عاصي سيدة حوقا العجائبي.. لبنان هو نحن!

حجم الخط

سيدة حوقاسيدة حوقاسيدة حوقاسيدة حوقا

كتب ميشال يونس في “المسيرة” ـ العدد 1749

عاصي سيدة حوقا العجائبي

عندما صرخ شهداؤه… لبنان هو نحن!

إنه أكثر من ديرٍ أو محبسة أو مسكن لمن أرادوا منافسة النسور في مواضع أوكارها. هو أعجوبةٌ معلَّقة بين سماءٍ مدهشةٍ في اختيار أصفيائها وبين وادٍ يعرفها الكون كله بأنها وادي القديسين. زوَّار ذلك الدير المتحوِّل إلى محبسةٍ يسألون في اندهاش مُحقّ: من هم الأقرب إلى الجنون الذين حملوا حجارة بنيانه وهم يتسلَّقون إلى مواضع أساساته كأنَّهم يتسلَّقون سلالم الريح ومدارج الغيم، لكنهم لو أدركوا أنَّ شبيهًا ليهوذا الإسخريوطي هو الذي قد تسلَّق سلم الريح ومدرج الغيم لرفعوا التمجيد والتسبيح لغافر ذنوب أكبر الخطأة!

دير ومحبسة سيدة حوقا هما نموذجٌ غير مألوف من أشهر أفعال الندامة بعد النَّدم الإسخريوطي اليائس، والشيطان الذي دخل في يهوذا لقاء ثلاثين من الفضّة هو ذاته دخل في “إبن الصبحا” لقاء اعتماره العمامة وركوبه الخيل، فسلَّم شعبه ليصبح مرجعًا تاريخيًا من مراجع الذميَّة والمذمّة والمذلّة والخيانة، وعنوانًا دائمًا من عناوين الذين سَلَّموا أسرار أبواب حصوننا ومعاقلنا لمَن أغروه برشوة كيس دراهم، أو بكرسيٍّ خليع، أو بكسب رضى أمثال أحمد باشا الجزّار!

بعد مقاومة أربعين ليلاً وأربعين نهارًا عند تخوم سيدة حصن إهدن بقيادة قيدوم أنطاكيا وثائر كنيسة الشرق والغرب البطريرك القائد الشهيد دانيال الحدشيتي واعتقاله بالحيلة، سقط حصن السيدة فانتقل المقاومون إلى خط الدفاع الثاني المقام في محلة كتلة مار جرجس. هناك تصدّى المدافعون بأعداد قليلة لآلاف من جحافل المماليك حتى استشهد معظمهم، فنهضت إحدى الإهدنيات الباسلات ورفعت جثامين الشهداء من أرض المعركة ووضعتها في باحة كنيستي مار جرجس ومار ماما وأسرعت نحو قرية كفرصغاب تقرع جرس كنيستها إنذارًا وتنبيهًا لمن تبقى من المقاومين بأخذ الحيطة والحذر، فأسرع هؤلاء الأبطال إلى تأمين سلامة الأهالي والسَّير بهم إلى معقل لا تصل إليه إلاَّ طيور السماء، وهو مغارة كبيرة معروفة بعاصي حوقا الوصول إليها يحتاج ليد الرب شخصيًا والرب دائمًا أمينًا مع شعبه.

حاول المماليك الوصول إلى حيث يعتصم عصاة الإيمان والإباء والحرية لكنهم كانوا يفشلون المرَّة تلو المرَّة وكادوا ييأسون، لكنَّ شيطان الإغراءات حاضر لالتقاط أيَّةِ فريسةٍ تراودها أباطيل الأمجاد الزائفة عن حقارة مطامعها، فكان إبن الصبحا هو الفريسة السَّهلة، ففاوض القائد المملوكي على وسيلة سهلة تهلك وتبيد الشعب الصامد المعتصم داخل عاصي حوقا، فأشار على المملوكي بجر مياه نبع مار سمعان بشري ثم ذبح المواشي فيها، وبعدها يتم توجيهها إلى مغارة عاصي العصاة حيث استشهد مَن فيها غرقًا بالمياه والدماء الآسنة!!

يهوذا بكى بكاءً مرًا لكنَّ يأسه من رحمة الرب زيَّن له مشنقة المنتحرين فاختارها بديلةً عن التوبة والمغفرة. أما إبن الصبحا، فكان يجلس طيلة النهار ومعظم الليل أمام مغارة عاصي الشهداء الذين تسبب بإهلاكهم وإبادتهم نائحًا باكيًا متوسِّلا وسيلة يكفر بها عن جريمته التاريخية، فصمم على بناء ديرٍ على إسم السيدة العذراء قبالة مغارة العاصي لعلَّ شهداءها يقتدون بصرخة سيدهم المصلوب: “يا أبت اغفر له لأنه لم يدرِ ماذا فعل”!!

دير سيدة حوقا الذي شيَّدته أفعال ندامة إبن الصبحا، ترأس عليه يعقوب أسقف بشري حتى نياحه عام 1473، وبعدها ترأس الأسقف حزقيال بعد منشور أتاه من البابا خوسطوس الرابع بتاريخ 11 أيار 1474. عام 1508 ترأس على دير سيدة حوقا الراهب موسى العكاري ثم استحبس في محبسته حتى عام 1521 حين أرسله البطريرك شمعون إلى روما لمقابلة البابا أدريانوس السادس، وبعدها تم انتخاب حبيس محبسة حوقا موسى سعادة العكاري بطريركًا على الأمة المارونية، فكان من بطاركتها التاريخيين.

حبيس آخر من حبساء محبسة سيدة حوقا هو يوحنا مخلوف الإهدني الذي تم إنتخابه بطريركًا في عام 1624. وقد حوّل دير سيدة حوقا مدرسةً إكليريكية يدخلها المدعوون إلى كهنوت المسيح، متزوّدين بلغة لاهوت ذلك الزمان السريانية واللاتينية يسافرون منها إلى روما وروما توفد تلامذةً من عندها ليتعرَّفوا إلى رفاقٍ لبنانيين تخرَّجوا من أوكار نسور الروح والقداسة والنبوغ!

بطريرك ماروني ثالث يتخرّج من دير سيدة حوقا هو البطريرك يوحنا الصفراوي، وقد ترأس على الدير عام 1631 وعمَّر برجه الذي فوق بابه الرئيسي على يد المعلم مخائيل هوشر الحصروني. وبعدها توسّعت مدرسة إكليريكية سيدة حوقا باكتساب اللغات لتلامذتها من خلال مناهج تعليم السريانية والعربية واللاتينية والتركية والفارسية، بالإضافة إلى علوم المنطق والفلسفة واللاهوت والحساب، وكل ذلك في مكان نصفه داخل مغارة ونصفه معلَّق فوق مهاوي قنوبين. هذا الدير المعجزة استحق براءة بابويّةً من قداسة البابا أوربانوس الثامن يوم 24 تموز 1625!!

يا مسيحيي لبنان، جماعاتٍ وأفرادًا نظِّموا زياراتكم إلى حيث تكسرون قاعدة المثل العامي: “الكنيسة القريبة لا تشفي”.. إنَّ تنظيم زياراتكم إلى دير وإكليريكية ومحبسة سيدة حوقا لهو شفاؤكم الروحي والنفسي والوجداني والوطني، فحين تسيرون نزولاً على تلك الدرجات الصخرية الحادة الإنحدار، فإنَّ في نزولكم إرتفاعاتٌ لا تدركون مدى علوها إلاَّ حين تتأملون بلحظات إنزال يسوع المصلوب عن خشبة صليبه.

لحظة تدخلون من ذلك الباب المعتَّق بأيادي مئات الحبساء والزهاد، قد يأسركم صوتٌ يأتي من آلاف أصوات شهداء عاصي حوقا غرقى الماء المخلوط بدم المواشي: هو الصوت المدوّي من الآن وإلى أبد الآبدين: نحن هو لبنان ولبنان هو نحن، إنّ استشهادنا اختناقًا لأجل بني بنيكم هو وصية وصايانا إليكم… أغرقوا في دمائنا جوازات سفركم ووثائق هجرتكم، فجواز السَّفر من أرض الشهداء هو بمقام فضة يهوذا الإسخريوطي وخلعة إبن الصبحا!!!

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل