كتب علي الموسوي في صحيفة "السفير":
في نبذة مختصرة عن سيرة حياته المنشورة على الموقع الإلكتروني للمكتب القانوني الذي يعمل فيه في بلاده المملكة المتحدة، يمرّر المحامي البريطاني دايفيد يونغ جملة لافتة للنظر جاء فيها: "يقال بأنّ المحكمة الخاصة بلبنان تشكّل، في الواقع، أوّل محكمة للإرهاب الدولي في العالم"، من دون أن يذكر من هو صاحب هذه المقولة وأسباب الاستناد إليها، على أنّه في جميع الحالات، فالمحامي يونغ معجب بها ويعتزّ بفحواها وإلاّ لما نشرها ضمن سطور قليلة تتناول حياته وممارسته القانونية على نطاق واسع منحته خبرة عريقة في مجال الإرهاب ومكافحته.
وبرغم وجود محاكم دولية أخرى نظرت في قضايا لها صلة ما بالإرهاب على نطاق واسع ودموي، إلاّ أنّ لقب أوّل محكمة للإرهاب الدولي في العالم كان من نصيب لبنان، وجريمة 14 شباط 2005.
فالمحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة خصّصت لجرائم الإبادة الجماعية، والجرائم ضدّ الإنسانية، وجرائم الحرب التي شهدتها يوغوسلافيا قبل تقسيمها.
والمحكمة الخاصة بسيراليون أنشئت لملاحقة مرتكبي الجرائم ضدّ الإنسانية وجرائم الحرب التي وقعت في سيراليون تحديداً في العام 1996، مع أنّ الصراع نشب في العام 1991 واستمرّ لغاية العام 1996.
والمحكمة الخاصة بكمبوديا قامت من أجل النظر بجرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضدّ الإنسانية وجرائم الحرب التي اتهم قادة الخمير الحمر بارتكابها بين شهر نيسان 1975 وشهر كانون الأوّل 1979.
والمحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا تأسّست في العام 1994 بغاية إنزال القصاص بمقترفي جرائم ضدّ الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب التي حدثت طوال العام 1994 على خلفية عنصرية.
ومع أنّ كلّ الجرائم المذكورة هي من العيار الثقيل وأكثر إرهاباً ووحشية من جريمة 14 شباط 2005، وطاولت الآلاف من البشر من شرائح طبقية مختلفة، إلاّ أنّ جريمة اغتيال الحريري بتوصيفها بالعمل الإرهابي وهي كذلك، كانت المقدّمة لانطلاق محاكم دولية تعنى بملاحقة مرتكبي الجرائم الإرهابية الدولية في العالم، علماً أنّ هناك جرائم إرهابية كثيرة حصلت في غير دولة وعاصمة ومنطقة في الدول المتقدّمة والراقية والنامية والنائمة والمتخلّفة، ولكن لم يبادر مجلس الأمن ولا الدولة المعنية صاحبة مكان الانفجار أو الاغتيال، إلى التلويح أو طلب إقامة محكمة دولية على غرار المحكمة الخاصة بلبنان، وهذا أمر يستدعي الكثير من التأمّل والتساؤل، ولا يمكن القفز فوقه وتجاهله على الإطلاق، ما يعني أنّ اجتماع دول على تخصيص لبنان بهذه "النعمة" الدولية يحمل في طيّاته الكثير من الأهداف والغايات تكشّف مطلعها مع إصدار المدعي العام القاضي دانيال بيلمار قراره الاتهامي الأوّل الذي أراد من خلاله تطويق المقاومة في لبنان ووصفها بالإرهابية بغية إسقاطها محلّياً وعربياً ودولياً بعد تحقيقها الكثير من الانتصارات ولا سيّما في حرب تموز 2006.
وفي ما يشبه الاستسلام والإيمان الكلّي، بأنّ المحاكمات الغيابية هي الأوفر حظّاً والأكثر حضوراً في جلسات المحكمة الخاصة بلبنان، جهّز يونغ نفسه لهذا الواقع المرير والمعاكس للعدالة الشفّافة، وقام أيضاً بتدريب المحامين المسجّلين والمقبولين في مكتب الدفاع، على مجريات المحاكمة الغيابية على ما يستشفّ أيضاً من سيرته المختصرة.
ووضعت المحاكمات الغيابية على جدول أعمال المحكمة الخاصة بلبنان للمرّة الأولى منذ وجود محاكم دولية برغم أنّ القرارات الاتهامية الصادرة في غير قضيّة محالة على المحاكم الدولية الأخرى، أتت على ذكر أسماء متهمّين فارين من وجه العدالة، ولكن لم تقم أيّة محكمة بإجراءات المحاكمة الغيابية لهم إلاّ عند توقيفهم بحيث تحوّل الغيابي إلى وجاهي، واكتملت الخصومة في قاعة المحكمة على ما يتعارف عليه أهل القانون، بحضور المتهمين والادعاء وهيئة المحكمة.
ولأنّ الراغبين بتسييس المحكمة الخاصة بلبنان والمتطلعين إلى قطف ثمار سياسية منها، أدركوا مسبقاً أنّ القرار الاتهامي سيكون موجّهاً ضدّ "حزب الله" من خلال اتهام أربعة من عناصره بينهم القيادي الأمني في المقاومة مصطفى بدر الدين، وبأنّ هنالك استحالة في اعتقال هؤلاء الأربعة، كما أنّ الحزب لن يسلّم أحداً منهم، صدر الإيعاز باعتماد المحاكمات الغيابية في هذه المحكمة تحديداً من أجل التعجيل في تطويق الحزب وما يمثّل من حالة مقاومة وممانعة بوجه أصحاب مشاريع الهيمنة والتسلّط والاحتلال، ولكن فات هؤلاء أنّ الحكم سواء أكان غيابياً أو وجاهياً، من وجهة نظر الحزب، فلن يقدّم ولن يؤخّر في مسيرته وقراراته، وهو ما أفصح عنه الأمين العام السيّد حسن نصر الله في غير مناسبة وخطاب.
وجاء الاستناد إلى المحاكمات الغيابية ليؤكّد أنّ التسييس قائم في المحكمة، خصوصاً أنّه استبق صدور القرار الاتهامي ومهّد الطريق أمامه، والسؤال الدائم: لماذا لم يجر إدخال المحاكمات الغيابية في متن نصوص قواعد الإجراءات والإثبات الخاصة بالمحكمة خلال فترة الانكباب على كتابتها وتظهيرها، وتركت إلى ما بعد إنشاء المحكمة بحيث جاءت بطريقة ملتبسة تحت عنوان إدخال تشريع جديد؟.
ولم يأت اختيار رئيس مكتب الدفاع المحامي الفرنسي فرانسوا رو للمحامي يونغ عشوائياً واعتباطياً، فهو يعمل مستشاراً لدى المكتب المذكور منذ العام 2010 حيث تسنّى له زيارة لبنان والمشاركة في محاضرات ضمن ورش عمل كان مكتب الدفاع قد أعدّها لاستقطاب أكبر عدد من المحامين اللبنانيين، إلاّ أنّ شباكه لم تصطد سوى خمسة محامين لبنانيين مسجّلين في نقابة بيروت، وقاضية واحدة تعمل مستشارة في محكمة التمييز هي ليليان سعد، وذلك برغم المحاولات المتعدّدة لإلقائها في بحر المحامين مزوّدة بسلسلة من الحوافز والإغراءات المادية بطبيعة الحال.
وقد وقع اختيار رو على خمسة من كبار المحامين الدوليين للدفاع عن الأشخاص الأربعة الذين نسب إليهم القاضي بيلمار الضلوع بارتكاب جريمة 14 شباط 2005، بالإضافة إلى محاميين لبنانيين هما: أنطوان قرقماز المنتسب إلى نقابة المحامين في باريس حيث يعيش منذ سنوات طويلة، وإميل فيليب عون الذي يعمل في مكتب الوزير السابق النائب روبير غانم ورقم بطاقته النقابية هو 6504، ومحام مصري يدعى ياسر حسن.
ولم تكن المحاكم الدولية باباً للارتزاق بالنسبة إلى المحامين وحسب، بل أيضاً طريقاً إلى النجومية والسطوع في عالم القانون واكتساب المزيد من الخبرة والممارسة، وهو ما يساعد في اعتمادهم لاحقاً في دعاوى محلّية ودولية ولا سيّما إذا ما قدّم الواحد منهم، نموذجاً ناجحاً في الدفاع عن موكّله وإخراجه من عنق الإعدام وعتمة السجن إلى البراءة.
وقد أخطأت المحكمة الخاصة بلبنان في بيانها الذي تحدّثت فيه عن تعيين المحامين الثمانية وأسمائهم، والصادر في 26 تشرين الأوّل 2011، إذ أنّها اكتفت بالإشارة إلى أنّ المحامي السويسري الدكتور غويناييل ميترو رافع أمام المحكمة الجنائية الدولية والمحكمة الدولية ليوغوسلافيا السابقة، بينما نظرة واحدة على سير حياة بقيّة المحامين، تكفي للقول إنّ معظمهم ولاسيّما الأجانب منهم، عمل في محكمة دولية وترافع في دعاوى جنائية مهمّة وخطيرة وسبق لها أن استقطبت اهتمام الرأي العام الدولي وتناولتها وسائل الإعلام في أخبارها وتحليلاتها ومقالاتها وتحقيقاتها.
وعرف المحامي رو كيف ينتقي الدفعة الأولى من المحامين في المواجهة العلنية الأولى رسمياً في قضيّة اغتيال الرئيس رفيق الحريري مع مكتب المدعي، بعدما سبق للمحامي رو نفسه أن واجه القاضي دانيال بيلمار ومن ناب عنه من فريق مكتبه ثلاث مرّات، اثنتان منها أمام قاضي الإجراءات التمهيدية دانيال فرانسين في المعركة المفتوحة بين اللواء الركن جميل السيّد وبيلمار حول ملفّ شهود الزور، والثالثة أمام غرفة البداية في المحكمة في 11 تشرين الثاني 2011، ولكنّ بيلمار لن يواجه هؤلاء المحامين بعد تملّصه من متابعة عمله في المحكمة ورفضه تجديد ولايته التي تنتهي فعلياً في 28 شباط 2012، والمحاكمات لن تبدأ قبل منتصف العام 2012.
ويتضح من الاطلاع على كتاب حياة كلّ واحد من محامي الدفاع ولاسيّما الرئيسيون منهم، بأنّهم على درجة عالية من الكفاءة والخبرة المهنية العريقة، وسبق لهم أن ترافعوا عن متهمين بجرائم مختلفة توزّعت بين الإرهاب والقتل والقصف والإبادة الجماعية أمام المحاكم الدولية، مع الإشارة إلى أنّ قبول المحامي الوكالة بشكل عام عن أيّ شخص، لا يعني تبّنياً لآراء موكّله واقتناعاً بها، ولكي تكتمل مقوّمات العدالة لا بدّ من وجود قاض ومثول المتهم أمامه بحضور محاميه، وإذا لم يستطع المتهم تأمين محام وعدم قدرته على دفع الأتعاب المادية له، تسارع المحكمة، وهنا الحديث عن مطلق محكمة، إلى تعيين محام له بمساعدة المعونة القضائية التي تكون موجودة إمّا في المحكمة إذا كانت كياناً قائماً بحدّ ذاته كما هي حال المحكمة الخاصة بلبنان، وإمّا عبر نقابة المحامين مثلما يحصل في لبنان.
وهنا نبذة عن المحامين الدوليين الخمسة الفرنسي فينسان كورسيل – لابروس، البريطاني جون آر دبليو دي جونز، السويسري غويناييل ميترو، الكندي يوجين أوسوليفن، والبريطاني دايفيد يونغ:
كورسيل لابروس
ينشط المحامي الفرنسي فينسان كورسيل – لابروس ( Vincent courcelle- labrousse) في مجال الدعاوى الجنائية والجمارك والقانون الجنائي الدولي، ويحمل شهادة الدراسات المعمّقة ( Diplôme d’Etudes Approfondies) في القانون الدولي الخاص، وماجستير في القانون العام، وماجستير في القانون الخاص، ويعمل محامياً لدى محكمة الاستئناف في باريس، وتولّى الدفاع أمام المحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا (ICTR) عن وزير الشباب والرياضة السابق كاليكست نزابونيمانا (Callixte Nzabonimana) المتهم بارتكاب الإبادة الجماعية والجرائم ضدّ الإنسانية.
وخلال إحدى جلسات المحاكمة، اضطرّت المحكمة إلى فرض عقوبة على المحامي كورسيل – لابروس على ما اعتبرته "سوء سلوك"، وذلك بسبب كشفه هوّية شاهد خاضع لبرنامج حماية الشهود.
وضع بالتعاون مع نيكولاس مارميي (Nicolas Marmié) في العام 2008، كتاباً بعنوان: "حرب الريف: المغرب 1921-1926"، (la guerre du (Rif maroc 1921- 1926 يتناول فيه الحرب الاستعمارية بين القبائل المغربية والجيشين الفرنسي والإسباني والتي دارت رحاها في منطقة الريف في شمال سلسلة جبال المغرب.
كما أنّه وضع كتاباً بعنوان: (La Responsabilite penale Des Dirigeants) بالتعاون مع ثلاثة كتّاب آخرين، وذلك في العام 1996.
ويمثّل كورسيل – لابروس المتهم حسين حسن عنيسي بصفته محامياً رئيسياً، ويعاونه المحامي المصري ياسر حسن.