
منذ مطلع التسعينيات ونحن لا نفوّت نشاطات الـ”We Group” الفنية والثقافية. الحفلات الموسيقية والمسرحيات التي نظمّها في لبنان أو أتى بها من الخارج ريشار فرعون وزوجته رندا داموس، لم تكن فقط للترفيه، بل كانت ولا تزال بمثابة مقاومة ثقافية حقيقية تجلب البسمة والأمل للكثيرين في هذا الوطن. على الرغم من المآسي، الصعوبات، الثورات الكاذبة والضيقة الاقتصادية، يثابر فريق “We Group” على تنظيم حفلات تستقطب عدداً كبيراً من الحاضرين الذين لا يفَوِّتون على أنفسهم موعداً فنياً.
في زمن دخلت به الضائقة المالية بيوتنا والحرب تطرق بغلاظة أبوابنا، أتى ريشار فرعون، مرة أخرى، بشانتال غويا، لتقدّم عدة عروض في كازينو لبنان. إن أردتم الكلام عن الاستمرارية والمثابرة والنجاح، فهذه المرأة، هذه الفنانة الفرنسية الراقية، أيقونة مسرح الأطفال، باتت المثال الأعلى للنجاح. لا يمكننا أن ننسى دور زوجها، المؤلف والمنتج جان جاك دوبو. دوبو هو العقل المدبّر ومهندس صورة شانتال غويا الفنية التي حُفِرَت في أذهان أجيال متتالية.
شانتال غويا التي قدمت نجاحات لعقود عدة، تعاملت مع أسماء كبيرة كسيلڤي ڤارتان، بريجيت باردو، جان دو جاردان…
كنا في الصالة عدة أجيال، أولاداً كباراً وأطفالاً صغار، نغنّي، نصفّق ونرقص. ربما استمتع الراشدون قدر ما استمتع الأطفال بالعرض الموسيقي الراقص. نحن هم الأهالي الذين في العقود الرابعة، الخامسة والسادسة، بحاجة لمعانقة الطفل القابع داخلهم، الطفل الذي خطفت منه الحرب أجمل سنوات عمره.
المشاهير كانوا أيضاً على الموعد، كالسيدة الراقية الفنانة نانسي عجرم، الشيف المميزة ستيفاني شعيب… كان يسود جو من السحر في الصالة، ننتظر أغنية تلو الأخرى، ننتظر الأغاني التي نعرفها، ننتظر الراقصين والراقصات وشخصيات من عالم الأحلام الساحر، عالم خرافي نلتجئ إليه مهما كانت أعمارنا.
انتظرنا بلهفة السوبر ستار شانتال غويا، انتظرناها كي نراها مرةً أخرى تتربع عرش مسرحها، مسرح كازينو لبنان العريق. ما لبثت أن داست أقدام ملكة مسرح الأطفال الخشبة، تزلزلت الأرض وأدخلت بإطلالتها الصالة بحالة هستيريا، حالة تأرجح بين الفرح والنوستالجيا.
شخصياً، (وكنا كثراً داخل الصالة المكتظة)، لم أتمكن من السيطرة على مشاعري وخانتني الدموع. نظرت إلى المنتج ريشار فرعون، فكان يبكي هو أيضاً كالطفل البريء. كيف لا أتأثر، كيف لا أحترم، لا أصفّق أو لا أقف احتراماً، لسيدة، لممثلة، لملكة، لطفلة، لفنانة عمرها 82 عاماً، تعتلي المسرح بكل رشاقة وحرفية وتواضع.
لو كان برونو بيتيلهايم لا يزال حياً، (الطبيب النفساني ومؤلف كتاب “تحليل حكايات خرافية”)، لعله كان حلّل الشخصيات البطولية/الخيالية، بنظرة جديدة، كان حلّل شخصيات الكوميديا ديل آرتي، شخصية الديب، الثعلب والهر، من منظار شانتال غويا وجان جاك دوبو، من خلال أعين الأطفال.
الطفل هو أذكى وأصعب مشاهد، يحميه درع ٌ حصين، ليس إلا عفويته. فالطفل لا يجامل ولا يساوم.
لا يمكننا ألا نذكر التنظيم بإشراف مباشر من ريشار فرعون وأيمن مسعود (DJ Marc). فكل تفصيل بات مدروساً بدقة ومحبة، ابتداءً من استقبال المضيفات، إلى كشك البطاقات، “لليقظة” على الأمن (باتريك خوري)…
مسرح الأطفال، على مر السنوات، دخل اللاوعي الجماعي عند عدة أجيال في لبنان. يجب ألا ننسى كل اللواتي كان لهنّ دور أساسي، اللواتي عبَّدن الطريق لهذه الرسالة، اللواتي نستهنّ الجمعيات النسوية كافةً والحكومات المتعاقبة، من ماما جنان، لمهى سلمى، ليليان كرم، جيزيل هاشم زرد، ديدي فرح، ماري-كريستين نعيم، ريم نعوم…
خلال قيادتي السيارة عائداً إلى المنزل، كنا نغني أنا وابني “Ce matin, un lapin…” وإذ بِابني قد غفى في مقعده الخلفي، وأدركت أنني أغنّي وحدي وأتراقص وراء المقود.
شانتال غويا، أتمنى لك العمر الطويل والمزيد من الأعمال. فلا عمر للإبداع والنخوة التي لا تشترى ولا تباع.
