.jpg)
في التمهيد والتحضير لحلّ “القوات اللبنانية” واعتقال قائدها وما تلاهما من ارتكابات أمنية وإعلامية وسياسية وقضائية وقانونية بحق “القوات”، كانت البلاد أمام قدرٍ مخيف وهائل من التعسف باستعمال القانون والقضاء والسلطة لم يشهد مثله لبنان في تاريخه على الرغم من كل الظلم والظلام اللذين عاشهما في أحلك ظروف المواجهات العسكرية وأقصاها… في المقابل لم يشهد لبنان في تاريخه انبعاثًا وقيامة لمجموعة كانت واقعة تحت الظلم والتعسف والتعذيب والتصفيات الجسدية، مماثلة للذي شاهده وشهد عليه الأبعدون قبل الأقربين في انبعاث وقيامة وازدهار “القوات” بعد كبت واضطهاد وسجن قسري قهري، والواقع الحالي لـ”القوات” بعد 30 عامًا على “الحلّ” دليل على ما نقول.
“يا حكيم، عندما سجنت عام 1994 انقسم اللبنانيون ثلاثة أجزاء: قسمٌ كان ثائرًا على ما حدث وقسم هللَ وكان يرى في ذلك نكايات وتصفية حسابات وتمهيدًا لقمع الشعب اللبناني، وقسم ثالث وهذا مؤسفٌ ونحن كنا جزءًا منه، ونقر أن في بعض أخطاء التاريخ دروسًا لنا جميعًا، لم نُدرك أننا ذُبحنا يوم ذُبح الثور الأبيض. لقد اخترعوا الملفات وركبوا القضايا”. أحمد فتفت في 25 تموز 2014.
انطلاقًا من كلام النائب السابق أحمد فتفت وعن انقسام اللبنانيين أثناء فترة حل القوات في 23 آذار 1994واضطهاد القواتيين واعتقال قائدها في 21 نيسان من العام نفسه، كانت القوات متهمة مستضعفة مرجومة مرذولة ومكروهة، مشوه ماضيها وتاريخها لاستسهال ضرب حاضرها ومستقبلها، وبالتالي تسهيل القضاء عليها وعلى فكرة المقاومة الثابتة التي تحملها… من هنا نفهم كيف تم حلّ حزب “القوات اللبنانية” قبل محاكمته وقبل ثبوت الأدلة وحتى قبل صدور القرارات الظنية او حتى الأحكام النافذة، وطبعًا بقرار كبير أسقط على القضاء، من خارج القضاء ونفذ داخل الحدود اللبنانية بقرار أسقط من خارج الحدود.
انطلاقًا أيضًا من كلام فتفت عن “أننا ذبحنا يوم ذبح الثور الأبيض لقد اخترعوا الملفات وركبوا القضايا”، نستعيد الذاكرة بما لحق الحلّ والاستهداف والاعتقال من تقويض للحريات واستعمال واستغلال للسلطات الأمنية والقضائية الرسمية للنيل من الخصوم والمعارضين والذين كانوا بأغلبيتهم مؤيدين مهللين مشاركين بالحلّ والاعتقال.
الفترة الممتدة من 23 آذار 1994 وحتى 14 شباط 2005 شهدت تجاوزات واستهدافات تخطت “القوات اللبنانية” بعد توهّم ازاحتها ومعارضتها الشرسة عن الساحة ليقوض عمل الأحزاب والجمعيات والاتحادات العمالية والنقابية والشخصيات التي أجبرت على سلوك طريق الشام عبر عنجر والبوريفاج قبل حل أو ربط شريط حذائها تحت طائلة “اختراع الملفات وتركيب القضايا في حقها” وتحت طائلة الاعتقال أو حتى الاغتيال.
إن كل ما فرض على اللبنانيين عامة والمسيحيين خاصة والقواتيين بشكل أخص وحصري، لم يُخفت شعلة المقاومة والمعارضة للباطل المتمثل بالنظام الأمني السوري اللبناني ولم يوقف النضال الذي خاضه القواتيون وقائدهم من داخل وخارج السجن طلابًا وعمالًا ونقابيين وإعلاميين وسياسيين والتي تلاقت لاحقًا مع مكونات أخرى مسيحية درزية وإسلامية متظللة بعباءة بكركي وبيانها في20 ايلول 2000.
إن القوات التي كانت بمثابة “نقطة الزيت” بعد المواجهات العسكرية التي تعرّضت لها وبعد حلّها واعتقالها ومحاولات اغتيالها، سرعان ما أصبحت بقعة تتمدد بحقيقة حجمها الطبيعي على الرغم من استمرار محاولات التحجيم لتنتشر “مؤثرة” لا “متأثرة” على مساحة الوطن شمالًا وجنوًبا شرقًا وغربًا ساحلًا وجبلًا، وكل ذلك بفضل ثباتها على مبادئها وعلى شفافيتها ووطنيتها وادائها المميز والأهم استقلاليتها وفرادتها في مقارباتها العلمية المنطقية والحرفية، واضعة الحرية والسيادة والاستقلال والإنسان في لبنان دستورًا لها تلتزم فيه حتى الاستشهاد.
إن كل ما عانته وقامت به القوات جعل من طروحاتها وأفكارها وادائها منهلًا ومرجعًا ونموذجًا يحتذى به لتحصد إنصافًا وتأييدًا مسيحيًا أكثريًا ترجم في الانتخابات النيابية والبلدية والنقابية والطالبية وتعاطفًا والتفافًا امتد الى بقية الطوائف والمناطق.
يلاحظ القاصي والداني اليوم بعد ثلاثين عامًا على حلّ حزب “القوات اللبنانية” أن هذا الحزب أصبح “قبلة” المواطنين والإعلاميين والسياسيين المؤمنين بسيادة وحرية لبنان و”بوصلة” التحركات المخلصة الباحثة عن الحلّول المنشودة للازمات التي تعيشها البلاد… كما أصبحت معراب مقر قيادة القوات قلعة تقف عندها التسويات والصفقات وتتكسر عليها المؤامرات على ما يُرى وما لا يُرى… ولولا حسابات البعض الضيقة والشخصية، لسمعنا تصحيحًا مع مفعول رجعي يردّ على حلّ حزب “القوات اللبنانية” في 23 آذار 1994 يقول وعن حق: “القوات هي الحلّ” ويصح معه قول الكتاب المقدس في انجيل متى 42:21 قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: “أَمَا قَرَأْتُمْ قَطُّ فِي الْكُتُبِ: الْحَجَرُ الَّذِي رَفَضَهُ الْبَنَّاؤُونَ هُوَ قَدْ صَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ؟ مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ كَانَ هذَا وَهُوَ عَجِيبٌ فِي أَعْيُنِنَا”.
.jpg)