لماذا تستمرّ استباحة طرابلس؟
ما حدث في طرابلس صبيحة الأربعاء لا يمكن قبوله ولا السكوت عنه. لقد كانت كارثة وأكثر، إنها مؤامرة مستمرة على طرابلس للتخريب والتيئيس وإثارة الفتنة والتكفير بالدولة والجيش والمؤسسات الأمنية.
منذ قرابة الثلاثة أشهر لا يكاد يمر أسبوع إلا ويسقط في طرابلس قتلى وجرحى، ومرة من مصادر معروفة ومرات من مجاهيل. وقد ألهونا حتى الآن بأن القصف مصدره هذه الجهة أو تلك، وأن البادئ هذه الجهة أو تلك، فكيف سيحدث التبرير والإلهاء الآن.
المنطقة هناك مضطربة أمنياً، وقد سقط بالمدينة وضواحيها أكثر من مائة قتيل خلال الشهور القليلة الماضية، فضلاً عن مئات الجرحى، والخراب الكثيف. والمفروض بسبب وضع الاضطراب الأمني، أن الجيش وقوى الأمن حاضرة كلها هناك، وأنها تراقب الوضع عن كثب. وهذه المحطة بالذات التي حدث فيها تفجير صبيحة الأربعاء، معروف أنها محطة لجنود الجيش وقوى الأمن، يستقلون الحافلات منها وإليها. فإذا كانت الأجهزة ليست حاضرة لضبط الأمن بالمدينة، أليست حاضرة لمراقبة وصون أمن عناصرها وأفرادها، منذ مذبحة "فتح الاسلام" ضد الجنود، وما تلا من مصائب ومذابح؟.
في كل مرة يستهدف فيها المواطنون دون أن تقوم القوى العسكرية والأمنية بما عليها، واستباقاً للتذمر من جانب الناس، تبدأ البيانات بالصدور للحفاظ على وحدة الجيش ومرجعيته باعتباره أمل لبنان، والعاصم من كل ما كان وسيكون. وقد حدث ذلك عشرات المرات، وآخرها يوم دخول "حزب الله" وأعوانه إلى بيروت بالسلاح، ودور الجيش الملتبس في تلك العملية الماجدة!. أما الآن فإن الجيش نفسه هو المستهدف، وفي المنطقة التي تحضر فيها ألوف من قواته وعناصر قوى الأمن الأخرى. وكما كان منتظراً، فإن إعلام الجيش لم يقل شيئاً، لكن بيانات الدعم لم تتأخر!. المطلوب من الجهات المختصة بالجيش الآن، لا أن تقول لنا نحن المواطنين، ولا أن تقول للطرابلسيين المساكين؛ بل أن تقول لعناصرها، كيف حدث ما حدث رغم عينها الساهرة، وماذا فعلت أو ستفعل لكشف الفاعلين، واتخاذ الإجراءات الآيلة لعدم تكرار حدوث ذلك.
إن هؤلاء العسكريين الذين قتلوا، قتل وجرح منهم من قبل مئات في واقعة تخريب "فتح الاسلام" وإجرامها. ويمكن أن يظلوا معرضين باعتبار أن الجهات المتآمرة ما اختبرت رد فعل حازماً على هذه التصرفات الإجرامية من قبل. فقد رأينا وعرفنا في طرابلس والبقاع، أن قطعات الجيش كانت تنسحب عندما يشتد تبادل القصف، ثم لا تعود إلا بعد توقف المتقاتلين، وبعد إجراء "الاتصالات". وقد قال لي ضابط كبير عندما تحمّست مرة أمامه ضد فكرة الأمن بالتراضي، إن الجيش عندما تصرف في واقعات محددة دون تشاور وتراض، تركه السياسيون معرّضاً وانسحبوا أو شككوا وأدانوا. وقد يكون ذلك صحيحاً وسط الظروف المأساوية السائدة منذ عقود في بلد الإشعاع هذا. لكن ما الحجة الآن. إذ لا نعلم أن جهة سياسية أو غير سياسية تجرؤ على تغطية هذه الفعلة الجبانة ضد الجيش، وضد المواطنين الذاهبين إلى أعمالهم في الصباح. ولا تقولوا لنا ان شيئاً لا يمكن فعله لحماية أمن الجيش والمواطنين من جانب القوى العسكرية والأمنية لأن هذا الطرف أو ذاك غير موافق!، أو فقولوا لنا من هو ذاك الطرف لنعرف كيف نتعامل معه، ما دام بهذه السطوة والسيطرة والأمان!.
كنا نطمح بعد بدء الاضطراب بلبنان قبل أكثر من سنتين، أن يتقدم الجيش بخطة إلى المسؤولين عن رأيه في كيفية نشر الأمن أو فرضه، ومنع الاغتيالات، وتحميل الجهات المختصة المسؤولية عن عدم تأمين الامكانيات والظروف، لجعل فرض الأمن للجميع ممكناً. لكننا الآن لا نطمح لأكثر من أن يقوم الجيش أو ينهض بتحمل المسؤولية عن أمن عناصره وتحركاتهم. وهذا هدف متواضع وبديهي، فهل تنهض الجهات المختصة في الجيش بذلك؟!.