشر. وهي، على ما يُجمع الشّرّاح، رواية مستحدثة، قام بها الآباء الأقدمون، في القرن الرّابع، ردّاً على آريوس، الّذي فهم العبارة "ما قد صار بها حياة كان" بمعنى "ما قد صار فيها حياة كان"، فرأى أنّ المسيح الكلمة مخلوق، لا إلٰه، ولا مساوٍ للآب في الجوهر.
2 حك 9/1؛ مثل 8/22؛ يو 1/10؛ 1 قور 8/6؛ قول 1/16-17؛ عب 1/2-3؛ رؤ 3/14.
كلّ شيء به كوّن: المسيح الكلمة مبدأ الخلق، ومثاله، وغايته: كلّ شيء به، وفيه، وإليه (قول 1/16). الخلق بأسره حامل وسم خالقه (حك 13/1؛ روم 1/19-20).
3 يو 5/26؛ 8/12.
حياة: هي حياتنا الطّبيعيّة، وحياة الله فينا. يربط الإنجيليّ موهبة الحياة بمجيء المسيح إلى أرضنا (3/16؛ 5/40؛10/10؛ 11/25؛ 20/31).
نور النّاس: يهدي النّور النّاس إلى الله. يربط الإنجيليّ أيضًا موهبة النّور بمجيء المسيح إلى أرضنا (1/9؛ 3/19؛ 8/12؛ 9/5؛ 12/35، 36، 40): المسيح الكلمة يهب الوجود، والحياة والنّور، فجميع الكائنات من جماد وحيوان وإنسان خلق جديد على يد يسوع، وإشارة إلى الخلق الأوَّل (تك 1/1). وما الآيتان الأخيرتان من إنجيل يوحنّا – شفاء الأعمى (9)، وإحياء لعازر (11) – سوى تحقيق تاريخيّ لموهبتَي النّور والحياة على يد يسوع المسيح.
4 يو 3/19؛ 8/12؛ 1 يو 2/8؛ 1 تس 5/4.
الظّلمة: هي قوى الشّرّ، الّتي تقاوم عمل الله الخلاصيّ في الإنسان.
لم تقو عليه: ترد الكلمة اليونانيّة بمعنَيين: ما فهمته، وما دهمته وطمسته. وكِلا المعنَيين وارد في إنجيل يوحنّا.
5 متّى 3/1؛ مر 1/4؛ لو 1/13، 17، 76؛ 3/2.
يوحنّا: هو المعمدان، والآيات الرّاجعة إليه (6-8، 15) كانت، على ما يرى شرّاح، مقدّمة الإنجيل الرّابع، قبل إدخال النّشيد عليه، في المرحلة الأخيرة من تدوينه.
7 يو 1/19-34.
للشّهادة: يشدّد الإنجيل الرّابع على دور يوحنّا المعمدان كشاهد ليسوع، لا كمعمِّد (1/6، 15، 19؛ 3/26؛ 5/33-36). ويشدّد مرّات على الشّهادة: فٱلمعمدان يشهد ليسوع، وتشهد له أعماله (5/36؛ 10/25)، ويشهد له الآب (5/31، 37؛ 8/13)، وتشهد الكتب المقدّسة (5/39)، والرّوح القدس (15/26)، والرّسل (15/27)، والإنجيليّ نفسه (19/35؛ 21/24)، والمسيح يشهد للآب (3/11، 32)، وإن لم يقبل العالم شهادته (3/11؛ 8/13).
8 يو 1/20.
9 يو 3/19؛ 8/12؛ 12/46؛ 1 يو 2/8.
آتيًا: يمكن ربطها بإنسان: "نور كلّ إنسان آتٍ إلى العالم". ولٰكنّ الأفضل ربطها بٱلنّور، لأنّ الكلام، في الآيات التّالية، يدور على مجيء النّور، على صورة مسيحانيّة (آش 9/2؛ 42/6؛ 60/1-3).
العالم: يعني لدى يوحنّا: الكون المخلوق (1/3)، أو الأرض، أو النّوع البشريّ عامّة (3/9)، موضوع محبّة الله (3/16). ويعني "العالم" غالبًا من يعادون يسوع وتلاميذه (7/7؛12/31؛ 15/18، 19؛ 17/14)، فإذًا هو عداء بين "هٰذا العالم" (8/23) الخاضع لسلطان الشّيطان (12/31؛ 14/30؛ 16/11؛ 1 يو 5/19)، وللشرّ، وبين "العالم الآتي" الّذي قد يعني "الحياة الأبديّة" (12/25). على التّلاميذ أن يعيشوا في العالم، وإن لم يكونوا منه (17/11، 14).
10 يو 1/3؛ 1 قور 8/6؛ قول 1/16؛ عب 1/2؛ يو 14/17؛ 17/25.
ما عرفه: كانت الخطيئة الكبرى، في العهد القديم، رفض الإنسان معرفة كلمة الله (با 3/10-14، 23، 31؛ مثل 1/2؛ 4/1؛ 9/10؛ 30/3؛ سي 6/27؛ 18/28)، وهي، لدى يوحنّا، رفض الإنسان معرفة يسوع المسيح والإيمان به. أمّا معرفة يسوع هٰذه فهي الحياة الأبديّة (17/3).
11 إلى بيته جاءَ، وأهلُ بيته ما قبِلوه.
ترجمة أخرى "خاصّتها وخواصّها": خاصّتها أي ما هو لها ، أرض الميعاد، ميراث شعب الله الخاصّ. وخواصّها هم شعب الله نفسه (خر 19/5)، الّذي رفض مسيحَه.
12 يو 10/35؛ 1 يو 3/2؛ 5/13؛ غل 3/26.
أعطاهم سلطانًا: نعمة من الله أن يصير الإنسان ٱبنًا لله (3/3-7؛ 1 يو 3/1-2، 10؛ 5/2، 4، 18).
المؤمنون بٱسمه: يمتاز يوحنّا بهٰذا التّعبير (2/23). هو الآب أطلق على يسوع ٱسمه، الّذي نؤمن به (17/11-12)، وهو ٱسم ٱبن الله (3/18؛ 1 يو 5/13)، والله عينه: أنا هو (8/24، 28، 58؛ 13/19). الإيمان بيسوع إيمان بٱبن الله، وإقرار بألوهته.
13 يو 3/5-6؛ يع 1/18؛ 1 بط 1/23؛ 1 يو 3/9؛ 5/18.
هم: لدينا روايتان: الأولى بصيغة المفرد "هي"، وتعني الآية ولادة المسيح الكلمة من الله ولادة أزليّة روحيّة، ومن مريم العذراء ولادة جسديّة زمنيّة. والثّانية بصيغة الجمع "هم"، وتعني الآية ولادة المؤمنين، وٱشتراكهم في بنوّة يسوع الكلمة. النّقد الخارجيّ للنّصّ يرجّح صيغة الجمع، "هم"، والنقد الدّاخليّ يرجّح صيغة المفرد "هي".
دم: حرفيًّا "دماء"، إشارة إلى تكوين الولد من دم الأب والأمّ معًا.
14 روم 1/3؛ غل 4/4؛ فل 2/7؛ 1 طيم 3/16؛ عب 2/14؛ 1 يو 4/2؛ رؤ 21/3؛ خر 25/8؛ تث 4/7؛ حز 37/27؛ آش 60/1-2؛ لو 9/32؛ يو 2/11؛ 17/5؛ 1 يو 1/1-3؛ خر 34/6؛ هو 2/22.
صار بشرًا: يعني "اللّحم" الإنسان كلّه، كما يظهر في أقدم النّصوص المسيحيّة اللّاهوتيّة تعبيرًا عن سرّ التّجسد (روم 1/3؛ 8/3؛ 1 طيم 3/16). قيل "لحم"، لا "إنسان"، دلالة على ضعف الإنسان الزّائل الّذي ٱتّحد به ٱبن الله السّرمديّ، فأفرغ ذاته، على ما قال بولس (فل 2/7). وقيل "لحمًا صارت" لا "في اللّحم دخلت، أو حلّت"، دحضًا للفلاسفة الغنوسيّين القائلين أنّ الكلمة، وهي روح، واللّحم، وهو مادّة، نقيضان لا يجتمعان (1 يو 4/2).
سكن: اللّفظة اليونانيّة هي اللّفظة العبريّة نفسها "شَكَن"، ومنها لفظة "شكِينَه" أي مسكن هو مسكن الله بين شعبه في خباء المحضر (خر 25/8؛ 40/34-35)، ثمّ في الهيكل (1 صم10/13)، وسوف يعود إلى هٰذا الشّعب في الزّمان الآتي (يؤ 4/17؛ زك 2/10). يسوع المسيح الإنسان هو مسكن الله، ومكان حضوره الجديد في أرضنا، وبديل خباء المحضر العتيق، والهيكل القديم (2/19-20). وهو نفسه حضور حكمة الله بيننا (سي 24/8-13).
ورأينا: يظهر ضمير الجمع المتكلّم لأوّل مرّة في هٰذا النّشيد، وهو يعني الرّسل الّذين عايشوا الرّبّ، أو الجماعة المسيحيّة الأولى، الّتي عاشت ٱختبار المسيح الحيّ، أو الكنيسة جمعاء، المدعوّة إلى أن تعيش هٰذا اﮕختبار على مدى العصور.
مجده: كان مجد الله يظهر، في العهد القديم، في مظاهر حسّيّة باهرة، كالعاصفة والزّلزال والبرق والرّعد، والسّحاب والنّار والدّخان… (خر 16/7-10؛ 24/16-17). ويظهر، في العهد الجديد، في آيات يسوع (2/11؛ 11/40؛ 17/4)، وآلامُ يسوع وموتُه وقيامتُه لأَجلى مظهر لمجده الأبديّ (12/23، 28؛ 13/31؛ 17/2-5).
مجد ٱبن وحيد: يُظهر هٰذا اللّقب بنوّة يسوع الفريدة لله الآب، ومشاركته إيّاه في ٱلمجد والنّعمة وٱلحقّ.
ملآن نعمة وحقًا: يقابل الكلمتين اليونانيّتَين "نعمة وحقّ" كلمتان عبريّتان "رحمة ووفاء"، وهما صفتان لله، الّذي قطع مع شعبه عهدًا، وظلّ لعهده وفيًّا (خر 34/6). ألرّحمة هي النّعمة، محبّة الله المجّانيّة الّتي ظهرت في العهد المقدّس. والوفاء هو الحقّ، صدق الله، ووفاؤه لعهده الأبديّ. في العهد الجديد (رؤ 19/11-13) تعبير مماثل، وصف ليسوع بٱلأمين الصّادق. كان العهد في سيناء أجلى تعبير لمحبّة الله، ويسوع، في العهد الجديد، أجلى ظهور لتلك المحبّة، ولذٰلك يقول الإنجيليّ في ابن ما قيل في الآب: به صار لنا مع الله عهد جديد، وعهد ثابت.
15 يو 1/27، 30؛ متّى 3/11؛ مر 1/7.
كان قبلي: إشارة إلى جدل قديم: قيل أنّ المعمدان أعظم من يسوع، لأنّه بدأ البشارة قبله، وعمّده. الإنجيليّ يصحّح هٰذا الزّعم: يسوع أعظم من المعمدان، لأنّه يسبقه، بل يسبق الكون والزّمان (8/58؛ 17/5).
16 قول 2/9-10؛ يو 3/34.
نعمة تلو نعمة: هناك ترجمات أخرى ممكنة، وأهمّها: "نعمة مكان نعمة"، نعمة العهد الجديد مكان نعمة العهد القديم. و"نعمة فوق نعمة"، نعمة العهد الجديد زيدت على نعمة العهد القديم. و"نعمة تلو نعمة" تجمع بين المعنيَين.
17 خر 31/18؛ 34/28؛ روم 6/14؛ 10/4؛ يو 7/19.
19 خر 33/20؛ يو 5/37؛6/46؛ 14/9؛ 1 طيم 1/17؛ 6/16؛ 1 يو 4/12؛ متّى 11/27؛ لو 10/22؛ يو 3/11؛ 17/6؛ قول 1/15.
الله ما رآه أحد البتّة: إن رأى الإنسان الله مات (خر 33/20؛ 20/19)، فموسى حجب وجهه في حضرة الله (خر 3/6)، ومثله فعل إيليّا (1 مل 19/13)، والسّاروفيم (آش 6/2). يسوع وحده شاهد وجه الله (يو 6/46؛ 1 يو 4/12)، وسيراه السّعداء في السّماء (متّى 5/8؛ 1 يو 3/2؛ 1 قور 13/12).
ابن الوحيد الله: هٰكذا، على ما في معظم المخطوطات البرديّة والجلديّة الكبرى. وفي مخطوطات: "الأحد ٱبن الله"، وفي أخرى: "ابن الأحد".
أخبّر عنه: لا ترد هٰذه اللّفظة، يونانيًّا، في العهد الجديد إلّا في (يو 1/18)، وفي (لو 24/35؛ رسل 10/8؛ 15/12، 14؛ 21/19). وهي تعني أصلًا: "أَخرج"، ثمّ عنت "شرح وخبّر". بكلمة الله، بٱبنه المتجسّد يسوع، ظهر الله لنا أجلى ظهور: إن علّم يسوع فتعليم الآب، وإن عمل فأعماله، ومن رآه رأى الآب. في يسوع، وبه، عرفنا الله: هو به أخبر، وهو الخبر. وهٰذا الدّور الفريد، الّذي قام به يسوع، ٱبن الله، جعل الجماعة المسيحيّة الأولى تطلق عليه ٱسم "الكلمة".
للعلم والخبر، للأمانة والدّقة، نعلن ما يلي:
مرجع القراءة: (زمن الميلاد المجيد جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1977).
مرجع نصّيِ الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، التّرجمة اللّيتورجيّة، إعداد اللّجنة الكتابيّة، التّابعة للجنة الشّؤون اللّيتورجيّة البطريركيّة المارونيّة. طبعة ثانية منقّحة – 2007).
مرجع شرح آيات الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، كليّة اللّاهوت الحبريّة جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1992).
نقله: فلّاح بكرم الرّبّ.