#dfp #adsense

مصير الأسرى في مسار الصراع العربي ـ الإسرائيلي

حجم الخط








كتب لوسيان شهوان في “المسيرة” – العدد 1748

مصير الأسرى في مسار الصراع العربي ـ الإسرائيلي

صفقات التبادل عبرة للتاريخ

لملف الأسرى والرهائن في مسار الصراع العربي – الإسرائيلي والفلسطيني – الإسرائيلي مكانة مهمّة في محطّات عديدة. ملفٌ يشكّل اليوم بعد عمليّة 7 تشرين الأول 2023 وبداية الحرب في غزة مادّة ضغط كبيرة على طرفي الصراع، منه يتمّ الدخول الى احتمالية هدنة معيّنة، ومنه يتم الخروج الى تجدد الجولات القتاليّة.

نقطة انطلاق أبرز الصفقات

بنى العرب في حروبهم مع إسرائيل قضية مهمّة حول الأسرى ومصيرهم خصوصًا الفلسطينيين الذين بإطلاق أسير أو أسيرة منهم من السجون الإسرائيلية يعطون بعضًا من الأمل لأهلهم ولشعبهم بأن قضيّتهم الكبرى بخير. بالنسبة لإسرائيل وانطلاقًا من الظروف التاريخية التي عاشها اليهود وحجم الضغط الراسخ في الذاكرة الجماعية لهذه الجماعة الثقافية، للأسرى مكانة مقدّسة في حياتها الوطنيّة. هذا غير أن قضيّة الأسرى هي بمثابة قضيّة تثبيت للعقد الاجتماعي بين الدولة الإسرائيلية وشعبها.

يُعتبر إعلان دولة إسرائيل في أيّار 1948 وما تبعه من حرب عربيّة – إسرائيلية أدّت الى أسر آلاف العرب والفلسطينيين من قبل إسرائيل من جهة، وأسر 1000 إسرائيلي من قبل العرب من جهة أخرى، انطلاقة لصفقات عدّة لتبادل الأسرى بين الطرفين المتصارعين، وصل عددها الى 40 صفقة منذ ذلك التاريخ حتى اليوم. كانت تعمل على إنجاح هذه الصفقات منظمات دوليّة أحيانًا كالصليب الأحمر الدولي، دول مؤثرة في الصراع كمصر والأردن وألمانيا، وبعض الدول العربيّة التي كانت تتواصل مباشرةً مع إسرائيل لإتمام صفقاتها. المثل الأخير يتجسّد في وساطة قطر، بالتوازي مع حرب غزة التي بدأت في 7 تشرين الأول 2023. وتسعى قطر ومصر في هذا الإطار لإطلاق الأسرى والرهائن بين الطرفين بمباركة أميركية، كون هذا الملف يدخل في سلّم أولويّات إدارة الرئيس جو بايدن.

بين حرب الـ56 وخطف الطائرات

في 29 تشرين الأول 1956 وبعد قرار تأميم قناة السويس الذي اتخذه الرئيس المصري جمال عبد الناصر في تموز 1956، قام الجيش الإسرائيلي بهجوم على شرق قناة السويس وصحراء سيناء وقطاع غزة. وانضمت في ما بعد كل من بريطانيا وفرنسا الى الهجوم الإسرائيلي الذي عُرف آنذاك بالعدوان الثلاثي على مصر. وبعد توجيه الاتحاد السوفياتي إنذارًا الى المعتدين، واستدراكًا لأي مضاعفات في الموقف السوفياتي وبضغط كبير من الرئيس الأميركي دوايت آيزنهاور، انتهى القتال صباح 7 تشرين الثاني مع صدور قرار من مجلس الأمن رقم 1001 بوقف العمليّات الحربية والانسحاب من القناة. في 21 كانون الثاني 1957 بدأت صفقة تبادل الأسرى بين إسرائيل ومصر وانتهت في 5 شباط من العام نفسه، أُطلق بموجبها سراح 5500 أسير مصري بين عسكري ومدني أسرتهم إسرائيل مقابل إفراج مصر عن أربعة جنود إسرائيليين كانت أسرتهم في الحرب نفسها. لم تهدأ الجبهات كثيرًا ولم يُدفن الصراع بل تعزّز مع الحرب العربية – الإسرائيلية الثالثة في 5 حزيران 1967، حين شهدت المنطقة حربًا امتدت لستة أيام خرجت منها إسرائيل منتصرة على العرب. سقط بأيدي القوات العربية 15 جنديًا إسرائيليًا، بينما سقط في يد إسرائيل 4338 جنديًا مصريًا، بالإضافة إلى 899 مدنيًا، و533 جنديًا أردنيًا، و366 مدنيًا، و367 جنديًا سوريًا، و205 مدنيين سوريين.

في 15 حزيران 1967 بدأت عملية تبادل جديدة انتهت في 23 كانون الثاني 1968، أُفرج من خلالها عن طيارين إسرائيليين في العراق وأفرجت إسرائيل في المقابل عن 428 أردنيًا. ومع السوريين أفرجت حكومة إسرائيل عن 572 سورياً مقابل طيار وجثث ثلاثة جنود إسرائيليين آخرين. ولاحقًا جرت عملية تبادل مع الأردن في شباط 1968، حيث أفرجت إسرائيل عن 12 أسيرًا، بينما سلّمت الأردن لإسرائيل جثة جندي إسرائيلي.

نمط آخر من الصراع بدأ في تموز 1968 مع قيام يوسف الرضيع وليلى خالد من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بخطف طائرة إسرائيلية تابعة لخطوط العال باتجاه الجزائر كانت تتجه بالأساس من لندن الى روما ثم الى تل أبيب. كانت تحمل الطائرة 100 راكب جرى تحريرهم بمقابل الإفراج عن 37 فلسطينية. كرّرت الجبهة الشعبية فعلتها في آب 1969 عبر عمليّة اختطاف أخرى لطائرة أميركية كانت تتجه من لوس أنجلس الى تل أبيب، وفي هذه المرّة أيضًا كانت ليلى خالد من قادت عمليّة الاختطاف باتجاه دمشق. كانت تحمل الطائرة حوالي 116 راكبًا جرت مبادلتهم مع بعض السجناء الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية من بينهم طياران سوريان كانت احتجزتهما السلطات الإسرائيلية قبل عام. تركت ليلى خالد سوريا بعد أشهر على احتجازها من قبل السلطات السورية متوجّهة الى ألمانيا حيث خططت من جديد ونفذت في أيلول 1970 عمليّة اختطاف ثالثة لطائرة تابعة لخطوط العال كانت تنتقل من أمستردام الى نيويورك وانتهت العمليّة آنذاك باعتقال ليلى خالد التي تمّت مبادلتها في ما بعد مع ركاب طائرة رابعة بريطانية اختطفتها خليّة تابعة للجبهة الشعبية باتجاه بيروت.

بين حرب الـ73 ومحاولة اغتيال المشعل

بعد وفاة الرئيس المصري جمال عبد الناصر في أيلول 1970 واستلام نائبه أنور السادات الرئاسة، وضع السادات أمام نصب عينيه مهمّة تحرير سيناء من الجيش الإسرائيلي الذي احتلّها في حرب الـ67 وبدأ يُعدّ العدّة بهذا الاتجاه. في 6 تشرين الأول 1973 بدأت القوّات المصريّة والسوريّة بهجوم مفاجئ على سيناء وهضبة الجولان معًا. استمرّ القتال حتى 24 من تشرين الأول، تاريخ إصدار مجلس الأمن قرارًا بوقف الحرب وافقت عليه كل من إسرائيل ومصر. عندها وافقت إسرائيل على إعادة مدينة القنيطرة لسوريا وضفة قناة السويس الشرقية لمصر، مقابل إبعاد القوات المصريّة والسوريّة عن خط الهدنة وتأسيس قوّة خاصة للأمم المتحدة لمراقبة تحقيق الاتفاقية، اتفاقية فك الاشتباك التي انهت الحرب رسميًا في أيّار 1974.

وقع بأيدي المصريين في هذه الحرب 242 جنديًا إسرائيليًا، ومع سوريا 68 جندياً، ومع لبنان 4 جنود، بينما وقع في أيدي إسرائيل 8372 مصرياً، غالبيتهم من المدنيين، أسرتهم إسرائيل عندما دخلت شرقي القناة واحتلّت بعض القرى، بالإضافة الى 392 سوريًا، و6 مغربيين و13 عراقيًا. تمت الصفقة مع مصر بين 15 و22 تشرين الثاني 1973، حينما أطلقت مصر سراح 242 عسكريًّا إسرائيليًا، مقابل إطلاق إسرائيل سراح من تحتجزهم لديها من جنود وضباط مصريين. ومع سوريا تمّت صفقة التبادل بين 1 و6 حزيران 1974، عندما أفرجت إسرائيل عن 392 سوريًا، و6 مغربيين، وعشرة عراقيين، مقابل إطلاق سوريا لـ58 أسيرًا إسرائيليًا.

في خضم الحرب اللبنانية بدأت إسرائيل في 6 حزيران 1982 اجتياحها لبنان بهدف القضاء على منظمة التحرير الفلسطينية وحلفائها اللبنانيين. استمر الاجتياح الإسرائيلي حتى أيلول من العام نفسه. في 4 أيلول أسرت حركة فتح 8 جنود إسرائيليين من قوّات الناحال الخاصة بمنطقة بحمدون، وبعد الاتفاق بين فتح والقيادة العامّة – أحمد جبريل، جرى نقل الأسرى الإسرائيليين الى البقاع ولكن القيادة العامّة اشترطت الاحتفاظ بإثنين منهم. في 23 تشرين الثاني 1982، وفي طرابلس جرت عمليّة تبادل مهمّة بين فتح وإسرائيل بعد أن سلّمت فتح الجنود الإسرائيليين الـ6 الى الصليب الأحمر مقابل الإفراج عن 4700 معتقل فلسطيني ولبناني من سجن أنصار جنوب لبنان كانت اعتقلتهم إسرائيل أثناء الاجتياح في حزيران الذي سبق؛ بالإضافة الى إطلاق سراح 65 أسيرًا من السجون الإسرائيلية. لم ينجح الموساد الإسرائيلي في 25 أيلول 1997 من تسميم رئيس المكتب السياسي في حركة ح.م.ا.س خالد المشعل في عمان بعد فشل العمليّة وإلقاء القبض على عملاء الموساد آنذاك من قبل السلطات الأردنية. بعدها جرت اتفاقية تبادل ما بين إسرائيل والأردن، أطلقت بموجبها الحكومة الأردنية سراح عملاء الموساد فيما أطلقت حكومة إسرائيل سراح مؤسس حركة ح.م.ا.س الشيخ أحمد ياسين، الذي كان مُعتقلاً في سجونها منذ العام 1989 وكان يقضي حكماً مؤبدًا في السجن.

بين “ح.ز.ب.ا.ل.ل.ه” وإسرائيل

مع حلول العام 1998، أصبح “ح.ز.ب.ا.ل.ل.ه” طرفاً أساسيًا في صفقات تبادل الأسرى مع إسرائيل، فتحققت عملية تبادل بين الطرفين أطلقت إسرائيل خلالها سراح 60 لبنانيًا بينهم 10 معتقلين كانوا محتجزين في السجون الإسرائيلية والـ50 الآخرين في معتقل الخيام، إضافة إلى جثامين 38 عنصرًا من الحزب مقابل رفات رقيب إسرائيلي قُتل خلال عملية أنصارية التي نُفذت ضد وحدة الكوماندوس في س.ل.ا.ح البحريّة الإسرائيلية. كذلك عام 2004، جرت عملية تبادل أخرى بين الطرفين، أطلقت إسرائيل خلالها سراح 400 فلسطيني و23 لبناني، بينهم مصطفى الديراني والشيخ عبد الكريم عبيد، إضافة إلى رفات 59 لبنانيًا، مقابل ثلاث جثث لجنود إسرائيليين كانوا أُسروا في مزارع شبعا عام 2000. وبعدها في العام 2008، جرت عملية تبادل إضافية للأسرى أُطلق بموجبها سراح سمير القنطار وثلاثة أسرى لـ”ح.ز.ب.ا.ل.ل.ه” أُسروا خلال حرب تموز 2006، وإعادة رفات المئات من الفلسطينيين واللبنانيين، إضافة إلى إطلاق سراح عدد من الأسرى الفلسطينيين، مقابل جثتي جنديين إسرائيليين أُسرا في 12 تموز 2006 داخل الخط الأزرق.

جلعاد شاليط والثمن الباهظ

في 25 حزيران 2006 قامت “ك.ت.ا.ئ.ب.ا.ل.ق.س.ا.م” الجناح العسكري لحركة “ح.م.ا.س” بعمليّة نوعيّة على الحدود الشرقية لمدينة رفح أسفرت عن مقتل جنديين إسرائيليين داخل دبابة ميركافا، وأسر جندي إسرائيلي يُدعى جلعاد شاليط. وبعد ثلاث سنوات ونظرًا لرغبة إسرائيل بحصولها على معلومات عن الجندي شاليط، ارتضت إطلاق سراح 20 أسيرة فلسطينية مقابل فيديو لمدّة دقيقتين يظهر من خلاله الأسير الإسرائيلي بصحّة جيّدة. وبعد خمس سنوات قضاها جلعاد شاليط في الأسر، أرادت إسرائيل إعادته ولو كان الثمن باهظًا. وهذا ما حصل في 18 تشرين الثاني بعد إطلاق سراح 450 أسيرًا فلسطينيًا و27 أسيرة فلسطينية مقابل الإفراج عن شاليط وتسليمه للسلطات المصرية كمرحلة أولى. في 18 كانون الأول من العام نفسه أُطلق سراح 550 أسيرًا فلسطينيًا مقابل إعادة شاليط الى إسرائيل. استرداد شاليط من قبل السلطات الإسرائيلية لم يكن مقابل 1027 أسيرًا عاديًا، لأن ما تبيّن لاحقًا أن يحيى ا.ل.س.ن.و.ا.ر المسؤول الحالي لحركة ح.م.ا.س في غزة والمخطط الأساسي لعمليّة ط.و.ف.ا.ن ا.ل.أ.ق.ص.ى كان في عداد الفلسطينيين الـ1027 المُفرج عنهم.

مصير غير مضمون

مع بداية جولات القتال الحديث بين الجيش الإسرائيلي وحركة ح.م.ا.س، يستمر ملف الأسرى بلعب الدور المحوري في النزاع القائم. ح.م.ا.س تستعمل ورقة الأسرى لتحصل على وقف للعدوان وهدنة ما تعطيها فرصة لرصّ صفوفها الى جانب ما يمكن إدخاله من مساعدات الى قطاع غزة كالوقود وغيرها. أما إسرائيل وبعد اعلان وزير دفاعها يوآف غالانت في كانون الأول 2023 مسؤولية إسرائيل عن مقتل ثلاثة رهائن من مواطنيها لدى ح.م.ا.س عن طريق الخطأ في حي الشجاعية شمالي غزة، وبسبب الضغط الذي تتعرّض له الحكومة الإسرائيلية في الداخل، فلا بد لها من أن تذهب باتجاه تحقيق صفقة تبادل جديدة تستعيد بها بعض أسراها لدى ح.م.ا.س ، مع العلم أن إسرائيل تسعى الى هدفين أساسيين في هذه الحرب قبل ملف الأسرى. فهي تريد تحقيق واحد منهما على الأقل، إمّا تصفية كل قيادات ح.م.ا.س، وإما السيطرة الميدانية على قطاع غزة من شماله الى جنوبه.

عادت إسرائيل لطاولة المفاوضات، بوساطة مصرية – قطرية، بعد انقطاع أسابيع، عقب انهيار هدنة الأيام السبعة، التي تخلّلها إطلاق حركة ح.م.ا.س عشرات الرهائن، في مقابل الإفراج عن سجناء فلسطينيين بالسجون الإسرائيلية، فاللقاء الذي جمع مدير الموساد الإسرائيلي ديفيد بارنيا، مع رئيس الوزراء القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني في أوسلو، كان إيجابيًا. وتستمر الاتصالات الأميركية – القطرية بحثًا عن هدنة جديدة لا تعارضها ح.م.ا.س التي تشترط أن توقف إسرائيل أعمالها الحربيّة على غزة.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل