
تأثير الجاذبية على جسيم صغير جدًا، مثل ذرة أو جزيء، يمكن فهمه من خلال قوانين الفيزياء الكلاسيكية والفيزياء الكمية. في الفيزياء الكلاسيكية، وبالأخص وفقًا لقانون الجاذبية العام لنيوتن، القوة الجاذبية بين جسمين تتناسب طرديًا مع كتلتيهما وتتناسب عكسيًا مع مربع المسافة بينهما. هذا يعني أن الجاذبية تؤثر على جميع الأجسام، بغض النظر عن حجمها أو كتلتها. ومع ذلك، بالنسبة لجسيم صغير جدًا مثل ذرة أو جزيء، فإن قوة الجاذبية التي تؤثر عليه تكون صغيرة جدًا بالمقارنة مع القوى الأخرى مثل القوى الكهروستاتيكية أو القوى النووية.
باحثون من جامعة “Southampton” الواقعة في الساحل الجنوبي لإنجلترا حققوا تقدمًا هامًا في تحدي نظريات ألبرت أينشتاين، الذي توفي في عام 1955 عن عمر يناهز 76 عامًا وكان معروفًا بنظرياته في النسبية الخاصة والنسبية العامة. استطاع العلماء قياس تأثير الجاذبية على جسيم صغير للغاية، وهو تطور يمكن أن يفتح الباب أمام فهم “الجاذبية الكمومية” ويكشف العديد من أسرار الكون. هذا الاكتشاف المذهل، الذي يعتبر الأول من نوعه، يُعد خطوة كبيرة في مجال الفيزياء.
وفقًا لدراسة نُشرت في مجلة “Science Advances” والتي استعرضتها “العربية.نت” ونقلت عنها صحيفة “التايمز” البريطانية، نجح العلماء في قياس تأثير الجاذبية على جسيم معدني يزن 0.43 ملليغرام، وهو أصغر وزن تم تسجيله حتى الآن، متجاوزًا الرقم القياسي السابق لجسيم وزنه 90 ملليغرام.
كان أينشتاين يعتقد أنه من المستحيل اختبار تأثيرات الجاذبية على المستوى دون الذري. ومع ذلك، يثق العلماء القائمون على هذه الدراسة الجديدة بأنهم سيتمكنون من تطبيق طريقتهم على مقياس يصل إلى حوالي 1000 مرة أصغر في غضون 5 إلى 10 سنوات. يتضمن الفيديو المرفق شرحًا عن نظرية جاذبية أينشتاين.
تشرح نظرية النسبية العامة لأينشتاين سلوك الأجسام الكبيرة مثل النجوم والمجرات والثقوب السوداء في الجاذبية والفضاء والزمن، أو “الزمكان”. من ناحية أخرى، تصف ميكانيكا الكم سلوك الجسيمات الأصغر مثل الإلكترونات والبروتونات والنيوترونات والفوتونات على مستوى دون الذري.
إحدى التحديات الكبرى في عالم العلوم هي إيجاد طريقة لدمج هذين المجالين من الفيزياء. فبينما يمكن تفسير ثلاث من القوى الأساسية الأربعة التي تتحكم في الطبيعة – النووية القوية، النووية الضعيفة، والكهرومغناطيسية – على المستوى الكمي، فإن الجاذ
برودة الصفر المطلق
وكان الباحثون أنشأوا جسيما مغناطيسيا يزن 0.43 mg أو 43 جزءا من الألف من الغرام، صنعوه من عنصر “Neodymium” الكيميائي، وهو “فلذي” نادر، رمزه ND وعدده الذري 60 بالجدول الدوري، وجعلوه يحلق داخل مجال مغناطيسي عند حرارة بلغت 273 مئوية تحت درجة التجمد، أي جزء من 100 من الدرجة فوق أبرد درجة، أي الصفر المطلق، وأدى هذا إلى تقليل تأثير جميع القوى الأخرى إلى الحد الأدنى للتركيز فقط على تأثير الجاذبية، ثم وضعوا وزنًا يبلغ 2.4 كغم على مسافة متر واحد تقريبا، وكان الهدف هو استخدام قوة الجاذبية الصغيرة الناتجة عن وزن 2.4 كغم لجذب الجسيم البالغ وزنه 0.43 ملغم. وللقيام بذلك، قاموا بضبط الجسيم الصغير على التذبذب وتنسيق الوزن البالغ 2.4 كغم ليتأرجح بالتردد نفسه.
وباستخدام مبدأ مماثل، استخدم العلماء وزن 2.4 كغم لتضخيم تذبذبات الجسيم الوازن 0.43 مغم، وسجلوا قوة قدرها 30 “Attonewton” المعروف كقوة لازمة لتسريع كتلة مقدارها 1 كغم بمعدل متر واحد في الثانية/ وكل ثانية، أي أن كل “أتونيوتن” هو واحد على 5 أو واحد على مليار من مليار من مقدار هذه القوة.
ومما قاله البروفسور “Tim Fuchs” المؤلف الرئيسي للدراسة، إن العلماء حاولوا وفشلوا طوال قرن مضى، بفهم كيفية عمل الجاذبية وميكانيكا الكم معا. والآن نجحنا بقياس إشارات الجاذبية عند أصغر كتلة تم تسجيلها على الإطلاق، واقتربنا خطوة من إدراك كيفية عمل الجاذبية جنبا إلى جنب، ومن هنا سنبدأ بتقليص حجم المصدر باستخدام هذه التقنية لنصل إلى العالم الكمي على كلا الجانبين. ومن خلال فهم الجاذبية الكمومية، يمكننا حل بعض أسرار الكون، ومنها كيف بدأ، أو ما يحدث في ثقب أسود، أو توحيد كل القوى بنظرية واحدة”.
وردا على سؤال حول متى سيتمكن العلم من اكتشاف الجاذبية على المستوى الكمي، قال المؤلف “Hendrik Ulbricht” المشارك للدراسة: “آمل أن يكون ذلك خلال 5 سنوات، لكني متأكد أن ذلك سيحدث خلال 10 سنوات” بحسب ما يتفاءل.